عادل بنحمزة يكتب: عشر ملاحظات أولية

12 ديسمبر 2020 - 19:00

أولا: يعلم الجميع أن المغرب يُبتز منذ سنوات بموضوع وحدته الترابية، وهذا الابتزاز جمع الأصدقاء والخصوم، لذلك، فإن أي بلد في العالم يوجد في وضعية المغرب سيسعى، وهو يمضي في حقل ألغام، إلى البحث عن مصلحته الوطنية، مع الوفاء بالتزاماته الإنسانية والقومية والتاريخية بخصوص قضايا، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، دون أن يجعل من الموضوع مجرد مقايضة فجة تقدَّم في إطار «بوليميك» متجاوز لا يقدم ولا يؤخر.

ثانيا: يمثل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، في شخص رئيسها دونالد ترامب، بسيادة المغرب على الصحراء المغربية، وفتح قنصلية بمدينة الداخلة، مكسبا تاريخيا مهما بالنسبة إلى قضية الوحدة الترابية. صحيح أنه لا يغير وضعية الإقليم أمام القانون الدولي، لكن كسب الموقف المغربي لواشنطن سيكون له أثر بالغ، فالولايات المتحدة هي أحد أهم أعضاء أصدقاء الصحراء بمجلس الأمن، وهي من يتكفل بوضع مسودات قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بقضية الصحراء المغربية.

ثالثا: عرف الموقف الأمريكي من قضية الصحراء المغربية تحولا مهما عندما ساهم في تغيير قناعة مجلس الأمن بخصوص استحالة تنظيم الاستفتاء في الصحراء، بالنظر إلى ما طرحه موضوع تحديد الهوية من تعقيدات، وشكل مقترح الحكم الذاتي، الذي تقدم به المغرب سنة 2007، بديلا لتعقيدات مسلسل تحديد الهوية. ومثل المقترح إعادة تعريف لتحديد المصير بالنسبة إلى مجلس الأمن، وهو ما حافظ عليه مختلف الأمناء العامين للأمم المتحدة، لهذا، يمثل اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية تطورا مهما في تقدير الولايات المتحدة للنزاع المفتعل في الصحراء المغربية، قد يكون وجود ترامب ورهاناته الشخصية والسياسية قد سرعه.

رابعا: هناك معلومات وثيقة تقول إن الرئيس الأمريكي السابق، بوش الابن، وقبل نهاية ولايته بأشهر سنة 2009، طلب من المغرب بدء تطبيق الحكم الذاتي في الصحراء، متعهدا بأنه سيدعم ذلك، لكن المغرب لم يقم بذلك، في اعتقادي، حرصا على إنضاج حل من داخل الأمم المتحدة، خاصة في ظل تصاعد الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي، لهذا، يمكن القول إن الاعتراف الأمريكي اليوم هو استمرار لقناعة كانت عند عدد من السياسيين الأمريكيين، وقناعة المغرب بأن الأمم المتحدة عاجزة عن حل هذا النزاع المفتعل بعد 45 سنة كاملة، مادام لا يمكنها فرض حل على أطراف النزاع.

خامسا: يعرف الوضع الدولي اليوم متغيرات كثيرة، وقضية الصحراء المغربية كانت في مرحلة سابقة من مشمولات الحرب الباردة، وفي عز التزام المغرب مع المعسكر الغربي لم يحرز أي مكسب مهم، وأساسا لم يُعترف له بالسيادة من أقرب حلفائه، وأخص بالذكر فرنسا، لذلك، فإن اختراقا بهذا الحجم الذي وقع اليوم، معناه أنه يعطي المغرب قوة مهمة في تجسيد سيادته على الأرض، ستجعل المنطقة بعيدة عن صراعات القوى الدولية، خاصة أن المغرب حافظ في السنوات الأخيرة على علاقات متوازنة مع عدد من القوى الكبرى، خاصة روسيا (اتفاقية الصيد البحري) والصين (عدد من مجالات التعاون آخرها لقاح فيروس كورونا)، وقام بتحييد عدد من الدول التي كان دعمها كلاسيكيا لجبهة البوليساريو، خاصة في شرق القارة الإفريقية، دون أن ننسى أنه جعل المرجعية الوحيدة للحل هي مجلس الأمن الدولي.

سادسا: يرتبط الاعتراف الأمريكي بالرئيس ترامب، وهو رجل سيغادر البيت الأبيض في 20 يناير المقبل، وهذا الأمر يطرح سؤالا حول مدى التزام إدارة بايدن به. هنا يمكن القول إن ولاية ترامب، على قصرها، أحدثت تحولات عميقة في نمط ممارسة الحكم، وهدمت الكثير من الثوابت والكليشيهات، والأكيد أن الإدارة الجديدة ستجد تركة كبيرة ستتعامل معها وفق المصالح الاستراتيجية لواشنطن، وأعتقد أن موضوع الاتفاق النووي مع إيران سيكون في صدارة الملفات التي ستعرف مراجعات مباشرة بعد تولي بايدن الرئاسة رسميا، علما أن ربط موضوع الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه بما يجري في الشرق الأوسط، سيجعل أي إدارة أمريكية تتردد في مراجعة موضوع الاعتراف هذا.

سابعا: ما يظهر أنه مقابل للاعتراف الأمريكي لا يمثل جديدا في الحقيقة في تعامل المغرب الرسمي مع إسرائيل، فالزيارات السياحية تقع باستمرار، وهناك مبادلات تجارية غير معلنة، خاصة في المجال الفلاحي، كما أن المغرب سبق له أن فتح مكتب اتصال إسرائيليا في الرباط، دون أن يمثل ذلك اختراقا حقيقيا للموقف الرسمي والشعبي المساند لكفاح الشعب الفلسطيني. للتذكير فقط، فالمغرب الرسمي، منذ عهد الراحل الحسن الثاني، كانت له اتصالات مع الإسرائيليين وبتنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية، كما أن المغرب هو واحد من البلدان القليلة التي تواجهت عسكريا مع الكيان الصهيوني، خاصة في جبهة الجولان المحتل.

ثامنا: من خلال ما صدر عن الديوان الملكي من بلاغات، يتضح أن المغرب حذر جدا في تدبير هذا المستجد، وحريص على عدم تقديم الأمر كمقايضة بمواقفه التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، وأنه قادر على بناء هذا التوازن، بصفته دولة عريقة لها تقاليد ولها مسؤولية أخلاقية وسياسية من خلال رئاسة الملك لجنة القدس. وفي اعتقادي، أن رد فعل السلطة الفلسطينية لن يكون متشنجا عكس ردود الفعل التي عبرت عنها بخصوص تجارب سابقة.

تاسعا: القضية الفلسطينية قضية عادلة لا يمكن المساس بعدالتها أبدا، ولا يمكن المساس بشعور المواطن العادي وتقديره للقضية تحت أي مبرر، وقد أكد الملك في اتصاله بالرئيس الفلسطيني أن المغرب يضع قضية الصحراء في المكانة نفسها التي تحتلها القضية الفلسطينية في وجدان المغاربة، وكما لم تغير اتفاقات السلام السابقة مع مصر والأردن الدعم الشعبي والواسع للحقوق الفلسطينية، فإن أي تحول رسمي في العلاقة مع إسرائيل لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن يغير من الشعور الوطني تجاه فلسطين، ومن ضرورة قيام دولية فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا الأمر لن يتراجع فيه المغرب الرسمي بكل تأكيد.

عاشرا: هل يستطيع المغرب، عمليا، التوفيق بين مصالحه الوطنية التي تحظى بالأسبقية، دون أن يمثل التقارب مع إسرائيل مبررا للتخلي عن مسؤوليته تجاه القضية الفلسطينية؟ وهل سيتوقف الأمر عند مكتبي الاتصال، أم إن الأمور ستسير بسرعة نحو تمثيل دبلوماسي متبادل، حتى ولو لم تقم إسرائيل بمراجعة سياستها الاستيطانية التي تقضي واقعيا على حل الدولتين؟

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

غيور وطني منذ 11 شهر

الخطوة الامريكية لا تضمن للمغرب شيءا . بل قد تفتح المجال لمشاكل في المدى البعيد و منها فقدان المغرب لهذه السيادة

مواطن منذ 11 شهر

لا بأس من إعادة ما سبق قوله عن حق السيد ياسين أعلاه : حشومة ! ما جدوى إعادة تدوير عناصر السردية الرسمية بتناقضاتها ؟

عزيز منذ 11 شهر

هناك العديد من التناقضات داخل المقال

Yassine Achouri منذ 11 شهر

حشومة يكون احد الصحف القليلة المستقلة تنشر بحال هدشي لواحد كينتمي لحزب الاستقلال

التالي