الحياة تستأنف في العاصمة الرباط.. قصص مشتركة وإن اختلفت تفاصيلها- ربورتاج

07 ديسمبر 2020 - 01:00

“هنا الرباط”. يبدو المشهد من بعيد وكأن الحياة الطبيعية عادت إلى سابق عهدها، أو لنقل وكأن شارع محمد الخامس الذي يعد القلب النابض للعاصمة لم يجثم على أنفاسه فيروس كورونا من قبل، وكأننا لم نعش ما عشناه ولم تهجر الشوارع والمدن.. والحياة أيضا، ذلك أن أغلبية المحالات التجارية والمطاعم والفنادق والمقاهي فتحت أبوابها وتستقبل يوميا أفواجا من المواطنين.

“كل شيء عاد إلى سابق عهده، يكفي فقط أن نتخلص من هذه الكمامة الإلزامية أيضا”، يقول سعيد، التقته “أخبار اليوم” في شارع محمد الخامس، وهو بصدد اقتناء كتاب لدى أحد باعة الكتب.

سعيد، الخمسيني، وهو يتصفح عناوين الكتب التي رصها صاحبها على الأرض بعناية شديدة، يعتبر سنة 2020 أسوأ سنة عاشها المغاربة منذ عهد ما قبل الاستقلال في قوله: “تاريخ المغرب مع الأوبئة والفواجع معروف، يكفي فقط أن كلمة وباء تفجر الرعب في نفس أي مواطن يسمع هذه الكلمة، لكن لم يسبق في المغرب الحديث أن عاش مأساة كهذه منذ عهد ما قبل الاستقلال، ربما، آخر مرة أحس فيها المغربي أنه مستهدف وأن حياته في خطر كانت خلال فترة ما بين الحماية والاستقلال عندما اقترنت الظروف السياسية التي عاشها البلد وقتها مع الظروف الصحية والجفاف وضعف الموارد وانتشار الأوبئة، لكن فيما بعد كانت الأمور جيدة”، يقول الرجل، الذي اختار عنوان كتابه ويهم بمغادرة المكان.

غير بعيد من بائع الكتب، التقينا كريمة التي تعمل نادلة في واحد من مقاهي المدينة، بعينين ذابلتين وابتسامة خفيفة، قالت: “هذه السنة مصيبة حقيقة، فقدنا عملنا وعشنا أزمة غير مسبوقة طيلة أشهر ثم عدنا إلى العمل في النصف الثاني من السنة، لكن الحركة ضعيفة لا يوجد إقبال كما السابق، المواطنون خائفون من الوباء إلى حدود الساعة… ربما بعد اللقاح يتغير الوضع”، تقول المتحدثة باقتضاب، قبل أن تتدخل زميلتها نادية التي أكدت أنها كانت واحدة من الأشخاص الذين اعتبروا الوباء مجرد “أكذوبة جرى ترويجها إعلاميا”، قبل أن يتغير الوضع.

وتابعت المتحدثة: “لم أكن أصدق أن فيروسا قد يشل الحياة حول العالم، وأن الدول العظمى كأمريكا وأوروبا بإمكانياتها الكبيرة والضخمة فشلت في القضاء عليه. طبعا، اعتبرت الأمر في البداية مجرد إشاعة وتضارب مصالح ولم أعر الإجراءات الاحترازية اهتماما، قبل أن تُصاب والدتي وأفقدها جراء الفيروس”، تقول المتحدثة، وهي تذرف الدموع: “والدتي للأسف كانت مصابة بمرض السكري وفقدناها بعد أربعة أيام من تشخيص حالتها، لذلك أعتبر أن أكبر حماقة ارتكبتها هذه السنة هو أني اعتبرت الفيروس غير موجود، ثم عاد ليتحداني ويخطف أعز ما أملك، والدتي”.

نادية تعتبر أن اللقاح هو “الخلاص الوحيد من الجائحة، مشددة على أن الأرقام التي يسجلها المغرب وتعلن عنها وزارة الصحة ليست أرقاما حقيقية، ذلك أن الواقع يقول إن الفيروس تفشي بقدر كبير في المجتمع، الكثيرون مصابون وينقلون العدوى في أريحية تامة، لكنهم لا يخضعون لأي فحص مخبري بسبب غلائه، وبالتالي الحل هو الإجراءات الوقائية، في انتظار لقاح يحمينا”.

أخذنا موعدا مع أحد الشباب المعروفين في الأوساط الفنية بالعاصمة، وهو سعد الحضراني، الذي يمتهن فن الشارع. كان يتكئ على سور بهندامه الشبابي والموسيقى الصاخبة تكاد تسمع من خارج السماعات في أذنه.

أول ما صرح به سعد لـ”أخبار اليوم” أن هذه الساحة القريبة من مقهى مشهور، شاهدة على كل مراحل حياته الموسيقية التي “دمرتها كورونا”، على حد تعبير سعد، الذي أكد أنه كان يمتهن فن الشارع طيلة الخمس سنوات الماضية قبل أن يتوقف بسبب إجراءات منع التجمهر التي أقرتها السلطات منذ شهر مارس الماضي في إطار حالة الطوارئ، وهو ما استقبله سعد ورفاقه في بادئ الأمر بصدر رحب تغليبا للمصلحة العامة.

يقول المتحدث بحسرة شديدة، وهو يتأمل ما تبقى من مسرحه في الشارع: “حقا لا أعرف ما أقوله، من الصعب العودة إلى المكان الذي كنت أعتبره مسرحي وجزءا مني، هنا كنت أصدح وأغني للحب والحرية والأمل والوطن قبل أن نهجر منه قسرا”.

وزاد الشاب العشريني بالقول: “أكيد في الأول تقبلنا الخبر لأننا في مواجهة فيروس لعين وقاتل، لكن فيما بعد تحولت حياتنا لكابوس، خاصة وأننا لم نستفد من أي دعم أو مساعدة”.

وبخصوص سبب عدم عودته إلى الغناء في الشارع يقول سعد: “لقد عدنا فعلا شهر غشت الماضي وكنا في محاولة لاستعادة جمهورنا الذي يأتي إلى شارع محمد الخامس ليتفرج على عروضنا ويستمتع بموسيقانا المتنوعة، لكن وما إن حاولنا تدارك الغياب حتى عادت السلطات قبل شهرين وطالبتنا بالرحيل الفوري… نحن الآن نعيش بدون حياة وبدون موسيقى ورجاؤنا في الله أن تتحقق أمنية وحيدة في السنة المقبلة أن نعود إلى حياتنا الطبيعية لأننا سئمنا فعلا”.

محلات بيع العصير والحلويات الشهيرة في سوق باب الأحد استأنفت عملها هي الأخرى، والملاحظ أن الناس غير آبهة بإجراءات التباعد الاجتماعي..

في هذا المكان التقينا ربيعة التي تعمل في واحد من محلات الحلوى والمأكولات السريعة، أخبرتنا باقتضاب، وهي تزاول عملها أن “الحياة تقريبا عادت إلى سابق عهدها بعد سنة مؤلمة”.

ربيعة، وهي تتحدث لـ”أخبار اليوم”، أكدت أن المواطنين في البداية كانوا يتخوفون من اقتناء الحلوى أو المملحات، لكنهم “استعادوا الثقة في البائع وجودته بعد فترة أو ربما سئموا من هذه الإجراءات الغريبة علينا، تقول المتحدثة، مضيفة: “نحن نرتدي الكمامة ونعمل بها ونعقم أيضا ولا نلمس الحلويات إلا بقفازات، أي نقوم بكل ما علينا والكمال لله”.

وبخصوص كيف عاشت هذه السنة تقول ربيعة: “كانت سنة سوداء، لكن جائحة الفقر أشد من جائحة كورونا، أكيد خرجنا للعمل بعدما عشنا أزمة غير مسبوقة فالدولة دعمتنا بمبلغ جد هزيل لا يسد حتى ثمن الكراء”، مضيفة: “لقد بعت كل ذهبي وإن كان قليلا، لكن به عشت خلال الفترة السابقة. واليوم، ها أنا أعمل وأتمنى أن تعود الحياة إلى سابق عهدها وإن لم تكن مرفهة أو مريحة، لكن على الأقل مستقرة”.

ما تقوله ربيعة وغيرها عن ظروف حياتها خلال فترة الحجر وما بعده، هو نفسه ما أكده عدد من المواطنين الذين تواصلت معهم “أخبار اليوم” في عين المكان، وهي ذات القصص التي تشترك في نفس المعاناة والسأم والرغبة في عودة الحياة إلى سابق عهدها، في انتظار تحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية لهذه الشريحة العريضة من المواطنين.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي