هل تعيد أزمة فيروس "كورونا" صياغة فهمنا لحقوق الإنسان؟

20 ديسمبر 2020 - 11:00

هل تعيد أزمة كورونا صياغة فهمنا لحقوق الإنسان؟ وهل تجعل الأنظمة السياسية من الظروف الاستثنائية، التي تسمح لها بتعليق بعض الحقوق، ظروفا عادية بحيث يتحول الاستثنائي إلى العادي، وترفض بموجب ذلك التراجع عن المساحات التي احتلتها خلال الأزمة؟ تلك أسئلة، من بين أخرى، تشغل اليوم بال الجامعيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بسبب ما يعتبرونه خروقات وانتهاكات حدثت وتحدث، ويجري تبريرها باسم الظروف الاستثنائية التي فرضتها كورونا على الدول والمجتمعات حول العالم.

لقد شكلت السياسات والخطابات التي أنتجها الفاعلون في سياق التعاطي مع التهديدات التي طرحتها جائحة كورونا على امتداد سنة 2020 مختبرا حقيقيا للملاحظة، وطرح بعض الأسئلة حول التأثيرات المُحتملة، على المديين القصير والمتوسط، للأزمة الحالية وكيفية مواجهتها، ليس فقط على مستوى قدرة القوانين والآليات الوطنية والدولية لحماية حقوق الإنسان على توفير حماية فعلية للحقوق والحريات إبان الأزمة، بل إن البعض تساءل بقوة عما إذا كانت جائحة كورونا قد تكون وراء إعادة صياغة طريقة فهم حقوق الإنسان.

تراتبية الحقوق

لعل أقوى التأثيرات التي فرضتها جائحة كورونا على حقوق الإنسان بروز فكرة تراتبية الحقوق. وفي هذا الشأن سلّطت الندوة الدولية حول “تمفصلات الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان في شمال افريقيا”، التي نظمها مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية ومؤسسة كونراد أديناور الأسبوع الماضي بالرباط، الضوء على هذه الفكرة حين اعتبر أكثر من متدخل في الندوة أن   مجموع الإجراءات التي قررتها الدول فرضت تحديات غير مسبوقة، من أبرزها الدعوة إلى اعتماد فكرة التراتبية في حماية الحقوق والحريات، وهو ما يعني إعادة النظر في مبدأ عدم قابلية حقوق الإنسان للتجزيء كأحد أهم مرتكزات الفكر الحقوقي المعاصر.

وكمثال على ذلك، اعتمدت العديد من الدول سياسات تقوم على تعليق وتجميد بعض الحقوق المدنية والسياسية، مثل الحق في التجمع والتظاهر وتقييد حقوق أخرى مثل الحق في التنقل، بذريعة الحاجة إلى التعبئة من أجل حماية حقوق أخرى ترى الأنظمة والدول أنها الأولى بالحماية، على رأسها الحق في الحياة، بحجة أنها تشرط باقي الحقوق، ولأن في غيابها تصبح الحقوق الأخرى بدون معنى. والملاحظ أن هذه الإجراءات لم تقتصر على الدول النامية، بل شملت حتى الدول الديمقراطية في أوروبا وأمريكا. وأقوى مثال في هذا الصدد، تعليق فرنسا الحق في التظاهر بالنسبة إلى أصحاب السترات الصفراء، ومنع ذلك بالقوة، بحيث لم تختلف مظاهر العنف في حق المتظاهرين في باريس عن غيرها من دول عربية أو نامية.

من البديهي أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان تسمح بتقييد الحقوق، لكن لا بد في هذا السياق من التمييز بين التقييد الذي يعد فعلا قانونيا، وبين التعليق والمنع والتعسف في ذلك، فالمبدأ العام أنه لا يمكن تصور حقوق وحريات مطلقة، لأن ممارسة الحقوق والحريات من دون قيود من شأنه أن يؤدي إلى الفوضى، الوضع الذي يغدو معه التصادم بين الحريات سببا في نفيها جميعا. إن التصادم بين الحقوق والحريات، يجعل من التعايش بينها سبيلا لا غنى عنه، ومن ثم كان ضروريا القبول بتقييد الحقوق لغرض أساسي، وهو المحافظة عليها.

لذلك، لا تخلو نصوص الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، المشار إليها سابقا، من هذا المعطى، أي السماح للدول بتقييد الحقوق والحريات، خصوصا في الظروف التي تكون فيها حقوق الناس في الحياة والسلامة الشخصية مهددة، سواء في حالات الطوارئ، وحالات الاستثناء، وحالات الحصار، أو حالات الطوارئ الصحية، كما هو حاصل اليوم بسبب فيروس كورونا المستجد، لكن التقييد يكون وفق شروط دقيقة ومحددة وردت الإشارة إليها في الإعلان العالمي والعهدين الدوليين.

 يرخّص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للدول بأن تُخضع ممارسة حقوق الأفراد وحرياتهم إلى قيود، يُشترط أن تكون مؤقتة ومعلن عنها، ويجب أن يقررها القانون وحده، وأن تكون بهدف صريح هو تأمين الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين، واستجابة لمتطلبات المحافظة على النظام العام، لكن ضمن قواعد المجتمع الديمقراطي. إذ لا يجوز ممارسة هذه الحقوق على نحو يتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، أو بشكل قد يستهدف إهدار أي من الحقوق المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

فالمادة 29 تنص في فقرتها الثانية على أنه “لا يخضع أي فرد، في ممارسة حقوقه وحرياته، إلا للقيود التي يقررها القانون مستهدفا منها، حصرا، ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها، والوفاء بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمع ديمقراطي”، وتشدد في فقرتها الثالثة على أنه “لا يجوز في أي حال أن تمارس هذه الحقوق على نحو يناقض مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها”.

في حين تؤكد المادة 30 من الإعلان العالمي على أنه “ليس في هذا الإعلان أي نص يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على تخويل أية دولة أو جماعة، أو أي فرد، أي حق في القيام بأي نشاط أو بأي فعل يهدف إلى هدم أي من الحقوق والحريات المنصوص عليها فيه”.

أما العهد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فيؤكد أن الحقوق الواردة فيه يمكن أن تُقيّد بقانون، لكن وجب أن يكون القيد متناسبا مع طبيعة الحقوق، وأن يكون الهدف هو تعزيز الرفاه العام في مجتمع ديمقراطي. فقد ورد في المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بأن “تقر الدول الأطراف في هذا العهد بأنه ليس للدولة أن تُخضع التمتع بالحقوق التي تضمنها طبقا لهذا العهد، إلا للحدود المقررة في القانون، وإلا بمقدار توافق ذلك مع طبيعة هذه الحقوق، وشريطة أن يكون هدفها الوحيد تعزيز الرفاه العام في مجتمع ديمقراطي”.

 إن المادة الرابعة تنطوي على شروط معينة يجب أن تتضمنها القيود المفروضة من قبل الدولة، ومنها عدم جواز فرض أي قيد على ممارسة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلا بقانون، وجب أن يكون، بدوره، خاليا من أي تعارض مع مضامين العهد الدولي، وأن يكون نافذا وقت تطبيق القيد. كما يُشترط أن تكون تلك القيود خالية من أية مقتضيات تعسفية، أو غير معقولة، أو تمييزية، كما يجب أن تكون تلك القيود واضحة، وبوسع أي شخص الاطلاع عليها. ويجب أن ينص القانون، الذي يتضمن هذه القيود، على ضمانات كافية للأفراد إزاء أي ممارسات غير قانونية أو تعسفية عند تطبيق تلك القيود، وأن يتيح سبل الانتصاف والولوج إلى العدالة.

 على خلاف ما سبق أعلاه، فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لا يحتوي على مادة جامعة تأذن للدول بفرض قيود على ممارسة الحقوق المدنية والسياسية، كما هو الحال بالنسبة إلى المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بل إن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تضمن عدة مواد تلح على الدول بأن لا تُخضع الحقوق ذات الصلة لأية قيود، باستثناء تلك التي يسمح بها القانون، والتي قد تكون لازمة لحماية الأمن الوطني، أو النظام العام، أو حقوق الآخرين وحرياتهم.

       ويميز العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في هذا السياق، بين حقوق لا يجوز تقييدها أبدا، توصف بـ”الحقوق الصلبة” أو “الحقوق غير القابلة للانتقاص”، وحقوق أخرى ضمن ذات العهد يمكن تقييدها، لكن بشروط دقيقة. بخصوص الحقوق الصلبة التي لا يجوز تقييدها، مهما كانت الظروف، أي حتى في حالات الطوارئ الصحية التي تُفرض بسبب أمراض معدية وقاتلة مثل فيروس كورونا المستجد، أو في حالات الاستثناء التي قد تُفرض بسبب الحرب، فهي سبعة حقوق محددة على وجه الحصر، تتمثل في: الحق في الحياة، حظر التعذيب والاعتقال التعسفي والاختطاف والاختفاء القسري، حظر الرق أو العبودية، عدم شرعية السجن مقابل دَين، حظر تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي، الاعتراف بالشخصية القانونية للفرد، وحرية الفكر والوجدان والدين.

      أما باقي الحقوق الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فقد أباح العهد للدول إمكانية تقييد التمتع بها مؤقتا، أي في حالات الطوارئ العامة المعلنة رسميا، في مواجهة خطر داهم يهدد حياة الأمة. ولا يسمح بهذه القيود إلا في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، بأن تكون محددة في قانون، ومحدودة في الزمن، وألا تنطوي على تمييز عنصري يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي، ويجب إبلاغ الأمم المتحدة بهذه القيود.

طرق تأثير كورونا على الحقوق

      من خلال هذه الملاحظة، يظهر أن الدول تجاوزت فعل التقييد نحو تعليق بعض الحقوق، بذريعة الحفاظ على الحق الأسمى، أي الحق في الحياة. إذ رصدت منظمة العفو الدولية سبعة مسالك تؤثر فيها كورونا على حقوق الإنسان، مؤكدة أن التصدي للوباء من قبل الدول ينطوي على إمكانية التأثير على حقوق الإنسان لملايين البشر. قبل كل شيء، حق الفرد في الصحة، مكفول بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ينص على الحق في الوصول إلى الرعاية الصحية، والحق في الوصول إلى المعلومات، وحظر التمييز في تقديم الخدمات الطبية، وعدم الإخضاع للعلاج الطبي دون موافقة المريض، وغيرها من الضمانات المهمة.

تؤكد أمنيستي ذلك بالقول: “ليس للرقابة والتمييز والاحتجاز التعسفي وانتهاكات حقوق الإنسان مكان في مكافحة وباء فيروس كورونا. فانتهاكات حقوق الإنسان تعرقل، بدلا من تسهل، الاستجابة لحالات الطوارئ الصحية العامة، وتقوض فعاليتها. كما أن الحقوق الأخرى معرضة للخطر أيضا أثناء وقوع وباء، وهي: الحماية من الاعتقال التعسفي وحرية التنقل، وحرية التعبير، وغيرها من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. ويمكن تقييد هذه الحقوق، ولكن فقط إذا كانت هذه القيود تستوفي مبادئ الضرورة والتناسب والشرعية.

على سبيل المثال، بذلت الحكومة الصينية جهودا واسعة النطاق للتعتيم على المعلومات المتعلقة بفيروس كورونا، والمخاطر التي يشكلها على الصحة العامة. ففي أواخر دجنبر 2019، تقاسم الأطباء في “ووهان”  مع زملائهم  مخاوفهم بشأن المرضى الذين يعانون من أعراض مشابهة لظهور متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد (السارس)، الذي بدأ في جنوب الصين في عام 2002. فتم إسكات أصواتهم على الفور، وعاقبتهم السلطات المحلية بسبب “نشر الشائعات “، حسب أمنيستي.

علاوة على ذلك، اتسعت دائرة الرقابة من قبل الأنظمة للنشطاء والفاعلين، وتزعم “أمنيستي” أن السلطات الصينية انتهجت التحكم في سرد الأخبار، وقمع التغطية السلبية يؤديان إلى فرض الرقابة على المعلومات المشروعة عن الفيروس في بعض الأحيان. من خلال فرض الرقابة على العديد من المقالات منذ بداية الأزمة، بما في ذلك المقالات الصادرة عن المؤسسات الإعلامية السائدة.

ولا تكتفي الحكومات بالرقابة، بل قد تعرض النشطاء للمضايقة والترهيب بسبب محاولتهم تبادل المعلومات حول فيروس كورونا على وسائل التواصل الاجتماعي. ففي حين أن دحض المزاعم الكاذبة حول الفيروس أمر بالغ الأهمية، فكذلك ضمان نشر معلومات صحية دقيقة هو أمر مهم للغاية، فإن إغلاق المحتوى الصحفي المشروع، ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي، بشأن هذه القضية لا يخدم أي غرض من أغراض الصحة العامة.

تؤثر كورونا، أيضا، على حقوق الإنسان في شكل التمييز المجحف الذي ظهر في عدة مناطق حول العالم تجاه حاملي الفيروس، خصوصا أن بعض الدول أغلقت أبوابها أمام المسافرين القادمين من الصين، أو دول آسيوية أخرى، في حين فرضت بلدان أخرى تدابير صارمة للحجر الصحي، وبحسب أمنيستي من الضروري مراعاة الضوابط الحدودية والحجر الصحي متناسبين. ففي أستراليا مثلا، أرسل المئات من حاملي الفيروس إلى مراكز للمهاجرين، في ظروف علاجية غير إنسانية.

في هذا الصدد، تؤكد المنظمات الحقوقية أنه لا يجوز تبرير الحجر الصحي، الذي يقيد الحق في حرية التنقل، بموجب القانون الدولي، إلا إذا كان متناسبا ومحددا زمنيا، ومضطلع به لتحقيق أهداف مشروعة، وضروريا للغاية، وطوعيا، حيثما كان ذلك ممكنا، وأن يطبق بطريقة غير تمييزية.

وعموما، سمحت جائحة كورونا باتساع مجال النظام العام، بمبرر الظروف الاستثنائية أو حالة الطوارئ الصحية، وهو توجه جرى تبريره بحماية حقوق أساسية، مثل الحق في الحياة، والحق في الأمن، والحق في الصحة العامة، لكن ذلك جرى على حساب حقوق أخرى اعتُبرت ثانوية في سياق مواجهة تلك الأزمة، فتم تقييدها أو منعها تماما، وخصوصا بعض الحقوق السياسية والمدنية مثل الحق في التنقل، أو التجمع والتظاهر وغيرهما.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي