مغاربة وجزائريون يدعون إلى الحوار والحكمة

20 نوفمبر 2020 - 23:00

  عاد التوتر في الآونة الأخيرة إلى شمال إفريقيا، وعلت سُحب البلاغات، وصخب الإعلام، واستعراض القوة، في ظرفية عالمية متأزمة لعلع فيها السلاح في أرجاء عدة من العالم، واحتدم فيها صِدام الحضارات، ولاحت نُذُر الحرب الباردة، وتوزع العالم العربي بين أقطاب ورؤى متنافرة، عمّقت شرخه وانعكس ذلك سلبا على قضاياه المصيرية.

لزهاء خمسين سنة والمنطقة تتأثر بنزاع الصحراء وتداعياته، ما عطّل مشروع وحدتها، وعمّق الجفاء بين قطبيها الجزائر والمغرب. بيد أن ما يُسجّل أن الحكمة سادت دوما من أجل الإبقاء على الوشائج العميقة بين الشعبين، ولم تذهب حتى في أوج التوتر إلى ركوب المغامرة، وقبِل المغرب بالحل السياسي في نطاق الأمم المتحدة. لكن نجاح الأمم المتحدة في وضع حد للنزاع رهين بتصفية الأجواء في المنطقة.

أخفقت الأمم المتحدة، وما كان لها إلاّ أن تُخفق. لكن البديل ليس هو المواجهة أو الصدام. الأواصر ما بين الشعبين الجزائري والمغربي أوسع من أن تُحصى، ولم يكن يُنظر في أوج وطأة الاستعمار إلى تحرير هذا القطر دون ذاك، ولا كان يغيب عن الماهدين منذ عشرينيات القرن الماضي أن مصير الشعبين مترابط. وقامت في أعالي جبال إيطاليا في الحرب ضد النازية أثناء الحرب العالمية الثانية رفقة السلاح بين الجنود المغاربة والجزائريين.
ولما اندلعت حرب التحرير المجيدة للجزائر في نوبر 1954، كان صداها يعم المنطقة كلها، وغذاها أبناء تونس والمغرب بدمائهم، وأسهموا بالغالي والنفيس من أجل تحرير أشقائهم في الجزائر، وتعرضوا لوابل قصف القوات الفرنسية في عين الشعير وساقية سيدي يوسف وخبطة الطييار (عملية إيكوفيون).

استطاعت أيادي الاستعمار أن تفصل وحدة المصير بين الشعوب الثلاثة، التونسي والمغربي والجزائري، في خضم معارك التحرير لنيل الاستقلال، وسعت إلى أن تثير مشاكل حدودية تكون قنابل موقوتة، لكن تبصر الزعماء المغاربيين عطلوا تلك القنابل في مؤتمر طنجة سنة 1958، وفي رفض أي علاقات مع الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط قبل استقلال الجزائر، كما نادى بذلك الزعيم المهدي بنبركة في ندوة فلورنسا في أكتوبر 1958.

لكن تلك القنابل الموقوتة ما لبثت أن اندلعت بعد استقلال الجزائر حول الحدود، التي ما كانت أن تكون عائقا أمام وحدة الشعوب وتماثل المصير.

في حمأة التجاذب الإيديولوجي والصراع، لم تنطفئ جذوة الحكمة، وهو الرصيد الذي لا ينبغي التفريط فيه مهما كانت الخلافات، وهي قائمة ولا يمكن إنكارها. لكن لا يسوغ إهدار المستقبل والمصير المشترك مهما كان حجم الخلافات وطبيعتها.

إن دور المثقف هو أن يُذكّر بالمشترك حين تحجبه غيوم الخلاف، ويُحذر من الأخطار حين تعمى الأبصار. لا يمكن للشعبين مهما كانت طبيعة الخلافات ركوب المغامرة، لأن المغامرة هي بكل بساطة عملية انتحارية، وبؤرة لن تهدأ على خاصرة حول البحر الأبيض المتوسط لن توفر إفريقيا ولا أوروبا، فضلا عن العالم العربي والإسلامي.

ما تزال منطقة شمال إفريقيا تشكل موئلا ومآلا في العالم العربي، وقطبا جذابا لإفريقيا، وأرضا للحوار والتلاقي والتعاون المثمر مع أوروبا. لا يمكن أن نَخْلف آمال شعوبنا، ولا إرث أجدادنا، ولا من يتحلقون حولنا.

لا نزعم محو الخلافات بجرّة قلم، ولا إنكارها، لكن سبيل حلها هو الحوار في دائرة المصلحة المشتركة التي لا تزري بأي طرف، سواء اتخذ الحوار شكلا رسميا مباشرا، أو من خلال مساعي حميدة، أو بشكل موازٍ غير رسمي، غايته، أيا كان مصدره، تغليب صوت الحكمة والعقل، وعدم إهدار الأواصر المشتركة، أو شتيمة المستقبل، والمستقبل هو في وحدة شعوب شمال إفريقيا، لأن ذلك يندرج في مسلسل التاريخ، مع ما تفرضه العقلانية الاقتصادية والتحديات الجيو-استراتيجية القائمة، وما أكثرها.

نعم لصوت الحكمة ما بين الشعبين الجزائري والمغربي. لا للتنافر ولا لما يُغذي التوتر.

قائمة أولية للموقعين:

  • محمد بن سعيد آيت إيدر: قيادي في جيش التحرير (المغرب)
  • حسني عبيدي: أستاذ بجامعة جنيف ومدير مركز الدراسات حول العالم العربي والمتوسط
  • ثريا لحرش: عضو مجلس المستشارين (المغرب)
  • ناصر جابي: جامعي وكاتب (الجزائر)
  • قادر عبد الرحيم: أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات السياسية بباريس (الجزائر)
  • أكرم بلقايد: كاتب وصحافي (الجزائر)
  • حسن أوريد: جامعي وكاتب (المغرب)
  • عمر محمود بنجلون: محامٍ وجامعي (المغرب).

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي