هل أثرت جائحة كورونا على حقوق الإنسان في المغرب؟.. الأجوبة تختلف

20/12/2020 - 20:29
هل أثرت جائحة كورونا على حقوق الإنسان في المغرب؟.. الأجوبة تختلف

هل أثرت جائحة كورونا على حقوق الإنسان في المغرب؟ ليس هناك جواب واحد عن هذا السؤال، فالمقربون من السلطة يعتقدون أن التأثير كان محدودا، ومبررا، وفي إطار القانون، وهو موقف يجد مبرره في الظروف الاستثنائية. بالمقابل، يرى آخرون، بينهم سياسيون وحقوقيون، أن السلطة استعملت ظروف كورونا لمزيد من التضييق على الحقوق والحريات.

على سبيل المثال، رفض إدريس الأزمي، قيادي في حزب العدالة والتنمية، كل الادعاءات التي تفيد وجود انتهاكات لحقوق الإنسان خلال فترة كورونا، بما في ذلك الحديث عن وجود « مقاربة أمنية مهيمنة » على سياسات الحكومة. بل إن الأزمي رفض القول الرائج بخصوص تهميش دور السياسيين والمنتخبين، لصالح اتساع دور السلطة المحلية، ممثلة في القائد والباشا والعامل، معتبرا أن العاملين في القطاع الصحي كانوا في الصفوف الأمامية لضبط إيقاع سياسة الدولة ككل خلال أزمة كورونا.

ويعتقد الأزمي جازما أن المغرب نجح في تدبير الأزمة وآثارها لحد الآن، بفضل سياسة استباقية من جهة، وبفضل الأداء الحكومي، فالمغرب نجح، في رأي الأزمي، في « الحفاظ على الاستقرار »، بل إن الأزمة مكّنت من « تسريع بعض الملفات العالقة مثل الاهتمام بالمقاولة الوطنية والإنعاش الاقتصادي والاجتماعي ». وكباقي دول العالم، فالأولوية كانت للحق في الحياة و »التضييق على بعض الحريات كان عاما في جميع البلدان، مثل حرية التنقل مثلا »، وهي تضييقات جرت وفق القانون وفي إطار المشروعية، وتحت رقابة مؤسسة البرلمان، وفق الأزمي.

وإذا كان من تراجع في دور الفاعلين، فإن الأزمي قد أرجع ذلك إلى الفاعل السياسي، الذي قد يتعرض لضغوطات، لكنه وجب عليه المقاومة والعمل في الميدان، ملقيا المسؤولية على الفاعل السياسي والحزبي في انسحابه وتراجعه من الساحة، ما يدفع فاعلين آخرين إلى احتلال الفضاءات الفارغة من أصحابها.

بالمقابل، تبنى محمد حفيظ، القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد، موقفا مناقضا لمواقف الأزمي، مؤكدا أن خطاب الأزمي « يُظهِر المغرب وكأنه ولد البارحة »، موضحا أن حقوق الإنسان تضررت كثيرا خلال الجائحة، داعيا الحكومة إلى الاعتراف بالأخطاء التي وقعت، ومنها مشروع القانون 22-20 الذي جرى سحبه بعد رد فعل مجتمعي قوي، وهو المشروع الذي سعى إلى تكميم أفواه المغاربة، وفرض رقابة شديدة على الأنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن الأزمي ردّ على هذه النقطة قائلا إن سحب مشروع القانون يؤكد أن الحكومة « تنصت للمواطنين »، بيد أن حفيظ اعتبر أن وجود مشروع قانون كالذي أعدته الحكومة وأرادت تمريره « جريمة في حق المغاربة أرادت الحكومة أن ترتكبها في ظرفية حساسة في بداية الجائحة ».

وقال محمد حفيظ إن الجائحة أظهرت مظاهر فشل في التدبير وكأن « الدولة غير موجودة »، وما أزمة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية الحالية سوى تمظهر لأزمة قديمة جعلتها جائحة كورونا أكثر قساوة وحلكة.

بحسب حفيظ دائما، يعاني المغرب من أزمة مركبة تعبر في نظره عن خصاص ثلاثي في تلك التركيبة، وهو ما ظل مطروحا على امتداد عقود، « الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية، هذا ما نحتاجه في كل الظروف، وهي المطالب التي ظلت مرفوعة منذ عقود »، يؤكد حفيظ، موضحا أنه « كانت هناك محاولات لاستغلال كورونا للقيام بانتهاكات لحقوق الإنسان والتضييق على المغاربة، خصوصا وأننا نعيش في الشهور الأخيرة، بل الأيام الأخيرة، تراجعا في مجال حقوق لإنسان، ولا يقتصر الأمر فقط على مشروع قانون تكميم الأفواه ».

وبين موقف الأزمي وموقف حفيظ، برز رأي ثالث عبّر عنه عمر عباسي، القيادي في حزب الاستقلال المعارض للحكومة، الذي اختار إثارة « واقع حرية الرأي والتعبير »، وقال إن « صحافة التشهير يخلق تحديات جدية للمدافعين عن حقوق الإنسان وللحريات بالمغرب »، مؤكدا أن « المسار الديمقراطي ليس بالضرورة تصاعديا، فما سمي بقانون تكميم الأفواه شكل مؤشرا مزعجا لاستغلال الجائحة لتكميم الأفواه »، منتقدا هيمنة الدولة، وقال عباسي إنه « لا ديمقراطية بدون الأحزاب والمؤسسات التي تنبثق عن العملية الانتخابية »، موجها غضبه اتجاه الخطاب الذي يبخس دور الأحزاب السياسية ودور البرلمان في الرقابة والتشريع خلال الجائحة.

واعتبر العباسي أن « هناك أطراف تسعى إلى الهجوم بشكل دائم على المؤسسات ذات الصلة بالإرادة الشعبية، في مقابل مغالاة من الجانب الآخر »، متسائلا عن غياب النخب الاقتصادية عن النقاش العمومي، مشيرا كذلك إلى أن « جزءا كبيرا منها أظهر أنه يتسم بالجشع والانتهازية ».

الملاحظ أن هذا النقاش حول كورونا وحقوق الإنسان تزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان كذلك، الذي يحتفي به العالم كل عام، كما يلاحظ استمرار الجدل عينه بين الحكومة والمقربين منها من جهة، وبين المعارضين من جهة أخرى. وعلى سبيل المثال، اقتنص المصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، في إحاطة حول الوضع الحقوقي في البلاد أمام المجلس الحكومي، للقول إن « بلدنا قطع أشواطا مهمة في مضمار البناء الديمقراطي، وتعزيز حقوق الإنسان، غير أنه لايزال أمامنا طريق طويل، للتمكين لكل الاستحقاقات الديمقراطية، والوفاء بجميع التزاماتنا الحقوقية، ونحن متأكدون من أنه وبفضل الإرادة الملكية الراسخة، وتعاون جميع أعضاء الحكومة، على رأسها رئيسها، والمؤسسات المعنية كافة، سنتمكن، إن شاء الله، من كسب رهان التنمية الديمقراطية، وتحقيق أقصى ما يمكن من التمكين الحقوقي ».

لكن على خلاف ذلك، خرجت جماعة العدل والإحسان المعارضة للقول إن « استمرار انتهاك الحقوق والحريات بسبب المقاربة الأمنية التي اعتمدتها الدولة في تدبير الأزمة الناجمة عن الجائحة، رغم تنبيهات المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وتحذيرات العديد من الهيئات الوطنية والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الدولية »، مؤكدة أن السلطة تتجه نحو « إرساء مجموعة من القوانين والتشريعات كرست مزيدا من التضييق على الحقوق والحريات، وتم توسيع صلاحيات العمال والولاة »، متحدثة عن قرارات تعليق العمل بالمحاكم وتأجيل الترقيات ومحاولة تمرير مشروع قانون « تكميم الأفواه ».

وأثارت الجماعة مرة أخرى، « استهداف الإعلاميين والحقوقيين والسياسيين، بمحاكمات سياسية واعتقالات تعسفية، وحملات التشهير الإعلامي الممنهج من طرف مواقع إعلامية مقربة من السلطة »، و »استعمال العنف المفرط لمواجهة الحركات الاحتجاجية السلمية التي ازدادت حدتها ورقعتها بسبب تداعيات وباء كورونا وآثارها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ».

من المعلوم أن هذا الجدل بين الأزمي وحفيظ، أو بشكل غير مباشر بين الحكومة والمعارضة، ليس جديدا، وإن شكلت أزمة كورونا سياقا جديدا لإثارته بشكل أكثر حدة، بالنظر إلى الظروف الاستثنائية القائمة حول العالم كله. بينما السؤال الأكثر إثارة للجدل اليوم، هل تنسحب السلطات من الفضاءات التي ملأتها خلال أزمة كورونا بسبب القيود التي فرضتها على الحقوق والحريات، أم إنها سترفض ذلك؟ وهل الدولة في المغرب قادرة على الاستمرار في تحمل تكاليف غلق الفضاء الديمقراطي بعد نهاية أزمة كورونا؟ الشهور المقبلة قد تحمل الجواب.

شارك المقال