لم نكن، في عددنا السابق، عبثيين حين اخترنا عنوان أول صدور لنا بعد إعلان حزمة القرارات الصادرة عن كل من البيت الأبيض في واشنطن والقصر الملكي في الرباط حول كل من الصحراء والعلاقات مع إسرائيل. فوقع «الصعقة» الذي خلّفه الحدث تفسّره أسباب كثيرة، أولها الطابع المفاجئ وغير المتوقع لما أعلنته تغريدات الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب أولا، ثم بلاغات الديوان الملكي ثانيا، لكن أقواها هو هذا الطابع المركب لتلك القرارات، حيث جاء الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء يدا في يد مع قرار آخر هو إقامة علاقات رسمية بين المغرب ودولة إسرائيل.
وقبل أية محاولة لتفكيك خيوط الصعقة المركبة، لا بد من الإقرار بأننا أمام صفقة، إيجابية كانت أم سلبية، لكنها صفقة فيها أخذ وعطاء، ربح ومقابل. بعد ذلك لا محيد عن التنبيه إلى أطراف الصفقة، وهم، دون أدنى شك، كل من المغرب والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. لكن ما يجب الوقوف عنده في الرواية المغربية لما جرى، هو هذا الحرص على تأكيد وجود طرفين أساسيين، هما المغرب والولايات المتحدة الأمريكية. أعلنت هذه الأخيرة الاعتراف بمغربية الصحراء، وحصلت في المقابل على عودة مغربية إلى اتصالات رسمية وعلنية كانت قائمة في السابق مع حليف عزيز على قلب أمريكا، أي إسرائيل.
لننتبه جيدا إلى التوقيت، لقد جرى إعلان القرارات الجديدة في يوم عيد يهودي. وفي الأعياد عادة ما تقدّم الهدايا، والحال أن ما جرى يوم الخميس الماضي هو أن دونالد ترامب كان في حاجة ماسة إلى هدية ثمينة يقدمها لأصدقائه الإسرائيليين، ولم يكن هناك أثمن ولا أهم من هدية مغربية عزيزة جدا على قلب نتانياهو الذي كاد يتسلل خلسة إلى طائرة وزير الخارجية الأمريكية أثناء إقلاعها العام الماضي من البرتغال في اتجاه الرباط.
الهدايا ليست عيبا في حد ذاتها، بل قد تحقّق ما تعجز الأساليب الأخرى عن فعله، قد ترضي صديقا وتستميل عدوا، لكن يبقى أن الهدية المعيبة هي التي يقال عنها «الهدية المجانية». لقد منح المغرب دونالد ترامب هديته الثمينة للإسرائيليين، لكن ذلك كان متزامنا مع حصول المملكة على أكثر من هدية؛ إنه اعتراف أقوى دولة وأكثرها تأثيرا ونفوذا في العالم بسيادة المملكة على نصف ترابها… وفوق ذلك قنصلية أمريكية في عاصمة وادي الذهب الغالي على قلوب المغاربة.
لنحتفظ في الأذهان بعناصر الصورة مجتمعة؛ التفاوض جرى بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، بحضور أو مشاركة ممثلي وعملاء إسرائيل.. هذا ليس مهما، فاليد الصهيونية حاضرة ضمنيا في خلفية السياسات الأمريكية، بغض النظر عن الظهور العلني من عدمه. والمكسب اعتراف قانوني ورسمي، وليس مجرد تغريدات طائشة، سوف يدخل سجلات الدبلوماسية الأمريكية، ويلزمها في كل ما يصدر عنها مستقبلا. قد يقول قائل: ماذا لو تراجعت إدارة جو بايدن عن هذا الاعتراف؟ الجواب ليس صعبا: هناك حارس سيستميت في الحؤول دون ذلك لأن لديه مصلحة في استمرار الاعتراف الأمريكي، هو اللوبي الإسرائيلي النافذ في واشنطن.
في المقابل، ماذا أعطى المغرب؟ لقد قبل بإعادة فتح مكتبي الاتصال اللذين أغلقا عام 2002 في كل من الرباط وتل أبيب، وتسيير رحلات جوية مباشرة بين البلدين، وتطوير علاقات «مبتكرة» في المجال الاقتصادي والتكنولوجي، هكذا قال بلاغ الديوان الملكي.
الإنصاف والموضوعية يحتّمان الإقرار بالمكسب الكبير الذي جناه المغرب من هذه الصفقة. الاعتراف السياسي ليس هيّنا، والقنصلية الموعودة في الداخلة ليست شكلية. الحقيقة أن الدولة العميقة في واشنطن ترغب منذ سنوات طويلة في تحويل المغرب، عبر صحرائه، إلى بوابة كبرى لاقتصادها وشركاتها نحو إفريقيا، طوق النجاة الاقتصادية لعالم مأزوم.
أتذكّر جيدا ما قاله وزير الخارجية الأمريكي السابق، جون كيري، خلال زيارته المغرب عام 2014. كنت هناك في مقر وزارة الخارجية والتعاون، وتابعت بتركيز كبير خطاب كيري الذي حرص فيه على إبداء إعجابه الكبير بمكتب نظيره المغربي حينها، صلاح الدين مزوار، وانبهاره بالعشاء الملكي الذي تناوله في الليلة السابقة، وتأكيده حاجة واشنطن إلى منفذ نحو سوق بمئات الملايين من الأفارقة، وأن السوق المغربية صغيرة ولا تكفي.
اليوم، وبعد تمكّن المغرب من وضع يده للمرة الأولى منذ الاستقلال على طريق برية مباشرة مع الغرب الإفريقي، باسترجاعه معبر الكركرات، وبوجود القنصلية الأمريكية في الداخلة، فإن إشارة الانطلاق أعطيت بوضوح للرساميل الأجنبية للمجيء والاستثمار.
قد يكون من باب التخلّف عن ركب العصر الاستمرار في تصوّر أن قرارات وسياسات الدول تنبني على أساس اصطفاف إيديولوجي أو مثالي. وإذا كان ذلك لا ينفي حق التيارات الفكرية والسياسية في الوجود وفي التعبير عن مواقفها، والمطالبة بسياسات وقرارات تطابق ميولها الفكرية والفلسفية، فإن خلفية تغليب المصلحة الوطنية ومقاربة خطوة استئناف العلاقات الرسمية مع إسرائيل تثير المخاوف من كثير من «السموم» التي قد تدسها إسرائيل في حلوى عيد «حانوكا» المعروفة باسم «السوفغانية»، والممدودة إلينا اليوم، وهي على سبيل المثال لا الحصر:
1- استعداء مبكر لإدارة بايدن المقبلة، والتي ستضم حتما الكثير من الصقور الديمقراطيين الذين لن يغفروا للمغرب تكبيله أيديهم بصفقة في الوقت بدل الضائع مع ترامب.
2- تفوّق أخلاقي بيّن وواضح سيتمتع به خصوم وحدتنا الترابية ابتداء من اليوم، حيث بات بإمكانهم وضع المغرب في مقارنة مباشرة بدولة الاحتلال الإسرائيلية.
3- تكريس نظرة ارتياب تجاه علاقات المغرب بجاليته اليهودية وامتداداتها الصهيونية. فالمغاربة الذين هاجروا إلى إسرائيل لا يمكن، بأي شكل من الأشكال، وضعهم في الكفة نفسها مع مواطنين هاجروا بحثا عن لقمة العيش ومستقبل أفضل… المغرب أمة في خصومة سياسية وفكرية ومبدئية مع مواطنيها الذين تخلوا عنها، والتحقوا بعصابات مسلحة استولت على أرض الفلسطينيين واستوطنتها. هذه حقيقة.
4- إذا كان هناك من ينظر إلى الأمر من موقع «النزوقية» السياسية وتوجيه الضربة القاضية إلى الإسلاميين، فإن الوجه الآخر للعملة هو مزيد من الإضعاف لحكومة ضعيفة أصلا، وهي حتى الآن حكومة المملكة المغربية.
5- ستؤدي هذه الخطوة، التي جرت بعيدا عن المؤسسات التمثيلية وزادت من إضعافها، إلى تقوية معارضة الشارع والتيارات الراديكالية، بيمينها ويسارها، بل والرفع من مستوى التهديد والاستهداف الإرهابي للمغرب، بما أن التطبيع يشكل مادة خصبة لتغذية الخطابات المتطرفة.
…
هذان نصفا الكأس، الفارغ والمملوء، وبينهما مساحات كبيرة تظل غامضة ومظلمة. منها، مثلا، ما حمل المغرب على القيام بخطوة التطبيع في ارتباط مباشر بقضية الصحراء وفي الوقت الضائع من عمر إدارة ترامب؛ هل كان ذلك ضروريا؟ ما الذي كان يمنع المملكة من التطبيع مادامت علاقاتها بمواطنيها الإسرائيليين، كما تقول الرواية الرسمية، لم تولد اليوم؟ هل كانت هناك، مثلا، ضغوط رهيبة من حجم احتمال إصدار ترامب إعلانا مضادا، يعترف باستقلال الصحراء، لو لم نطبّع ونقدّم هدية عيد حانوكا؟ وهل من المقبول مسارعة وزير الخارجية، ناصر بوريطة، إلى الارتماء في أحضان قناة إسرائيلية ومخالفته حتى ما ورد في بلاغ الديوان الملكي، حين تحدث عن علاقات المغرب «باليهود بصفة عامة وإسرائيل بصفة خاصة»؟ هل يستقيم، في الوقت الذي بات فيه الفكر الحقوقي العالمي يحرّم المساس بمشاعر ومعتقدات الأقليات، أن وزيرا «سياديا» راح «ينقز» كطفل فرح بحلوى «السوفغانية» طالت لهفته إليها، بالدوس على مشاعر ومعتقدات جزء من المغاربة يعتبر فلسطين واحدا من مقدساته؟ هل يعي بوريطة ومن «ينقزون» على شاكلته أنهم، بتعمّد إهانة جزء من الشعب والإساءة إلى مشاعره، يسيئون إلى الملكية وروابطها بالشعب، ويهددون، بالتالي، أكبر ركيزة للاستقرار والتماسك الوطني؟
هناك الكثير من الأسئلة التي كان ينبغي تقديم أجوبتها، لولا أن الاختيار حتى الآن يميل إلى أسلوب التنميط وسيادة الرأي الواحد، وتلك، لو تعلمون، مخاطرة كبيرة.