لا يكاد موضوع معتقلي حراك الريف والصحافيين ووضعية حرية التعبير يغيب عن تصور مرحلة ما بعد كورونا في العديد من النقاشات الحقوقية وكذا المهتمة بأوضاع الديمقراطية بالمغرب، إذ مافتئ بعض الفاعلين السياسيين والحقوقيين يدقون ناقوس تنبيه السلطة إلى ضرورة طي صفحة التضييق على الحريات، وبناء مرحلة جديدة سمتها إعادة بناء الثقة، وهو ما تؤكده أحزاب فيدرالية اليسار مرارا، والحزب الاشتراكي، وهو أحد مكوناتها الثلاثة، في بيان أخير دعا فيه إلى «ضرورة خلق الأجواء القادرة على إعادة الثقة والانخراط في بناء مغرب ما بعد كورونا، حيث يتطلب هذا البناء تحقيق انفراج سياسي، والإفراج عن المعتقلين على خلفية الحراك الشعبي بالريف وجرادة وبني تجيت، وإنهاء ظاهرة الاعتقال السياسي، والإفراج عن الصحافيين والمدونين، والتوقف عن متابعة المناضلين وتلفيق التهم لهم، وإنصاف الفئات المحرومة، وعلى رأسها الجنود المتقاعدون المحرومون من حقوقهم وتقاعدهم».
وعاد الحزب للحديث عن تحقيق «مصالحة تاريخية» مع كل «الجهات المهمشة بالمغرب»، منددا بـ«قوة» بـ«الاعتقالات المتواصلة للمناضلين»، قائلا في البيان ذاته إن «مصلحة وطننا تفرض التوقف عن التضييق على المناضلين والجمعيات، وعن ضرب الحريات، وعلى رأسها حرية التعبير، وطي صفحة انتهاكات حقوق الإنسان من أجل التمهيد لمصالحة تاريخية مع كل الجهات المهمشة بالمغرب»، وهو الخطاب الذي يردده قادة الحزب في تصريحاتهم والعديد من الندوات، وأكده نائب الأمينة العامة للحزب، محمد حفيظ، في ندوة أخيرة من تنظيم مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية الذي يرأسه المفكر والوزير السابق عبد الله ساعف، حيث ربط محمد حفيظ بين الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتحدث عن التراجع الذي تعمق في مرحلة تدبير المغرب لجائحة كورونا، منتقدا الحديث المبالغ فيه لبعض الفاعلين السياسيين عن الاستقرار الذي اتُّخذ شماعة لتبرير التراجع، معتبرا أن وزارة الداخلية عادت للتحكم في المشهد خلال مرحلة تدبير الجائحة، في تغييب للأحزاب والمجتمع المدني.
ولم يمنع استشراف مغرب ما بعد كورونا، والحديث عن ملف الحريات مدخلا للمرور إلى مرحلة جديدة، من الحديث عن الوضعية الوبائية الحالية، وما خلفته من مآسٍ صحية، حيث تحدث الحزب اليساري عن «الوضع الصحي الكارثي، وصعوبة علاج جميع المصابين بالفيروس، خاصة الذين يحتاجون إلى العناية المركزة، فضلا عن تفاقم أوضاع المصابين بأمراض مزمنة، وعدم توفر المعلومة حول نجاعة وعدم خطورة لقاح سينوفارم المنتظر»، مطالبا بـ«ضرورة العمل على توفير العلاج للمصابين بكورونا، وحماية الأطقم الصحية التي توجد في الصف الأمامي لمواجهة الجائحة، والاهتمام بالمرضى المصابين بأمراض مزمنة، مع توفير المعلومة حول لقاح سينوفارم، وإيجاد حلول ناجعة للتجار الصغار والحرفيين والمقاولين الصغار والذاتيين، مع التحذير من تبعات تفاقم المديونية».
ويستدعي تفاقم الأزمة بفعل الوباء العالمي، في نظر رفاق نبيلة منيب، «بلورة مشروع بديل متكامل من أجل التغيير الديمقراطي الشامل»، وضرورة «تشكيل الكتلة الحرجة التي تحمله»، وهو ما أصبح مطروحا وبحدة بعد تفاقم الأزمة المركبة التي عرفها المغرب، وفق منطوق البيان، خاصة «بعد الحراك الشعبي بكلّ دروسه، ومع تداعيات جائحة كورونا، والكساد الاقتصادي الناتج عن الحجر الصحي، وإغلاق آلاف المقاولات وتسريح ما يفوق مليون عاطل جدد، وهشاشة العاملين في القطاع غير المهيكل، وارتفاع نسب الفقر، حيث أبرزت الإحصائيات أن 5،5 ملايين أسرة بحاجة إلى الدعم، أي أن ما يزيد على 23 مليون نسمة يعيشون في مستوى أو تحت عتبة الفقر. هذا بالإضافة إلى خطر تدني مستوى التعليم وتعميق الفوارق، نظرا إلى صعوبة توفير التعليم عن بعد»، حسب المصدر ذاته.
وكانت قضية الصحراء والتطورات الأخيرة في صلب خريطة المرحلة السياسية التي تناولها بالتحليل الحزب البرلماني المعارض، معلنا إطلاق مبادرة حول ملف الصحراء، بتنسيق مع مركز محمد بنسعيد للأبحاث والدراسات، بهدف «فتح نقاش ديمقراطي مع كفاءات مغاربية والأطراف المعنية بهذا الملف، في أفق استكمال وحدتنا الترابية، وبناء المغرب الكبير والوحدة المغاربية فضاء تعاونيا وتكامليا، وجوابا جهويا تاريخيا عن الابتزاز النيوليبرالي ومنطق الاستعمار الجديد»، مشيرا في السياق ذاته إلى «إمكانية فتح مبادرة العودة والمصالحة» تجاه الصحراويين بالداخل والخارج، على حد تعبيره، وإلى والتعاون من أجل «بناء مغرب الديمقراطية الكاملة، ومركزة حقوق الإنسان، والتوزيع العادل للثروة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمناطقية»، معتبرا قرار الاعتراف بمغربية الصحراء من لدن الإدارة الأمريكية، خطوة منصفة للمغرب، تفرض مزيدا من الجهد للوصول إلى حلّ نهائي ودائم».