الصايل.. رحيل مايسترو السينما بالمغرب

17 ديسمبر 2020 - 23:59

قبل أن تنتهي 2020، أبى القدر إلا أن ينهي حياة علم آخر من أعلام المغرب الذين أسسوا وأرسوا وجود ثقافة سينمائية على أرضه، أستاذ الفلسفة والسينيفيلي ورجل التلفزيون ومدير المركز السينمائي المغربي السابق، نور الدين الصايل، عن عمر 73 سنة، ليلة الثلاثاء الأربعاء، وذلك إثر سكتة قلبية، بعد أن تعافى من إصابته بـ«كوفيد 19»، وهو ما أكدته التحليلات التي خضع لها قبل وفاته. وسيوارى الراحل الثرى اليوم الخميس 17 دجنبر بعد وصول ابنيه من فرنسا، حسب ما أكدته جهات مقربة منه.

الصايل الذي ساهم في تأسيس الفيدرالية الوطنية لنوادي السينما بالمغرب سنة 1973، التي كان لها دور رائد في نشر الثقافة السينمائية في المملكة، ترأس الجامعة الوطنية للأندية السينمائية عشر سنوات، وقد عرف بمقولة «الكم ثم الكيف» وهو يخطط لنقلة نوعية للارتقاء بالفعل السينمائي في المغرب، إبان توليه قيادة المركز السينمائي المغربي (2003-2014)، وهو ما سمح بالوصول إلى ما يقارب ثلاثين فيلما في العام وتعداها أحيانا، بعدما كان الواقع لا ينتج أكثر من 4 أفلام أو أقل كل سنة، وساهم في إدارة عجلة الإنتاج السينمائي، وفي تحقيق قدر مهم من «الكيف» المميز لاحقا، والمرور بالسينما المغربية إلى المشاركة في أكبر المهرجانات عبر العالم، وحصد جوائز مهمة.

الصايل، الذي شارك في تأسيس أعرق مهرجانات السينما في المغرب، مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية، والذي كان يرأس مؤسسة المهرجان، كان أيضا رجل تلفزيون، وقد اشتغل في القناة التلفزية المغربية الأولى وفي القناة التلفزية الفرنسية «كنال بلوس أوريزون»، قبل أن يتولى لاحقا إدارة القناة الثانية خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2000 و2003.

ونعى السينمائيون المغاربة بقلوب مكسورة الراحل الذي مارس النقد السينمائي بتمرس في محاضراته ولقاءاته السينمائية التي تحفظها ذاكرة المهرجانات والمدارس، وإن لم يترك ذلك مدونا في كتب. وفي كلمة خاصة لـ«أخبار اليوم»، قال رئيس الجمعية المغربية لنقاد السينما خليل الدامون: «لقد عشنا مع الصايل أزهى أيام الثقافة الجادة والثقافة السينمائية أساسا. إنه حقيقة مؤسس الثقافة والفعل السينمائي بالمغرب في الجانب النظري والعملي أيضا. صوته العميق في القاعات السينمائية داخل الأندية السينمائية على طول خريطة الوطن وعلى أثير الإذاعة الوطنية وعلى شاشة التلفزة لمدة سنوات لا يمكن أن يمحى أبدا. كل الحلقات التي قدمها كانت دروسا في السينما وفي التحليل السينمائي. نور الدين حضوره الدائم في المهرجانات الوطنية والعربية والإفريقية كان له طعم خاص ونكهة سينمائية متميزة. في خريبكة حيث أسسنا جميعا مهرجان السينما الإفريقية، في قرطاج وفي القاهرة وفي واكادوكو. بصمته هنا وهناك سيظل وقعها حاضرا إلى الأبد. لن ننسى ترسيخه تنظيم المهرجان الوطني للفيلم في طنجة كل سنة، والطفرة النوعية للإنتاج الوطني، وتوقيعه على النقاشات المتميزة.. لن ننسى توقيعك في القناة الثانية التي عرفت في عهدك دخول أهم الإنتاجات العربية والإفريقية إلى الشاشة الصغيرة».

وختم الناقد كلمته بالقول: «نور الدين.. ستظل كبيرا وستظل أستاذا للأجيال في المجال السينمائي والنقدي.. نور الدين نودعك اليوم وسيظل وجداننا العميق دائما معك».

أما الممثل محمد الشوبي، المعروف بصداقته مع الصايل، فقد نعى الراحل بكلمات مؤثرة وقال: «لن أنساك ما حييت أستاذي وصديقي.. يتم آخر انضاف إلى يتمي.. كيف تتركنا أيها الزعيم الغالي وتنهي صلتنا بأفكارك التي أنارت وستبقى تنير حياتنا اليومية فنيا وثقافياً وفلسفيا.. إلى جنة الخلد يا صديقي وأستاذي.. لن أستطيع أن أكفكف دموعي يا معلمي الأول في مدرسة السينيفيليا».

أثر صدمة الفراق كان قويا أيضا على المخرج إدريس اشويكة، الذي عبر عن ذلك بالقول: «اعذروني على صدمة المصاب الجلل، فقد ذهب السند وبقي النكد جاثما على صدري!».

وقال المخرج والناقد السينمائي المغربي، عبد الإله الجوهري: «وفاة نور الدين الصايل رمز الثقافة السينمائية بالمغرب.. خبر سيترك الأسى في نفوس أصدقائه ومحبي شخصه وثقافته»، معتبرا أن رحيل الصايل سيخلف فراغا في ساحة الفن السابع بالمغرب نظرا إلى مكانة الرجل، الذي يشهد له أعداؤه قبل أصدقائه بمكانته ودوره في تجذير ثقافة السينما بالمغرب».

وفي نعيه للراحل الصايل، قال الناقد السينمائي والأكاديمي حمادي كيروم: «كيف جعلت السينما وسيلة للتفكير الجميل، وكيف جعلت من الفلسفة أسلوبا للعيش في الجمال. كان حَواريوك يستغربون كيف استدرجت العروي والخطيبي إلى منصاتك، وكيف عاقرت بارت وسيرج داني وجان كومولي فوق جبال الأولمب… كيف ضفرت بقراءة les Rougons Macards واستدعيت إميل زولا ليتهمنا بالتقصير في النصوص المؤسسة.. عندما دعوناك لنكرمك مع أمنيستي في زمن الرصاص، طلبت منا أن نغير كلمة التكريم بكلمة حضور وكأنك تعرف أن حضورك بيننا سيظل أبديا في الخلود… هو الذي نظر ورأى وعلم الناس كيف يرون. فاحتفي به يا بلادي».

من جهته، قال الناقد السينمائي والأكاديمي، مصطفى الطالب، عن رحيل الصايل: «قد تختلف معه، لكنه يظل فيلسوف السينما بالمغرب الذي بصم المشهد السينمائي المغربي ونظر له وحركه».

وقد تدرج عبد الكريم واكريم، الناقد السينمائي، في الحكي في حديثه عن الراحل، وتحدث عن البدايات وما تلاها في ورقة تلخص بعض ملامح حياته الإنسانية والمهنية، وجاء فيها ما يلي: «لا يمكن الحديث عن تاريخ السينما المغربية دون ذكر نور الدين الصايل الذي ترك بصماته في كل مراحلها، فابتداء من بداية السبعينيات، حيث ترأس وكان من مؤسسي الجامعة الوطنية للأندية السينمائية التي سيظل رئيسا لها مدة عشر سنوات، ثم بعد ذلك بإعداده وتقديمه برامج إذاعية ثم تلفزية حول السينما، وصولا إلى ترؤسه المركز السينمائي المغربي طيلة إحدى عشرة سنة، فترة كانت من بين أهم الفترات التي عاشتها السينما المغربية، والتي عرفت فيها ازدهارا مهما.

نور الدين الصايل ليس رجل السينما في المغرب فقط، كما يحلو للمهتمين أن يلقبونه، لكنه أيضا رجل إعلام وتواصل، ولا أحد يمكن أن يجادل في أن أهم فترات القناة التلفزية المغربية الوحيدة آنذاك قد عرفت في بداية الثمانينيات انفجارا إبداعيا لما تقلد الصايل مقاليد تسيير برمجتها، حيث استدعى طاقات ومخرجين وكتابا وفنانين شبابا ومكنهم من إنجاز برامج تلفزية ظهر فيها فارق الإبداع والتَّميُّز، وبدا فيها واضحا شغف وحب هؤلاء لما يفعلونه، رغم أن هذه اللحظة الجميلة والمشرقة لم تطل كثيرا في المشهد التلفزي المغربي.

وبعد ذلك، ومع انطلاق القناة التلفزية الثانية «دوزيم» أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، سيلتحق بها نور الدين الصايل مستشارا، لينتقل بعد ذلك مباشرة للإشراف على إدارة برامج القناة الفرنسية «كنال بلوس أوريزون»، التي سيظل بها حتى يستدعيه الملك للإشراف على إدارة قناة «دوزيم».

الصايل، الذي كان يشغل قبل وفاته منصب رئيس مؤسسة مهرجان السينما الإفريقية، والذي كان أحد رجالات الفكر والفلسفة والفن في المغرب، سيظل اسمه محفورا بحروف من ذهب في تاريخ الفن والسينما والإبداع بالمغرب. ورغم خروجه من المركز السينمائي المغربي، كان نشطا كنحلة وعاملا كنملة من محاضرة إلى أخرى، ومن درس سينمائي إلى آخر، ومن ترؤس لجنة تحكيم مهرجان مهم إلى آخر، وكان لا يهدأ ولا يَكلّ بطاقة شاب في العشرين، وفكر رجل فلسفة خَبِرَ الزمن وعرف مقدار الناس، وصارع أعتَى العواصف وخرج منها واقفا منتصبا كسنديانة..

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي