الصديق بيِّن، والخصم بيِّن، ومن الأفضل ترك كل ما من شأنه التشويش على الصداقة. هكذا تعامل الاشتراكي بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الائتلافية الإسبانية، مع التحضير للزيارة المرتقبة له رفقة وفد وزاري ومقاولاتي، يوم 17 دجنبر الجاري، إلى الرباط، للمشاركة في القمة المغربية الإسبانية الـ12 منذ انعقاد القمة الأولى سنة 1993 بمدريد في عهد الزعيم الاشتراكي ورئيس الحكومة السابق، فيليبي غونثاليث. إذ إن سانشيز وضع الرجل القوي في الحكومة، ونائبه الثاني بابلو إغليسياس، خارج لائحة الفريق الذي من المنتظر أن يشارك في القمة المقبلة، تجبنا لأي «فعل» غير محسوب العواقب من إغليسياس قد يشوش على القمة التي تراهن عليها الحكومة الإسبانية، خاصة أن إغليسياس، المثير للجدل، لا يخفي دعمه الواضح لجبهة البوليساريو في تعارض تام مع الموقف الرسمي الإسباني الأقرب إلى الطرح المغربي، والذي يؤكد «مركزية الأمم المتحدة» في حل نزاع الصحراء المغربية.
وإذا كان من الصعب، في الوقت الراهن، تحديد أسباب إبعاد بابلو إغليسياس، زعيم حزب «بوديموس» اليساري الراديكالي؛ فإن كل المؤشرات الآتية من الجارة الشمالية ترجح أربعة احتمالات؛ أولا، استياء السلطات المغربية من إغليسياس الذي أعلن أخيرا دعمه جبهة البوليساريو إزاء التطورات التي عرفتها قضية الصحراء في معبر الكركرات؛ ثانيا، أُسقِطَ إغليسياس من لائحة الوفد تجنبا لأي تصرف من لدنه قد يزعج المغرب؛ ثالثا، تقليصُ لائحة الوفد بسبب الإجراءات الاحترازية المتبعة لمواجهة كورونا، ما جَعَلَ إغليسياس خارج اللائحة؛ رابعا، قد يُفسر غِياب إغليسياس بغياب اختصاصاته عن أجندة القمة».
لكن المقال الحديث لوزير الداخلية الإسباني السابق، خورخي فيرنانديث دياث، في صحيفة «لاراثانون» اليمينية تحت عنوان: «المغرب والهجرة غير النظامية»، يسمح بفهم أحد أسباب إبعاد إغليسياس عن اللائحة، خاصة أن مصادر قريبة منه كانت تحدثت عن مشاركته في القمة. وقال دياث إن كل الحكومات المتعاقبة على الحكم في إسبانيا اتبعت في تعاملها مع المغرب نهج «التعاون الثنائي الوثيق المحكوم بمبدأ الولاء المؤسساتي المتبادل»، وزاد قائلا: «واستمر الوضع على هذه الحال حتى نُصبت «الحكومة المشتركة» الحالية لسانشيز وإغليسياس اللذين تصرفا بلامسؤولية وعدم الولاء مع جارنا على الأقل في قضية الصحراء الحساسة والحيوية بالنسبة إلى المغرب»، واستطرد: «وفي جزر الكناري، نرى اليوم التداعيات الأولى للجمع بين سانشيز وإغليسياس تحت سقف واحد في المونكلوا (القصر الحكومي)». وخاطب وزير الداخلية السابق الحكومة الإسبانية الحالية قائلا: «بالنسبة إلى إسبانيا، استقرار المغرب مسألة استراتيجية، وليست ظرفية».
وحتى وكالة الأنباء الإسبانية الرسمية «إيفي» أوردت، نقلا عن مصادر بالقصر الحكومي، أن إغليسياس لن يرافق الوفد الذي يرأسه سانشيز إلى الرباط لحضور قمة 17 دجنبر الجاري، رغم أن مصادر قريبة من إغليسياس نفسه كانت أكدت من قبل لـ«إيفي» أن بابلو حاضر في التشكيلة الإسبانية التي ستنتقل إلى المغرب. وإذا كانت الحكومة الائتلافية الحالية تضم خمسة وزراء عن حزب «بوديموس»، فإن هذا الحزب سيكون ممثلا في القمة المرتقبة بعضو واحد هو وزيرة العمل، يولندا دياث. وعزت مصادر من قصر «المونكلوا» غياب أغلب وزراء «بوديموس»، وعلى رأسهم إغليسياس، عن القمة، إلى الإجراءات الصحية المتبعة في المغرب، والتي تفرض تقليص أعضاء الوفد، لكن مصادر أخرى متطابقة تشك في هذا التعليل، وترجح فرضية أن يكون إبعاد إغليسياس مرتبطا بمواقفه المعادية للوحدة الترابية المغربية، وإلى تمرده أحيانا على البرتوكول الرسمي، كما حدث أخيرا في الزيارة التي قام بها ملك إسبانيا فيليبي السادس رفقة إغليسياس إلى بوليفيا لحضور حفل تنصيب الرئيس الجديد، حيث كشفت الصحافة أن إغليسياس شارك في اجتماعات أخرى غير مبرمجة في جدول أعمال الزيارة.
وفضلا عن شرط الإجراءات الصحية، فإن مصادر من القصر الحكومي الإسباني أرجعت غياب إغليسياس عن اللقاء إلى غياب اختصاصاته عن أجندة القمة، إذ إن أغلب الوزراء والمسؤولين الإسبان المرافقين لسانشيز لديهم مذكرات تفاهم سيوقعونها مع نظرائهم المغاربة. في المقابل، من المنتظر حضور وزيرة الخارجية الإسبانية، آرانتشا غونثاليث، ووزير الداخلية، فيرناندو مارلاسكا، رفقة سانشيز، أشغال الاجتماع الرفيع المستوى المرتقب.
وفي الوقت الذي يبدو فيه أنه جرى تحديد الخطوط العريضة للقمة، والتي ستركز على قضايا محاربة الهجرة غير النظامية، ومحاربة الإرهاب وشبكات الاتجار في المخدرات والتهريب الدولي، وتعميق التعاون الاقتصادي والتجاري؛ فإن نقطة استقبال الملك محمد السادس لسانشيز من عدمه لم تُحسم بعد، رغم أن الإسبان يمنون النفس بحصول الاستقبال لتعزيز مكانة وصورة رئاسة الحكومة، خاصة أن الملك استقبل كل رؤساء الحكومات الإسبانية السابقين في قمم مماثلة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن آخر قمة (11) نظمت في 5 يونيو 2015 بمدريد، فيما انعقد أول لقاء في مدريد سنة 1993.
في سياق متصل، وقبل القمة المرتقبة، أكدت سفيرة المغرب بمدريد، كريمة بنعيش، أن المغرب متشبث باتفاق وقف إطلاق النار مع الاحتفاظ بحق الرد على أي استفزاز كيف ما كان، حيث أوردت في حوار مع وكالة الأنباء «أوروبا بريس» قائلة: «لا نريد الحرب، لكننا نرفض الاستفزازات»، وقطعت الطريق على الطرف الداعم في الحكومة الإسبانية للبوليساريو قائلة إن سانشيز أكد مركزية الأمم المتحدة في حل نزاع الصحراء..