مجلس الشامي يتحفظ على أرقام النيابة العامة حول تراجع العنف ضد النساء

18 ديسمبر 2020 - 22:00

توصل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من رئاسة النيابة العامة بمعطيات تفيد بتراجع عدد القضايا المتعلق بالعنف ضد النساء خلال الحجر الصحي بـ10 مرات، مقارنة مع المعدل الشهري لهذه القضايا، لكن المجلس أبدى تحفظه من هذه المعطيات، باعتبارها لا تعكس الحقيقة.

وجاء في رأي استشاري للمجلس، الذي يرأسه محمد رضى الشامي، أعلن عنه أول أمس، حول “القضاء على العنف ضد الفتيات والنساء.. استعجال وطني”، أنه توقف عند التدابير التي اتخذتها السلطات خلال فترة الحجر الصحي، لمواجهة تنامي العنف ضد النساء والفتيات، سواء عبر حملات تحسيسية، أو تطوير منصات إلكترونية وأرقام هاتفية للتبليغ، وإيداع الشكايات.

وسجل حسب مراسلة مع رئاسة “النيابة العامة” في 3 يونيو 2020، أن عدد المتابعات من أجل العنف ضد النساء “قد يكون انخفض”، بـ 10 مرات، خلال فترة الحجر الصحي الممتدة من 20 مارس إلى 20 أبريل من المعدل الشهري لهذا النوع من القضايا، دون أن يقدم أرقاما حول عدد القضايا.

لكن المجلس دعا إلى التعامل بـ”نسبية” مع هذا التشخيص، “في انتظار نشر تقارير القطاعات والجمعيات المعنية لمعرفة الحجم الحقيقي لهذا العنف”، خاصة في ظل وجود عدة “إكراهات”، تتمثل أولا في “صعوبة وصول الضحايا إلى مقرات خلايا التكفل المؤسساتية والجمعوية”، بسبب القيود المفروضة على التنقل في ظل حالة الطوارئ، “وارتفاع معدل الأمية في صفوف النساء” وافتقار النساء للإمكانيات المادية، خاصة في الأوساط الفقيرة، بحيث لا يملك وسائل الاتصال من هاتف أو حاسوب للتواصل عبر المنصات التي تم إحداثها..

ثانيا، اعتبر المجلس أن أرقام النيابة العامة تبقى “جزئية”، وينبغي تعزيزها بإحصائيات أخرى “كمعدل الانتحار”، ومعدل الطلاق، بعد فترة الحجر الصحي، حتى يمكن التعرف على الحجم الحقيقي للعنف الذي تعرضت له النساء خلال الحجر الصحي.

انتقاد الاعتماد على التمويل الأجنبي

من جهة أخرى، توقف المجلس عند محدودية الإجراءات والتدابير التي اتخذتها السلطات لمواجهة العنف ضد النساء. ومن أبرزها  “غياب آلية ممأسسة للحماية ذات بعد ترابي وقادرة على ضمان الرصد المبكر والتكفل الفعال والمتعدد التخصصات بالفتيات والنساء ضحايا العنف وفق  مسار مقنن”، وعدم مراعاة الظروف الخاصة للفئات الأكثر هشاشة كالفتيات والنساء في وضعية إعاقة والمهاجرات في وضعية غير نظامية والأمهات العازبات والعاملات المنزليات وخاصة القاصرات، بحيث إن هذه الفئات لا تستفيد من إجراءات خاصة.

ولاحظ المجلس أنه لا يوجد ترتيب للأولويات بخصوص الموارد المخصصة لمحاربة العنف ضد النساء، ويتضح ذلك من خلال “غياب ميزانية مخصصة للخطتين الحكوميتين للمساواة إكرام1 وإكرام2، اللتين تهتمان بظاهرة العنف. كما لاحظ المجلس “التبعية القوية للتمويلات والبرامج الأجنبية بحيث “لا يمكن بدونها ضمان استدامة هذه السياسات”. مثلا، بلغت مساهمة الاتحاد الأوروبي في تنفيذ خطة إكرام1، ما يناهز 45 مليون أورو، في حين بلغت مساهمته في الخطة الثانية إكرام2، ما يناهز 35 مليون أورو. كما يتم تمويل مبادرات أخرى، من قبل وكالات الأمم المتحدة والسفارات ومجلس أوربا وغيرها، من الجهات المانحة الأجنبية.

ولاحظ المجلس أن القانون المتعلق بالعنف ضد النساء، لا يهتم بالجانب الوقائي، ويركز على الجانب الزجري، كما لا يراعي أشكال أخرى من العنف، “كالاغتصاب الزوجي”، وغيره. وسجل المجلس أن “تدابير الحماية لا يمكن تنفيذها إلى في إطار مسطرة جنائية”، مما يحول دون إمكانية استصدار أمر الحماية في إطار مسطرة مدنية، تنظر فيها أحكام الأسرة.

عائق الإثبات.. وعدم معاقبة موظفي السلطو

في السياق ذاته سجل المجلس عدم تكييف وسائل الإثبات، مثلا من الصعب إثبات الاغتصاب الزوجي أو التحرش الجنسي، مما يثني الضحايا عن التقدم بشكاية، في حين أن القوانين الأجنبية تلقي بمسؤولية الإثبات على الطرف المشتكى به. كما انتقد المجلس إسقاط المتابعة بشكل تلقائي في حالة حق مرتكبي أعمال العنف في حالة سحب الشكاية من الضحية، ما من شأنه أن “يؤدي إلى خلق حالة من الإفلات من العقاب وترسيخ الاعتقاد داخل المجتمع بأن العنف في إطار الزوجية “شأن خاص يهم الأسرة”، إضافة إلى ذلك لاحظ المجلس أن القانون المتعلق بالعنف ضد النساء، لا ينص صراحة على الالتزامات التي تقع على عاتق  موظفي السلطات العمومية فيما يتصل بقضايا العنف ضد المرأة، وكذا العقوبات الواجب اتخاذها في حالة عدم التقيد بمقتضيات القانون أو الامتناع عن تنفيذها.

ضعف استقبال النساء ضحايا العنف

أما بخصوص ولوج الفتيات والنساء ضحايا العنف إلى العدالة، فقد لاحظ المجلس عدة صعوبات، من قبيل، وجود عوائق مالية، كغياب المساعدة القضائية، وعوائق مسطرية وقانونية، بحيث يتم إلزام الضحايا بالحصول على شهادة طبية، تسلم بأمر من وكيل الملك، تثبت عجزا لا يقل عن 21 يوما، كما أن عبء إثبات الوقائع يقع كليا على الضحية، إضافة إلى عوائق أخرى تتعلق بالتفاعل والاستقبال وجودة الخدمات في التعاطي مع الشكايات لدى الجهات المختصة.  كما أن اللجنة الوطنية للتكفل بالنساء ضحايا العنف “لا تتمتع ببنية مستقلة”، ولا تتوفر على موارد بشرية خاصة بها.

تعديل قانون العنف ضد النساء

وأوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي، بجعل موضوع العنف ضد النساء والنهوض بالمساواة، قضية ذات أولوية على الصعيد الوطني، ووضع إطار معياري ملائم مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، يعزز ويكفل الحقوق الأساسية لكل فرد داخل المجتمع، وتدارك نقائص القانون المتعلق بالعنف ضد النساء.

واقترح المجلس في هذا الإطار 36 إجراء عمليا، أبرزها اعتماد وتفعيل  الاستراتيجية الوطنية لمحاربة العنف ضد النساء في أفق 2030، وتخصيص ميزانية خاصة لها، وتفعيل هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز التي صدر قانون بإحداثها قبل ثلاث سنوات، علاوة على إحداث آلية مندمجة لجمع المعطيات وتحليلها بشكل سنوي، وتزويد السلطات العمومية والمجتمع المدني وعموم المواطنين بها. كما دعا المجلس إلى إلغاء جميع المقتضيات التمييزية التي تخضع الحقوق الأساسية للنساء لاعتبارات لا تراعي مقومات المواطنة الكاملة والمساواة. كما اقترح المجلس تعديل القانون المتعلق بالعنف ضد النساء، بما يوسع إمكانية إصدار أوامر الحماية في إطار المسطرة المدنية، وإلقاء مسؤولية الإثبات على الطرف المشتكي، في القضايا المدنية والإدارية مع إلزامية التحقيق القضائي في المجال الجنائي، بشكل ممنهج في قضايا العنف ضد النساء. إضافة إلى التنصيص على عقوبات في حق موظفي السلطة “الذين لا يتقيدون بمقتضيات القانون أو يمتنعون عن تنفيذها”.

العنف ضد النساء سلوك “مقبول” في المجتمع

سجل المجلس أن العنف ضد النساء يبقى ظاهرة متفشية على نطاق واسع في المغرب، فحسب بحث للمندوبية السامية للتخطيط، تعرضت 7,6 مليون امرأة من أصل 13,4 مليون من النساء المتراوحة أعمارهن ما بين 15 و74 سنة، في 2019، لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف، خلال 12 شهرا التي سبقت البحث، أي ما يمثل نسبة 57 في المائة من النساء.

ويعتبر فضاء البيت الأسري أكبر فضاء للعنف بمعدل انتشار يبلغ 52 في المائة، ويهم 6,1 مليون امرأة. وفي الفضاءات العمومية يمثل العنف 13 في المائة، أي 1,7 مليون امرأة، وفي فضاء التعليم والتكوين، 22 في المائة أي مليوني تلميذة وطالبة. أما العنف القائم على العنف الاجتماعي، في أماكن العمل، فيمثل 15 في المائة. كما ظهر شهر جديد من العنف ضد النساء هو العنف الإلكتروني، الذي تعرضت له 14 في المائة من النساء، أي معا يعادل 1,5 مليون امرأة.

ورغم الإجراءات التي اتخذتها السلطات لمواجهة الظاهرة، عبر برامج ومخططات، منذ سنة 2002، ووضع إطار قانوني خاص عبر القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء الذي دخل حيز التنفيذ في 2018، فإن المجلس لاحظ أن “كل هذه الإجراءات لم يكن لها وقع ملموس على الجهود الرامية إلى التقليص من حدة هذه الظاهرة والقضاء عليها”، بحيث أن العنف لازال سلوكا مقبولا، بل مبررا في مجتمعنا”، وهو استنتاج توصلت إليه المندوبية السامية للتخطيط، التي أظهر استطلاع لها أن 38 في المائة من النساء و40 في المائة من الرجال يرون أن تحمل المرأة للعنف الزوجي أمر مقبول للحفاظ على استقرار الأسرة.

كما يرى 21 في المائة من النساء و25 في المائة من الرجال أنه من حق الرجل ضرب زوجته أو تعنيفها في حالة خروجها من البيت دون إذنه. وأظهر الاستطلاع أن أكثر من نصف النساء المستجوبين ليسوا على علم بوجود القانون المتعلق بمحارب العنف ضد النساء، والقليل منهن، أي 10,5 في المائة فقط، من بلّغن عن العنف الذي تعرضن له.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي