يوصا: إسرائيل بلد معتد ومهيمن يخنق الفلسطينيين والشعبوية والفساد مشكل العصر

18 ديسمبر 2020 - 11:00

قبل ثلاثين عاما، بدأ الكاتب البيروفي الإسباني الحاصل على جائزة نوبل للآداب، ماريو بارغاس، كتابة مقالات الرأي في صحيفة «إلباييس» بكل حرية ودون قيد ولا شرط، مستلهما فكرة الفيلسوف الفرنسي سارتر الذي يقول إنه على الكاتب أن يكون ملتزما وأن يناضل إيديولوجيا وسياسيا.

****

بدأتُ قبل ثلاثين عاما تقريبا نشر عمودي تحت عنوان «حجر الزاوية» في صحيفة إلباييس. يتذكر خواكين إستيفانيا، مدير الجريدة حينها، أنني، بهدف اختبار روحه المتسامحة وسعة صدره، خصصت مساهمتي الأولى للثناء على مارجريت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية السابقة. ويتذكر، أيضا، الفطور في فندق بلاس والذي احتفينا على إيقاعه، أنا وهو ووكيلتي الأدبية وصديقتي العزيزة، كارمين بالسي، بالاتفاق. لم يسبق، على ما أعتقد، أن أخلفت الموعد والالتزام مع المديرين الأربعة الذي مروا على الصحيفة منذئذ، ويجب أن أشكرهم على الأمانة الصحافية لأنهم لم يسبق أن قصوا مقالاتي، بما في ذلك العناوين، بل أكثر من ذلك، لم يسبق أن طلبوا مني الكتابة في موضوع ما. فحتى اسم العمود «حجر الزاوية» كان من بنات أفكاري عندما كنت أكتب في ما مضى في صحيفة «إكسبريسو» أو «مجلة «كاريتاس» الليمية (من ليما عاصمة البيرو)، لأنني معجب بهذه الصخرة الآتية من القرون الوسطى، والتي لا نعرف، إلى حدود الساعة، إن كانت واقعية أم خيالية، والتي كانت تستعمل لقياس جودة المعادن.

كانت الكتابة في «إلباييس» تطلعا سريا بالنسبة إلي منذ أن رأت الصحيفة النور سنة 1976، والتي كان يديرها خوان لويس سيبيريان، الذي كان شابا في ذلك الإبان. كانت الصحيفة تشكل بالنسبة إلي الانتقال الحقيقي في إسبانيا. كم كانت الجرائد قديمة وعتيقة في زمن الديكتاتورية! كان هناك صحافيون متميزون، لكن، دون شك، كانت الصحافة، بشكلها وبعناوينها عامة، وبتركيبتها ورقابتها الشديدة، أقرب إلى أزمنة متوشالح (أزمنة غابرة). كان تأسيس إلباييس ثورة نظرا إلى تصميمها وشكلها، خاصة أنها فتحت أبوابها لكل اليساريين، حتى الراديكاليين منهم، وفي الوقت نفسه انفتحت على الكثير من الأقلام الوسطية والليبرالية، حيث كان الجميع يناقش كل ما يجري في البلاد وفي أوروبا بكل حرية وبأفكار حداثية، وبلغة، على العموم، جيدة وعملية. وتحولت الصحيفة إلى رمز للتحولات الكبرى التي كانت تعيش على إيقاعها إسبانيا. جسدت إلباييس كل تلك التحولات الكبرى في مجال الصحافة، ما جعلها تكسب صيتا دوليا لم يسبق، في اعتقادي، أن نالته صحيفة إسبانية، ولن تناله في المستقبل.

بفضل هذه الصحافة والاتفاق الذي وقعناه، بدأت تنشر مقالاتي في كل البلدان الأمريكية اللاتينية، بما في ذلك البرازيل، وبعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، مثل صحف «لاريبوبليكا» الإيطالية و«Frankfurter Allgemeine Zeitung» الألمانية، و«نيويورك تايمز» الأمريكية. جعلني هذا التعدد أتجنب التطرق إلى المواضيع المحلية في مقالاتي، وأن تتخذ هذه الأخيرة دائما (بالطبع، «دائما» تبقى لفظة طويلة في الزمن) توجها دوليا. ما يهمني هو أن أستطيع الكتابة عن كل شيء وحول كل شيء؛ مقالات سياسية، طبعا، لكني أهتم بكتابة نبذة عن كتاب، أو وصف رحلة، وذكريات عن فترة الشباب والطفولة، والعالم برمته.

كان مقالي يُنشر، لسنوات عديدة، يوم الأحد، ولاحقا، لم أعرف لماذا غير الموعد، ليصبح يوم الأربعاء. يكلفني المقال، بشكل عام، العمل في فترة الصباح والظهيرة، ومنذ سنوات دأبت على إطلاع ثلاثة من أصدقائي عليه قبل نشره. كنت أعيش حينها في لندن، ورغم أن كتابة المقال الواحد تكلفني يوما، إلا أن التفكير في الموضوع كان يلازمني كالظل عندما أمارس الرياضة، وعندما أكون في «الهايد بارك»، أو في لكسمبورغ، أو في باريس، أو في «ماليكون دي بارانكو» في العاصمة ليما، أو في وسط مدينة نيويورك. كنت متنبها دوما مستحضرا قولة جان فرانسوا ريفيل والتي تفيد بأن المقالات الجيدة هي تلك التي تتمحور حول فكرة واحدة، وأستحضر، أيضا، الجملة التي كان يفتتح بها رايموندو ليدا دروسه في جامعة هارفارد قائلا: «النعت (los adjetivos) وضع لكي لا يستعمل». كان هذا الرجل أرجنتينيا، ويدرك جيدا لعنة الخطابة التي ابتلينا بها نحن الأمريكو-لاتينيون.

كما أني كنت أركض وأمشي في الغابات بحثا عن العناوين. لا أحد يمكن تخيل السهولة التي أحرر بها هذا العمود عندما يكون لدي مسبقا عنوان يلخص أفكاره، والعكس صحيح، حيث أواجه صعوبات في الكتابة عندما لا يكون لدي عنوان مسبقا؛ الحبل السُّري للمقال. ولا شيء يريحني ويحمسني أكثر، عندما أكون منغمسا في رواية، مثل كتابة مقال.

كانت تأثير الوجوديين الفرنسيين علي في سن المراهقة، خاصة ساتر، هائلا. إلى درجة أن صديقيْ، لويس لوايثا وآبيلاردو أوكيندون، يلقباني «سارتر الصغير الشجاع». في الحقيقة، لقد تخليت عن الكثير من الأشياء التي تعلمتها من الوجوديين، بل أصبحت أمقتها، لكني مازلت أؤمن بالفكرة السارترية القائلة إن الكاتب يجب أن يكون ملتزما (s’engager)، محاولا التشبث بالنضال الإيديولوجي والسياسي هنا والآن، وألا أتيه في الفانتازيا.

لست ضد ذلك، بل أعتقد أنه من العدل أن يكون هناك كتاب لا يهتمون بالمشاكل الاجتماعية، لكن شخصيا ليس هذا حالي؛ كنت دائما أؤمن بـ«التزام» الكاتب، وهذا كان حاضرا في حياتي الصحافية التي بدأتها عندما كنت في سن الـ16 عاما في منبر «كرونيكا ليما»، ومازلت على النهج نفسه في كتاباتي الصحافية، ومساهماتي في الإذاعة والتلفزيون، ومن المحتمل أن أموت وأنا كذلك.

تعني الصحافة الحرية، وانتقاد كل ما يبدو لنا سيئا، ومدح كل ما هو جيد، رغم أن تعريفات الجيد تختلف من شخص إلى آخر. كلما كانت هناك تعددية في الصحافة، فثمة بلد حر، وعندما يبدأ في حجب الأشياء وإخفائها، يفقد صفة الحر. صحيح أن الأخبار الزائفة غيرت هذا المشهد المتعارف عليه من قبل، لكن الصحافة الحرة ستقاومها وستحاربها تدريجيا إلى أن تحاصرها في ركن الأشياء الاستثنائية والسخيفة. أقرأ ثلاث صحف يوميا، وأطلع على بعض التفاصيل في الأنترنت. لكن، على العموم، لا تستهويني اللوحات والشاشات الرقمية إلا لمشاهدة مباريات كرة القدم والأفلام. أما بخصوص الأخبار والآراء، وخاصة الأدب، فأفضل الورق.

وفق ما رأيته وما قرأته في حياتي (السنة المقبلة سأبلغ 85 عاما)، وصلت إلى قناعة أن أكبر تحدٍّ واجه الديمقراطية كان الشيوعية، التي ماتت ودفنت، لكنها اليوم مازالت على قيد الحياة في بعض الدول الفاشلة مثل كوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا. واليوم، تعتبر الشعبوية والفساد المستشري أكبر أعداء الحرية. تجدر الإشارة إلى أنه للمرة الأولى في التاريخ يمكن البلدان أن تختار إن كانت تريد أن تكون فقيرة أو غنية؛ لا يهم حجمها ولا إن كانت لديها موارد أم لا. لكن اختيار أن تكون مزدهرا ليس بالأمر الهين. هناك انتقال صعب جدا وصادم صوب الرأسمالية النظيفة، مثل حال بعض الدول الأسيوية. وفي دولة الشيلي، التي كنت أعقد عليها آمالا كبيرة، ذهب كل شيء إلى الجحيم. كما أنه لا يمكن أخذ الصيغة الرأسمالية الفاسدة الروسية والصينية نموذجا، حيث يتحول رجال الأعمال إلى أثرياء بالتزام الصمت وابتلاع أوامر السلطة. لكن كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة نماذج تظهر أن الازدهار يقربنا إلى الديمقراطية ولا يبعدنا عنها. خيبة أملي الكبيرة في السنوات الأخيرة كانت إسرائيل، التي كنت أعتبرها نموذجا يجب أن تقتفي الدول المتخلفة أثره. صحيح أن الإسرائيليين حولوا، بفضل المساعدات الدولية، ما كان في السابق مستنقعا إلى بلد حديث وحر، لكنها اليوم بلد معتد ومهمين يخنق يوما بعد يوم الفلسطينيين، ويحكمه منحرف حقيقي، نتنياهو، متشبث بالحكم فقط لكي لا يذهب إلى السجن. كنت دوما ودائما أقول إن إسرائيل هي البلد الوحيد في العالم الذي أشعر فيه بأنني يساري، لكنني اليوم حتى في إسرائيل لا أشعر بذلك.

ثلاثون عاما؛ سنوات كثيرة، فعلا، لكني لا أنتظر التقاعد. إذا أحالوني على التقاعد (من الكتابة الصحافية) بالقوة، لن يكون هناك خيار أمامي غير الإذعان. أملي أن أجد دوما صحيفة صغيرة طيبة تقبل «حجر زاوياتي»، حيث يمكنني الدفاع عن الأشياء التي من المؤكد أنني سأغير موقفي منها وفق وظيفة الروليت التي تتشكل حتى النهاية.

ترجمة توفيق سليماني/ عن إلباييس

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Oujdi منذ 11 شهر

Vous avez oublié un autre pays dictature stalinienne algérienne

التالي