أوريد.. هكذا سعت الشعوب إلى إغلاق قوس 11 شتنبر وهكذا استعملت داعش لوأد الحلم

13/12/2020 - 21:00
أوريد.. هكذا سعت الشعوب إلى إغلاق قوس 11 شتنبر وهكذا استعملت داعش لوأد الحلم

عرض: إسماعيل حمودي

أهدى حسن أوريد المكتبة المغربية والعربية كتابا جديدا اختار له عنوان: « فصول ورؤى… من 11 شتنبر إلى الدولة الإسلامية »، يتناول فيه، وقد توسل بأدب الرسائل، أبرز التصورات حول كيفية خروج العالم العربي من واقعه المأزوم، وبالأساس خلال الفترة ما بين أحداث 11 شتنبر 2001 حتى إعلان خلافة داعش، مرورا بأقوى الأحداث التي هزت المنطقة، خصوصا احتلال العراق سنة 2003، والعدوان على غزة، ثم الربيع العربي سنة 2011.

*****

في كتابه « فصول ورؤى.. » يرى المؤلف أن أحداث 11 شتنبر تمثل حدثا مفصليا في علاقة العالم العربي بالغرب، وهي تعتبر ردّ فعل على حدث سابق هو ضرب العراق سنة 1990 بعد احتلاله الكويت، بينما تمثل أحداث الربيع العربي محاولة عربية للخروج من الاستبداد ومن الإطار الغربي، أما « داعش » فقد كانت الوسيلة لإعادة تطويع الشعوب العربية للبقاء تحت مظلة الاستبداد لفترة أخرى.

لا يقول أوريد ذلك بشكل مباشر، وإنما نقرأه على لسان أصوات متحاورين من حساسيات مختلفة؛ عبدالله القومي العربي، وإيدر الأمازيغي، والإسلامي، والليبرالي، ممن عبّروا عن رؤى معتدلة حول قضايا حرجة طيلة الفترة التي يغطيها الكتاب، شغلت، ولاتزال، الشعوب العربية، ويدركون أن الحوار أساسي لمدّ الجسور وبناء التوافقات الضرورية قصد تجاوز انكسارات الواقع، وهو الرهان الذي لن يتحقق في رأي أوريد إلا من خلال « إطار فكري يجمعنا » ويراه ممكنا من خلال تبني « الحداثة التي تقر بالنسبية، وتقوم على الحرية، وتعتمد العقل ».

الكتاب يوثق بشكل دقيق كل التفاعلات التي جرت منذ 11 شتنبر حتى إعلان دولة داعش في العراق وسوريا، لا يتعلق الأمر بالوقائع والأحداث الكبرى فقط، بل بأحداث كانت لها بصمتها على الوعي العربي، مثل سجن أبو غريب، وإلقاء القبض على صدام حسين ثم إعدامه ليلة عيد الأضحى، واغتيال الطفلة إيمان دحو من غزة بآلة الحرب الصهيونية، وهي التي لم تتجاوز الستة أشهر، أو اغتيال محمد جمال الدرة، أو حتى اعتقال محمد الراجي من المغرب بسبب مقالة رأي، ووفاة الشيخ عبدالسلام ياسين.

ولا يفلت أوريد أحداثا ثقافية، كذلك، مثال إصدار كتاب مهم أو إلقاء محاضرة أو مقالة في جريدة، يوثق كل ذلك بلغة عربية رشيقة، يحاور أصحابها سواء على لسانه أو بلسان محاوريه في الكتاب. هكذا نعثر على تعليقات غنية حول أطروحات فكرية، مثل « أسلمة الحداثة » أو « تحديث الإسلام »، ونقرأ حوارا لأوريد تجاه المنتج الفكري للشيخ عبدالسلام ياسين، أو كتابا غربيين أمثال برنارد لويس وآخرين.

افتتح أوريد كتابه برسالة مطولة بعث بها عبدالله ذو المنزع القومي العربي إلى صديقه وابن بلدته إيدر الأمازيغي، اعتبر فيها أحداث 11 شتنبر « قاصمة الظهر »، حرب قامت على أنقاض الحرب الباردة، لكن ضد العرب والمسلمين، وقد عاش عبدالله وقائعها بدقة في أمريكا، حتى أنه وصفها بـ »حرب دينية »، ليس بالمعنى الديني الضيق، بل بمعنى حرب الرأسمال الغربي ضد العالم العربي.

يؤمن عبدالله أن العالم العربي هو رأس حربة العالم الإسلامي، فـ »العرب مادة الإسلام »، ولذا فهو المستهدف بهذه الحرب، ولم يكن العراق سوى إحدى ساحاتها. لقد عاقبت أمريكا شعبا بسبب قائد، وهذا غير مسبوق في التاريخ، ولا يُشرف دعوات حقوق الإنسان التي يتبجح بها الغرب، أما الساحة الأخرى للحرب فهي فلسطين، الأندلس الثانية التي تذكرنا بالأولى، « جرحنا الذي يشد لحامنا » منذ 1948.

القضية الثالثة التي تشغل عبدالله القومي العربي، كذلك، هي اللغة العربية، التي يرى أنها « في صميم الحرب التي ابتدأت »، ويرى في بروز قضايا ثقافية مثل الأمازيغية مدعاة للقلق، فهو يتخوف من أن يكون ذلك سببا في اللقاء بين خصوم العربية بالأمس ودعاة الأمازيغية في سياق ما بعد 11 شتنبر لإضعاف العربية، فـ »يأكل خصومنا الثوم بفم هذا المكون الذي امتزج والعنصر العربي وتماهى معه، ورفع راية الإسلام وفتح الأندلس ».

الشخصية الثانية في كتاب أوريد يمثلها إيدر الأمازيغي، الذي يتفهم مواقف وهواجس عبدالله، لكنه لا يوافقه الرأي. يدافع إيدر بقوة عن الأمازيغية، لغة وثقافة، ضد سياسة التهميش، ويحلم بأمة مغاربية، خميرتها من الغرب، لأنه يؤمن « أن لا تحديث خارج القوالب الغربية.. لأن الغرب صار تجربة كونية ». ليست أحداث 11 شتنبر 2001 مؤامرة ضد الإسلام أو العرب، كما يزعم عبدالله، بل فرصة لإخضاع التراث العربي الإسلامي للنقد والدرس، ويطرح أوريد على لسان إيدر أسئلة عميقة حول مواقف نظرية لبعض التيارات السائدة « لا يمكن أن أزعم بأن الإسلام دين ودولة لأني منذ صباي وأن ألقن ذلك »، بينما واقع الحال يؤكد شيئا آخر « إخضاع الإسلام للسلطة، وتوظيفه لصالحها ».

يستغرب إيدر، كذلك، القول بـ »أسلمة الحداثة »، « هل تعني أن نلبس التكنولوجيا والديمقراطية لبوسا إسلاميا كما تلبس المرأة برقعا أو تشادور؟ » وماذا يعني تحديث الإسلام؟ طرح يحاول التمييز بين العقيدة والمعاملات، لكنه طرح سقفه محدود، لأن النصوص صريحة وواضحة في قضايا عدة مثل الإرث والتعدد والزكاة وغيرها. يرى إيدر أن لا ملجأ من ثورة فكرية، أو من علمانية لا تعادي الدين، تجعل من المعتقد شأنا شخصيا.

علاوة على القومي العربي والأمازيغي، هناك الإسلامي الذي له رؤيته الخاصة لما جرى، فهو يرى في مسلك العربي أو الأمازيغي « مسلك الأعراق » الذي يرفضه، تابع رسائل عبدالله وإيدر ثم حسم أمره، وهو الذي اعتنق الاشتراكية قبل أن يلتحق بركب الإسلام السياسي، قال بشأنهما: « يتراسلان، يُنفسان عن ضيم، ويُعبران عن جور لحق بهما وبأقوامهما »، لكن مآلهما أن يفترقا، لأنهما « ينطلقان من الأعراق ». يذكرنا أوريد أن الإسلامي كان مناضلا يساريا غيّر قناعاته، بعد « أن تبدى لي السراب.. سراب بعث عربي ». كما أنه عايش بروز الدعوة الأمازيغية وصرخاتها في الجامعة، لكنه اختار الإسلام، دينا وحضارة، بعدما اقتنع أنه « لا بناء حضاريا من دون دين ».

يلتمس الإسلامي العذر للقومي العربي، لكنه يرى القومية دعوة ضيقة تريد أن « تحيل الإسلام إلى نتاج عربي »، فضلا عن أنها لم تحرر فلسطين، وكانت سببا في حرب ضروس ضد إيران، وقتلت مسلمي الأكراد، وغزت مسلمي الكويت، ثم انتهت ذليلة وضيعة في غزة، لذا لا بد من الإسراع في دفنها. كما يلتمس الإسلامي العذر للأمازيعي إيدر، ذلك « الموتور من ظلم تليد، وجاهلية جهلاء عنصرية، انقضت على الإسلام واستعملته بلا إيمان… تجاسرت على بيت الرسول وسفكت دم سبطه، ومثّلت بطارق بن زياد المجيد، فخر الإسلام وفخر الأمازيغ »، لكن الإسلامي يرفض « تقية المثقف الأمازيغي »، هذا الذي استغل أحداث 11 شتنبر فجاهر الإسلام بالعداء، ثم سارع الخطى نحو مصالحة مع السلطة، ثم صار « محترف نضال وسجال، شأنه شأن القومي العربي تماما ». يعتقد الإسلامي أنه سيأتي يوم « يُستغنى فيه عنه »، ويكتشف أنه سعى وراء خيال.

يدافع الإسلامي، في كتاب أوريد، عن إسلام حضاري يستوعب جميع الأعراق، ولا يقف أبدا أمام وحدة تمازغا، ولا أمام استعادة المجد العربي، الإسلام « وعاء أقدّمه لك واملأه بما تشاء ». لكن الإسلامي، لدى أوريد، شخص معتدل بل هو « ابن الحداثة »، لكنه على خلاف الحداثيين الآخرين، يريد « حداثة للجميع وليس لفئة محدودة »، ويؤمن بضرورة « صياغة حداثتنا من خلال قيمنا ».

جرى الحوار بين القومي العربي والأمازيغي والإسلامي في ثنايا الكتاب قبل الربيع العربي، بين أبريل 2002 وأبريل 2009، لذلك كانت موضوعات الحوار حول التمثلاث الكبرى الكفيلة بإنجاز التغيير. أما بعد ثورات الربيع، نلاحظ تواري الأصوات السابقة، ليبرز الصوت الليبرالي، تحمله نساء وشباب ينحدرون من الطبقة المتوسطة، أمثال نجمة، التي يقدمها أوريد في كتابه مثالا للمرأة المغربية التي تعيش عصرها دون تنكر لهويتها. نجمة طبيبة تخرجت من الجامعة الفرنسية، كما أنها سليلة عائلة ليبرالية محافظة، تعيش نمط حياة ليبرالي، لكنها من حين لآخر تحج إلى الفقراء والمعوزين في الجبال، تنتصر نجمة للمبدأ على المصلحة، كان ذلك سبب انفصالها عن زوجها بعدما صارت حياتها معه « مسرحية نلعبها. كان يلهث وراء المال، وكان سعيه وراءه قد أنساه كل شيء، ثم استهوته السياسة وملكت عليه أمره في حزب طارئ نُعت بأنه حزب الدولة ». تقول نجمة « لم أنفصل عن رجل فقط، ولكني انفصلت عما يرمز إليه، عن منظومة اللهاث وراء المال والزيف والوصولية ».

تعتز نجمة بهويتها المركبة، يقدمها أوريد بأنها « مسلمة تعيش عصرها »، تقول: « أنا مسلمة، أستقي من الإسلام أخلاقية وبعدا روحيا »، ثم « أنا عربية أضطرب في ثقافة حدّدت رؤاي ورسمت وعيي، أحملها في دماء أبي العربية، وأحملها في شجى أمي الأندلسية »، لكنها لا تتنكر للغرب وقيمه، فهي « قد درست في مدارسه، وتمثلت طرائقه، ونفذت إلى قيمه ذات البعد العالمي ». لقد عملت نجمة، لفترة، على كبت هذا الانتماء المركب، لكن ثورة تونس أحيت كل ذلك.

على لسان نجمة كتب أوريد أن « ثورة تونس قلبت شيئا »، و »جعلت الغرب أمام حقيقته »، ثورة طرحت لأول مرة قضية « سيادة الشعب »، حيث ظهر الشعب فاعلا في الأحداث وصانعا لها، حتى أن أوريد اعتقد حينها (زمن كتابة الرسالة في يناير 2011) أن « ما وقع بتونس هو إغلاق لقوس 11 شتنبر 2001، حينما أخذ الغرب ينظر إلى مجتمعاتنا بنظرة أمنية صرفة »، ثورة تونس « أغلقت القوس لتفتح صفحة جديدة في علاقات الغرب والعالم العربي ».

يتعقب أوريد، على لسان محاوريه الليبراليين، تطورات الأحداث من سيدي بوزيد إلى ميادين التحرير، يعرض المواقف والأفكار الرائجة حينها، يتذكر وقائع بارزة في سياقها. ثورة تونس فتحت آمالا عريضة في التغيير، أما ثورة مصر فقد رفعت تلك الآمال عاليا، « حينما تتحرك مصر، يهتز العالم العربي ». ومع ثورة مصر سقط « نصف قرن من الزيف ». يسجل أوريد كيف برعت قنوات في تسويق مصر الجديدة، خصوصا الجزيرة حين كانت تبث أغاني أم كلثوم، ومعها آمال أمة قهرها الضيم والاستبداد. لم تكن أخبار سوريا جيدة، حيث القتل والترويع والدعاية، وحيث العروبة صارت ضحية للإيديولوجية البعثية المتطرفة، « فلتمت هذه الإيديولوجية، ولتنبعث الليبرالية العربية، أولى ضحاياها ». في السياق، يعود أوريد إلى الهامات الكبرى، طه حسين وكتابه « مستقبل الثقافة في مصر »، ويتساءل: هل يمكن بعث طه حسين؟ هل يمكن أن تحيى الليبرالية العربية؟

اختار أوريد الإشارة إلى ما يعتمل في المغرب كذلك، من خلال حوار نجمة وصديقتها كنزة حول مواقف محددة مثل تصريحات الأمير هشام حين توقع أن تهب الثورة على المغرب، أو تصريحات أبو بكر الجامعي حين توقع أن ثورة المغرب أكثر دموية. وفي السياق، ينقل أوريد مقتطفات من مقالات وثّقت لنفس اللحظة لكل من الإسلامي عبدالعلي حامي الدين والأمازيغي أحمد عصيد، وسجل قائلا: « لاتزال الاتجاهات الإسلامية والأمازيغية من أهم الزوايا لمقاربة قراءة الواقع المغربي ».

يتعقب أوريد دينامية الربيع العربي، من تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى سوريا واليمن، علاوة على المغرب. يرصد، يدقق، ويحلل على لسان محاوريه دائما، يبشر بعودة مصر إلى حضنها العربي، يتابع بدقة « التراجيديا الليبية »، يسجل ردود الفعل على خطاب الملك محمد السادس ليوم 9 مارس 2011، ينقل على لسان كنزة ردود فعل طبقة بورجوازية تخاف من التغيير العنيف؛ « الملك قام بثورة وأسقط النظام، رفعت الأقلام وجفت الصحف »، بينما تعبر نجمة عن موقف آخر « لا يا كنزة، لا يمكن أن نلدغ من الجحر مرتين »، كانت تلك آراء تعتمل وسط المجتمع المغربي.

يرصد أوريد بشكل مبكر توقعات باحثين غربيين، منهم فوكوياما حين كتب مستبقا تطورات الأحداث « أن الربيع العربي قد يتحول إلى شتاء عاصف »، يجادل أوريد: « لا أحد زعم أن الأمور ستكون سهلة، هي خلخلة عميقة ». وفي أبريل 2011، كتب متسائلا: هل يتحول الأمل إلى كابوس؟ سؤال مهم، بعدما رصد الكتاب أحداثا إرهابية في مراكش ومصر وتونس وغيرها، وكأنها من وحي عقل واحد.

حين أعلن عن مقتل ابن لادن، اعتبر أوريد أن الأخير مات مرتين « الأولى كانت مع الربيع العربي، والثانية مع فرقة خاصة من وحدات الجيش الأمريكي ». ويعلق أوريد « عسى أن تُطوى الصفحة. عسى أن يزهر الربيع العربي وقد ولت رياح السموم ».

لكن الأحداث السيئة كانت قد بدأت، من اقتحام وحرق كنيسة في مصر، إلى وحشية الجيش السوري ضد المتظاهرين، مرورا بمحاولة القذافي حرق بنغازي. وفي الضفة الأخرى، بدأ الإعلام الغربي ينذر بالأسوأ « انفلات أمني في تونس، والفتنة الطائفية في مصر » باعتبارهما العواصف الأولى التي تجتاح العالم العربي.

في 23 ماي سيواجه شباب حركة 20 فبراير بـ »عنف شديد، غير مسبوق، بالرباط والدار البيضاء وبطنجة. نرفزة » كتب أوريد. لاحقا، تعرض الأطباء للضرب في الرباط، لأنهم تظاهروا من أجل مطالب قطاعية، تعمد أوريد توثيق صور لأطباء وطبيبات تعرضن للسحل من قبل رجال الأمن، قبل أن يعبر عن موقفه، على لسان نجمة، « أنا غضبى. غضبى أن يتعرض الشعب لهذا الضرب، وهذا التعنيف »، وتستدرك « أنا حزينة لأننا قد ننآى عما كنت أبتغيه من تطور هادئ ». ثم جاءت وفاة كمال العماري « لم يفهم أبوه لم يموت ابنه في شرخ الشباب، شيخ ينوء تحت نير الظلم، كان يرى في كمال أملا، ووأد البطش الأمل ».

تعرض أوريد لخطاب الملك حول مشروع الدستور، ورصد تفاوتا في تقييمه من لدن المجتمع. الحوار دار هذه المرة بين نجمة وصديقتها كنزة، بين طبيبة وزوجة رجل أعمال، تنتصر نجمة للتطور الهادئ، وتخاف كنزة من انفلات الأوضاع، وترى في الدستور تنازلات لا مبرر لها، بحجة أن الشعب غير مهيأ لها. يوم التصويت على الدستور، صوّتت نجمة على الدستور الجديد « صوّت على تطور هادئ يعصمنا من الرجات ». تزامن ذلك مع إعلان « متابعة القذافي من قبل المحكمة الجنائية الدولية. تحول الاحتجاجات إلى حلب بسوريا. وتراشق بين رجال الأمن ومتظاهرين بساحة التحرير في مصر ». يستدرك « مرحلة البناء أصعب. ستأخذ وقتا طويلا ».

تتطور الأحداث، وتتزوج نجمة بعقيد في الجيش؛ تقول عنه إنه « متكتم لا يعاشر إلا جارا لنا هنا يشتغل أستاذا للعلوم السياسية، كان قد تقلب في مناصب سامية »، لتبدأ مرحلة أخرى في تطور الأحداث، أو « الغبش » كما سمّاها أوريد في كتابه، اختار أن يسجّل تطوراتها من خلال مراسلات بين نجمة وشخصية مدغري أو راهب الصحراء. يحمل مدغري رؤية مختلفة عن سابقيه، تسعى إلى سكب كل مكتسبات الحضارة الإنسانية في بناء جديد. « لا بد من الانطلاق من قراءة العالم كما هو، بالعقل والعلم والعمل، ولكن المسلم لا يدير ظهره للقرآن، هو مدرسته الأولى التي تصوغ ما يسميه محمد إقبال الإنسان القرآني ». هذا « الإنسان القرآني الذي ثبت لزحف التغلغل العسكري، وواجهه بشعلة الإيمان، رغم اختلال موازين القوى ».

تعود مصر إلى مركز الأحداث في العالم العربي، وكذلك بين ثنايا الكتاب، الذي خصها بفصل « حديث الكنانة »، يستدعي أوريد فقرات طويلة من كتاب « شخصية مصر » لمؤلفه جمال حمدان، يستنتج، في سياق أحداث ما بعد الربيع العربي، أن نجاح هذا الأخير « رهين برؤية استراتيجية تحددها مصر. الثروة الحقيقية هي الثروة الحضارية لا الثروة المادية ولا السيولة النقدية ». ومع ذلك، لم يبد أوريد تفاؤلا بانتخاب مرسي، بل نقل أصواتا من الشارع تنتقد وصول واعظ سابق إلى سدة الرئاسة في دولة كبرى مثل مصر، لا يختلف موقف أوريد من انتخاب مرسي عن موقفه من وصول حزب العدالة والتنمية المغربي إلى رئاسة الحكومة « سيدرك الإسلاميون، بعد نشوة الفوز، أنهم هنا ليحموا النافذين ويتسترون عليهم ». انتهت ثورة مصر إلى مذبحة على أعتاب رابعة العدوية، أما في المغرب فقد استعاد « الجهاز الأمني » عافيته. دخل العالم العربي منعطفا جديدا، بل إلى فوضى. يرى أوريد أن السبب في ذلك غياب الرؤية وضمور الفكر؛ ضحالة معرفية تدفع الفاعلين إلى حسم الخلاف بالقوة، وليس الفكر ولا التوافق، وهو أمر ضروري في المراحل الانتقالية. وأد الربيع العربي بالعنف، أفضى إلى خلافة داعش، وذلك « علامة على انهيار النظام العربي »، ما يستدعي إعادة البناء على أسس جديدة.

شارك المقال