هكذا تفاعل الفلسطينيون مع استئناف الاتصالات المغربية مع إسرائيل

16 ديسمبر 2020 - 20:00

“خيبة أمل وصدمة غير متوقعة” خلفها قرار المغرب إعادة علاقاته بإسرائيل، في الشارع الفلسطيني الذي ندد بالحدث المستجد، في وقت تجنبت فيه الرئاسة الفلسطينية، وعلى غير عادتها، التعليق، مكتفية بإصدار أوامر شفهية صارمة للفصائل والمؤسسات الحكومية بـ”الامتناع عن انتقاد التحاق المغرب بنادي المطبعين” دون تقديم توضيحات.

اتصال ملكي وصمت رئاسي

الملاحظ أن الملك محمد السادس، وعلى عكس الدول السالفة الذكر التي استأنفت علاقاتها مع إسرائيل أخيرا، بادر إلى إجراء مكالمة هاتفية جمعته برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس أبو مازن، مباشرة بعد قرار المغرب استئناف علاقاته بالدولة العبرية وإعادة فتح مكتب الاتصال الذي أنشئ في تسعينيات القرن الماضي في الرباط وتل أبيب قبل أن يغلق في مطلع الألفية.

وأكد المغرب خلال المكالمة التي جمعت قائدي البلدين على أن إقامة علاقات مع إسرائيل “لا تمس، بأي حال من الأحوال، الالتزام الدائم والموصول للمغرب في الدفاع عن القضية الفلسطينية العادلة، وانخراطه البناء من أجل إقرار سلام عادل ودائم بمنطقة الشرق الأوسط”، مشددا على أنه “يدعم حلا قائما على دولتين تعيشان جنبا إلى جنب في أمن وسلام، وأن المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي تبقى هي السبيل الوحيد للوصول إلى حل نهائي ودائم وشامل لهذا الصراع”.

واللافت للانتباه أنه وبالرغم من مرور أيام على هذا الاتصال الذي جمع الملك محمد السادس بالرئيس أبو مازن، لم يصدر بعد أي تعقيب من الرئاسة الفلسطينية، سواء عبر قنوات الإعلام الرسمي الفلسطيني، أو المؤسسة الرسمية الفلسطينية، لكشف فحوى أو مضمون ما جاء على لسان الرئيس الفلسطيني خلال المكالمة الهاتفية ذاتها.

دبلوماسي: أوامر رئاسية بعدم انتقاد المغرب

كشف مصدر دبلوماسي رفيع المستوى لـ”أخبار اليوم”، أن القيادة الفلسطينية “حثت مكونات الحكومة ومؤسسات الدولة على تجنب التعليق على تطبيع المغرب أو أي تطبيع يليه في القادم من الأسابيع”، متوقعا أن تتوالى المستجدات بهذا الخصوص.

وأكد المصدر ذاته أن “رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، أصبح المخول له الوحيد في الحكومة التحدث للإعلام أو الإدلاء بأي تصريح في الموضوع بتنسيق مع القيادة، ليعبر عن الموقف الرسمي للدولة الفلسطينية وسيقوم بذلك في الوقت المناسب”.

وتابع ذات المصدر الدبلوماسي الذي فضل عدم الكشف عن هويته: “أوامر عليا أعقبت الاتصال الذي جمع الرئيس أبو مازن والملك محمد السادس، تقرر بموجبها التزام جميع المكونات الرسمية والدبلوماسية للدولة الفلسطينية في داخل وخارج البلد بالصمت، سواء فيما يتعلق بالتصريحات الصحافية أو مواقع التواصل الاجتماعي أيضا أو حتى الأحاديث الجانبية، وهو أيضا ما تم التطرق إليه في الاجتماع الوزاري ليوم الاثنين”.

وبخصوص تفسيره لهذا الصمت المريب للقيادة الفلسطينية، يقول المتحدث: “هذا الصمت لا يعني القبول أو التجاهل أو حتى الرفض، بل يعني فقط أنه لا شيء يمكن التعليق عليه حاليا، وننتظر الضوء الأخضر من القيادة الفلسطينية ونعلم فحوى الاتصال، وآنذاك يسعني تبني موقف موحد”، مضيفا: “ما يمكن تأكيده أن العلاقة طيبة والمصالح مشتركة وثابتة بين فلسطين ومغربنا الحبيب.. هذا فقط”.

الفصائل الفلسطينية تستنكر

من جهتها، أدانت 8 فصائل فلسطينية استئناف المغرب لعلاقاته مع إسرائيل، وعلى رأسها حركة حماس التي اعتبرت إقدام المغرب على هذه الخطوة “خذلانا للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وانقلابا على الموقف التاريخي للمغرب في رفض الاحتلال والتعامل معه، الذي تجلى على مدار عشرات السنين السابقة، إذ تولى المغرب رئاسة لجنة القدس انطلاقا من موقفه التاريخي هذا”، مطالبة “الشعب المغربي الأصيل برفض كل اتفاقات التطبيع الرخيصة، ومواصلة مقاطعة الاحتلال الصهيوني، وعدم القبول به إطلاقا مهما كانت الظروف والمغريات”.

والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، من جانبها، رأت في مستجد الإعلان عن عودة العلاقات المغربية مع إسرائيل أنه “يوم أسود في تاريخ شعبنا وأمتنا العربية”.
وموقف الفصائل الفلسطينية المذكورة يتناغم أيضا مع مشاعر “الغضب والخيبة”، التي عبر عنها الشارع الفلسطيني منذ إعلان فتح مكتبي اتصال في الرباط وتل أبيب واستئناف الرحلات الجوية بين الدولتين، بحسب ما أكدته عدة مصادر لـ”أخبار اليوم”.

أفضال المغرب تسبق تطبيعه

بهذا الخصوص، أورد الصحافي في قطاع غزة باسم خليل، أن الجو العام بالبلد مكهرب، ذلك أن “الفلسطينيين شعروا بخذلان غير مسبوق من آخر دولة كانوا يتوقعون منها الانضمام لحلف المطبعين، نظرا للعلاقة التاريخية والاستثنائية التي لطالما جمعت المغرب وفلسطين والدعم الذي شحذته هذه الأخيرة على مر السنين، والمواقف الثابتة والشجاعة التي كان يعبر عنها النظام المغربي بخصوص القضية الفلسطينية”.

وتابع المتحدث في تصريحه لـ”أخبار اليوم”: “نحن كفلسطينيين، شعبا وقيادة، نعلم قوة التأثير الإسرائيلي والأمريكي على الدول العربية، سواء كان اقتصاديا أو أمنيا أو سياسيا… وربما للقيادة الفلسطينية نفس الرأي، نحن لا مشكلة لدينا في التطبيع مع إسرائيل، لأنه اليوم نحن كفلسطينيين أعطينا إسرائيل وشعبها حق الوجود أساسا في قبولنا بدولة فلسطينية على أراضي الـ1967”.

وثمن المتحدث الموقف الملكي الصريح والواضح، ومبادرته “غير المسبوقة” للاتصال بالقيادة الفلسطينية والتواصل معها، مشددا على أن توجهات القيادة الفلسطينية نفسها “ليس لديها مشكل مع التطبيع إذا كان سيخدم الشعب الفلسطيني، والدفع بإسرائيل نحو الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة”.

ونقلا عن الشارع الفلسطيني يقول باسم: “فضل المغرب على فلسطين وعلى قطاع غزة كبير، لن نحكي عن المستشفيات الميدانية المشيدة أو جامعة غزة أو الدعم المادي والمعنوي الذي لطالما تلقيناه من عاهل البلاد، لهذا فالشارع الفلسطيني منقسم بين الغاضب من القرار وبين من يرى أن المغرب قد يذهب في اتجاه الدفع بمصلحة الفلسطينيين ودولة فلسطين كاملة لتحقيق السلام في المنطقة”.

درويش: إسرائيل تربح وفلسطين تخسر

يسري درويش، عضو المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضو الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار بغزة، شدد من جهته على أن ردة الفعل الشعبية الفلسطينية لم تخرج عن نطاق “الاستنكار والإدانة والتنديد بعودة العلاقة بين المغرب وإسرائيل، خاصة وأن المملكة تحمل صفة رئاسة لجنة القدس وهي من اللجان المهمة في منظمة المؤتمر الإسلامي”.

درويش، وفي تصريح خص به “أخبار اليوم”، سجل في نفس الوقت الارتباط التاريخي المتجدر للشعب المغربي بالقضية الفلسطينية وحبه لفلسطين ودفاعه الدائم عنها، مشيرا إلى أنه وعلى المستوى الشعبي خلق القرار “نوعا من الصدمة لدى الشعب الفلسطيني، خاصة وأن إسرائيل لا تزال تمعن في ممارساتها الاحتلالية بتمدد الاستيطان وزيادة القمع والتضييق على الشعب الفلسطيني”.

ويعتبر المتحدث أن هذه العلاقة التي عادت بين إسرائيل والمغرب سيكون لها وقع مضر على الشعب الفلسطيني، لكونها “لا تنفع سوى الجانب الآخر، من خلال إعطاء علاقات إضافية لإسرائيل من قبل الدول العربية، وهذا يمنحها أريحية وتصريحا إضافيا لتتمادى في ظلمها على شعبنا الفلسطيني”.

وشدد المتحدث على أن “الاعتقاد الراسخ لدى مكونات ومؤسسات الدولة الفلسطينية، يؤمن بأن استمرار القطيعة أو الموقف وعدم عودة العلاقة بين المملكة وإسرائيل، يدعم الشعب الفلسطيني ويعطي حدا لممارسات الاحتلال ويمنع إسرائيل من استمرارا ممارساتها، ذلك أنه سيبقى لديها دائما هاجس رغبة إعادة العلاقات والتواصل مع دول عربية جديدة”، يقول المتحدث مضيفا: “لذلك فإن إعطاء هذه العلاقات صبغة العودة للاستئناف يعفي المحتل من المسؤولية ويضر بقضيتنا الوطنية ويسيء لشعبنا الفلسطيني، وكنا نتمنى أن لا يقدم المغرب على هذه الخطوة التي تشكل طعنة”.

ويفسر المصدر ذاته قساوة اللهجة التي قوبل بها تطبيع الدول العربية الثلاث السابقة مقارنة مع حالة والبرود تجاه الموقف المغربي، بكون “السلطة الوطنية أو القيادة الفلسطينية اتخذت مواقف قطع العلاقة مع إسرائيل في 29 ماي، التي تقضي أيضا بوقف التنسيق مع إسرائيل بشكل مباشر، قبل أن يأتي التطبيع الإماراتي والبحريني والسوداني، لذلك جاء الرد من الرئاسة عنيفا لحظتها”.

وحول ما إذا كان هذا الصمت ينذر بعودة العلاقة بين إسرائيل وفلسطين يقول المتحدث: “اليوم إذا جاءت السلطة وعادت لربط علاقاتها مع إسرائيل، وإذا تبين أن هذا سبب سكوتها أو خرسها وعدم اتخاذها موقفا علنيا في اتجاه إدانتها التطبيع بين المغرب وإسرائيل فسيقابل موقفها، أكيد على المستوى الشعبي الفلسطيني، بالإدانة”.

وبخصوص الصمت التي احتكمت إليه السلطة الفلسطينية تجاه المغرب يقول درويش: “الشعب اليوم يريد ويطالب أن تتخذ القيادة مواقف أكثر وضوحا وصراحة، بما يعزز التفاف الشعب حول قيادته في مواقفها، التي تعني أن الشعب بمجمله، سواء المواطنين أو القيادات الوطنية، يرفض أي علاقة بين أي دولة عربية ودولة الاحتلال، خاصة وأن إسرائيل تتنصل من كل الاتفاقيات السابقة، وتتمادى في استمرار احتلالها وتوسيع الاستيطان للأراضي الفلسطينية، واستهداف المواطنين في حياتهم ومعيشهم واعتقال الآلاف من الأسرى وممارسة القتل المباشر للمواطنين في الضفة الغربية، والاستهداف والعدوان المباشرين على قطاع غزة، من خلال الحروب المتكررة والحصار على القطاع، ما يعني أن إسرائيل لم تقدم أي بادرة طيبة تجاه الفلسطينيين لتقيم الأنظمة العربية علاقات مع إسرائيل”.

وعاد عضو المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية ليؤكد، في تصريحه لـ”أخبار اليوم”، أن “الغضب يساور الفلسطينيين اليوم جراء الموقف الرسمي الفلسطيني الذي لم يعلن موقفه الواضح من هذا القرار المغربي حتى الآن”، مضيفا “لا نعرف ما السر وفحوى الاتصال الذي جرى بين الرئيس أبو مازن والملك محمد السادس، الذي لا بد أن له علاقة بسكوت القيادة عن إصدار موقف”.

وختم المتحدث تصريحه مؤكدا: “ليس دائما المواقف غير المعلنة تعني أن الشعب يقبل أن يبقى هذا الصمت، والشعب يطالب بإصدار موقف مندد بهذه العلاقة بين إسرائيل والمغرب”.

ردود القيادة خيبت آمال أعداء المغرب

من جانبه، نبه حسن بلوان، المحلل والخبير في العلاقات الدولية، من محاولة خصوم الوحدة الترابية العزف على الوتر الحساس المتعلق بالقضية الفلسطينية، وربط النجاحات والاختراقات التي حققها المغرب في قضية الصحراء المغربية بمنطق الصفقات، معتبرا أن “هذه الادعاءات لن تنطلي على الشعب الفلسطيني وقيادته التي كانت ردودها مخيبة لآمال أعداء المغرب”.

ويرجع بلوان، في حديثه لـ”أخبار اليوم”، هذا الاستثناء الذي حظي به المغرب لمجموعة من الاعتبارات، أولها “المكانة التي يتمتع بها المغرب والاحترام الكبير الذي يحظى به قيادة وشعبا عند الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى العلاقات التاريخية التي تجمع بين قيادة منظمة التحرير والمملكة المغربية، كما يتمتع المغرب بمصداقية كبيرة عند معظم الفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية”.

والسبب الثاني هو أن “المغرب يدافع عن القضية الفلسطينية دون البحث عن مصلحة، لذلك فالمغرب البلد الوحيد الذي يدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني ولم ينخرط في التجاذبات السياسية الداخلية، ويسعى دائما نحو المصالحة بين الفرقاء في رام الله وغزة”.

أما السبب الثالث، فراجع إلى كون أنه قبل الإعلان عن استعادة العلاقات مع إسرائيل، “قام المغرب بخطوة نوعية، تمثلت في اتصال العاهل المغربي بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، بما يوحي بالتنسيق مع القيادة الفلسطينية، كما أبلغه بأن استئناف الاتصال مع إسرائيل لن يكون على حساب القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني العادلة والمشروعة. وقد ذهب الملك محمد السادس إلى أبعد من ذلك، عندما اعتبر أن القضية الفلسطينية والقضية الوطنية قضية واحدة، ولهما نفس الأولوية والاهتمام عند المغرب وأجندته الدبلوماسية”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي