تصطنع السلطات المركزية، في بعض الأحيان، أسلوبا متناقضا في إدارة بعض عملياتها. في مواجهة الجائحة، قررت وزارة الداخلية، وهي القوة الدافعة في السياسات المتخذة على هذا الصعيد، أن تمنح موظفيها على صعيد الأقاليم والجهات سلطات غير محدودة في تحديد التدابير الضرورية بمناطقهم. وبغض النظر عن الانتقادات الموجهة إلى هذه الطريقة التي أنتجت، في نهاية المطاف، تركيزا مطلقا للسلطات في أيدي موظفين قليلي العدد في البلاد، فإن تلك الأوامر، كما كان يحتوي عليها مرسوم الطوارئ، تركت هامش حركة للولاة والعمال لإدارة مباشرة، وعن قرب، لتطور الجائحة وتأثيرها المحلي.
في الواقع، لم تعش هذه الطريقة المنفتحة سوى فترة قصيرة، فقد قررت السلطات المركزية أن تعيد الاستحواذ على الصلاحيات المفوضة إلى العمال والولاة. دون أي مناقشات مستفيضة، يجري سحب الصلاحيات بشكل كلي بمجرد أن تتفاقم الأوضاع. في إقليم طنجة، على سبيل المثال، أصدرت الحكومة المركزية، بصفتها هذه، بيان تشديد الحجر في الصيف. لقد تُركت طنجة شهرين بين يدي وال لإدارة شروط التخفيف، وسرعان ما أخفقت هذه السياسة، و«حجرت» على الوالي نفسه. من العسير تفسير عملية سحب الصلاحيات هذه كإخفاق لهؤلاء الموظفين المحليين، لكنها، وإن كانت كذلك بصفة جزئية، تعكس فكرة إيديولوجية في وزارة الداخلية، حيث يصبح «القرار الصعب» حقا حصريا للسلطة المركزية، فيما يحق للسلطات الجهوية أن تدير الوضع في أوقات الطمأنينة فحسب. ظهر ذلك في بيانات تشديد إجراءات قانون الطوارئ في شهر أكتوبر، عندما أصدرت عمالات أقاليم عدة، كوجدة أو تطوان أو الحسيمة أو المحمدية، خطاطة أوامر متطابقة، كلمة كلمة. لقد غيروا فقط عناوين الجهة المصدرة. يوحي ذلك بأن المصدر كان واحدا ومركزيا.
لكن، إلى أي حد يمكن السلطات المركزية أن تصبح في مركز أفضل لتقييم الأوضاع المحلية؟ في الوضعية القائمة بجهة الدار البيضاء، مثلا، تسبب قرار مركزي في تحويل أقاليم بالكاد تعاني تفشي الجائحة إلى مناطق معادلة لعمالة البيضاء نفسها، حيث تتدهور الأوضاع بشكل حاد. لقد جرى حرمان تلك الأقاليم من الشعور بالارتياح لأن والي الدار البيضاء لم يكن مرتاحا وحده في عمالته.