مؤسس "إلباييس": الثقة مع المغرب ضرورية إذا أردنا تجنب عرقلة مسار نظامنا الخاص

22 ديسمبر 2020 - 10:00

إذا كانت العلاقات الثنائية المغربية الإسبانية بلغت مستويات غير مسبوقة من «الود والتعاون المتبادل» منذ وصول الحزب الاشتراكي إلى الحكم بزعامة الشاب بيدرو سانشيز، في يونيو 2018؛ فإنها تمر اليوم بأصعب فتراتها في العقد الأخير، رغم أنه لا يمكن مقارنة هذه الصعوبات بتلك التي طبعت العلاقات الثنائية بين البلدين ما بين سنتي 2000 و2010. وبينما كان الطرفان يحاولان في الأسابيع الماضية «إخفاء» هذه الأزمة الصامتة، التي ظلت تكبر شيئا فشيئا إلى أن خرجت إلى العلن بعض مظاهرها مثل الموقف الإسباني الضبابي المتسم بالحياد السلبي إزاء إعلان الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، الاعتراف بالسيادة المغربية كاملة على الصحراء المغربية، إلى جانب إلغاء القمة الثنائية الرفيعة المستوى بين البلدين، والتي كانت مُبرمجة في الرباط يوم الخميس الفائت؛ هذا دون إغفال استمرار إغلاق الحدود البرية مع الثغرين المحتلين سبتة ومليلية منذ 13 مارس الماضي.

ويبدو تأثير حزب بوديموس، المعادي للمغرب، واضحا في الموقف الضبابي للحكومة الإسبانية، منذ استعادة المغرب منطقة الكركرات يوم 13 نونبر المنصرم وإعادة فتح المعبر الحدودي مع موريتانيا أمام السائقين والمسافرين. وبينما تحاول الحكومة الإسبانية التعامل بطريقة دبلوماسية مع الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، فإن خرجات وزيرة خارجيتها أخيرا تبرز على الأقل أن إسبانيا غير متفقة مع خطوة دونالد ترامب، وهو الموقف نفسه التي عبرت عنه افتتاحية صحيفة «إلباييس» الإسبانية المقربة من الحكومة الحالية. لكن يبدو أن موقف الحكومة الإسبانية إزاء التطورات الأخيرة، التي عرفتها قضية الصحراء، خلق خلافات وتباينات داخل الجارة الإسبانية. مثلا، في الوقت الذي انحازت فيه صحيفة «إلباييس» في افتتاحيتها بتاريخ 12 دجنبر الجاري إلى الطرح الانفصالي إزاء الموقف الأمريكي، انتقد رئيسها الشرفي حاليا ومؤسسها ومديرها سابقا، خوان لويس سيبريان، موقف الحكومة الإسبانية إزاء التطورات الأخيرة، وعدم قدرتها على الرقي بالعلاقات الثنائية مع المغرب إلى المستوى الذي تفرضه الظرفية الراهنة على مدريد.

كرة ثلج تكبر يوميا

وقد عبرت عن الأزمة الصامتة بين الرباط ومدريد، وعدم الرضا الإسباني عن موقف ترامب الأخير، ضمنيا، وزيرة الخارجية الإسبانية في حوار مع إذاعة «أُوندا ثيرو»، قائلة إن نزاع الصحراء «لا يرتبط بإرادة أو قرار أحادي لبلد، مهما كان كبيرا هذا البلد»، بل إن «مركز الثقل يوجد في الأمم المتحدة»، في إشارة واضحة منها إلى أن إعلان ترامب مغربية الصحراء لن يغير مسار القضية. لكن الوزيرة الإسبانية تقول في الأيام الأخيرة «الشيء ونقيضه»، فبينما تُرَحِبُ باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، من جهة؛ تتجاهل، من جهة أخرى، قيمة الموقف الأمريكي الذي أدخل، دون شك، ملف الصحراء مرحلة جديدة.

وقد حاولت الوزيرة الإسبانية، رغم اختلافات السياقات، الجمع بين نزاع الصحراء والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، قائلة: «في القضيتين معا، هناك مسارات مركزُها الأمم المتحدة، أي أنها تحتاج إلى توافق المجتمع الدولي حولها لكي يكون الحل قائما ومقبولا لدى جميع الأطراف». وتجنبت الوزيرة الإسبانية الحديث عما إن كانت اطلعت على الخطوة الأمريكية قبل إعلانها رسميا، مكتفية بالقول إنها «لم تفاجئها».

وبينما يروج البعض أن إسبانيا قد تطلب من الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، التراجع عن قرار ترامب بخصوص الاعتراف بمغربية الصحراء مع تنصيبه يوم 20 يناير المقبل، قالت وزيرة الخارجية الإسبانية: «هو المخول لتقييم الوضع، وأن يرى بأي طريقة يريد أن يتموقف، وأن يعمل من أجل إيجاد حل عادل، ودائم، أيضا، وغير مرتبط بالترنحات التي تقع بين الفينة والأخرى، بل أن يكون مرجعُه المجتمع الدولي»، وأشارت إلى أن الأهم الآن هو أن يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بتعيين مبعوث أممي جديد لإيجاد حل للنزاع، مع الحرص على الحديث مع «الجيران القريبين»، ومع «مجموعة من البلدان، بينها إسبانيا، التي لديها مصالح قريبة». كما اعترفت الوزيرة بأن إسبانيا تجري مجموعة من الاتصالات مع إدارة بايدن بهدف «البحث عن العودة إلى التعددية بغية تدبير العلاقات الدولية»، في إشارة إلى رفضها القرارات الأحادية الترابية.

وبالعودة إلى تصريح سانشيز، يوم الجمعة 11 دجنبر، أي يوما واحدا بعد إعلان ترامب مغربية الصحراء، يتضح أن إسبانيا لم تُرحب بالقرار الأمريكي المُعترِف بمغربية الصحراء. وقال سانشيز إنه يُرحب باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب، قبل أن يعرج على نزاع الصحراء قائلا إنه يجب «حله بشكل نهائي»، في إطار «مركزية الأمم المتحدة والشرعية الدولية». في ذلك التصريح، أعطى سانشيز الأولوية لإعادة العلاقات بين المغرب وإسرائيل، ووضع قضية الصحراء في المرتبة الثانية، بل أكثر من ذلك، لم يرحب بقرار ترامب المعترف بالسيادة المغربية على الصحراء، واكتفى بالتذكير بمركزية الأمم المتحدة والشرعية الدولية. وهذا ما جعل البعض يفهم أن الحكومة الإسبانية منزعجة من الموقف الأمريكي الجديد، لكن لا يُعرف إلى حدود الساعة إن كان هذا الانزعاج سَبَبُهُ جَوهر الموقف، أو طَريقة تحضيره أو توقيت إِعلانه، حيث يبدو كما لو أن الرباط وواشنطن لم تطلعا عليه مدريد مسبقا، رغم أن مدريد تعتبر المستعمِر السابق والعضو في نادي أصدقاء الصحراء. مع ذلك، نفى سانشيز وجود أي أزمة مع المغرب، حيث أرجع تأجيل القمة الثنائية بين البلدين إلى شهر فبراير المقبل، بعدما كانت مبرمجة يوم الخميس الماضي، إلى الوضع الوبائي، مبرزا أن إسبانيا تربطها «علاقة جيدة للغاية بالمغرب».

انقسام إسباني يضعف مدريد

لا يمكن فهم الموقف الغامض والمتوجس لإسبانيا دون العودة إلى افتتاحية نشرتها صحيفة إلباييس»، المقربة من رئاسة الحكومة، يوم الـ12 من الشهري الجاري، تحت عنوان: «الصحراء المنسية»، حيث أظهرت تحيزا واضحا إلى الأطروحة الانفصالية، في تعارض تام مع مضامين مقالات مراسليها بالرباط المتوازنة بهذا الخصوص، وعمود ورئيسها الشرفي ومؤسسها. بدأت الافتتاحية قائلة: «اعتراف ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية انتهاك للشرعية الدولية المعترف بها من لدن الأمم المتحدة، وإشارة خاطئة تعقد أكثر إمكانية إيجاد حلول متوافق عليها بخصوص نزاع منسي. ارتكب ترامب، على بعد أسابيع من مغادرة البيت الأبيض، قرار خاطئا وخطيرا للغاية بالنسبة إلى هذه الأزمة. القرار الذي لم يتجرأ أي من أسلافه -سواء الديمقراطيون أو الجمهوريون- على اتخاذه». وتزعم الافتتاحية أن الاعتراف هو «ورقة مساومة» تدخل في إطار «تطبيع العلاقات بين البلدان العربية وإسرائيل». وتقول الافتتاحية في موضع أخر: «أزمة الصحراء تشكلا فشلا ذريعا للأمم المتحدة»، مبينة أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، لم يستطع تعيين مبعوث خاص له في الصحراء منذ استقالة الألماني هورست كوهلر في ماي 2019، وتابعت أن مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007، «يقدم، على ضوء خصائصه وسياقه، عرضا دون ضمانات مقارنة بالحكم الذاتي الإقليمي داخل دولة غربية»، وخلصت إلى أن «إسبانيا، لأسباب تاريخية، يجب أن تلعب دورا رئيسا في هذا (قضية الصحراء). هناك تحديات خاصة. لكن هذا ليس سببا لرفض لعب هذا الدور»، وانتهت إلى أن النزاع سقط رويدا رويدا في النسيان الدولي.

في حين يذهب مقال لمراسل الصحيفة في الرباط إلى أن جبهة البوليساريو تنتظر أن يتراجع الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، عن قرار الاعتراف بمغربية الصحراء الذي اتخذه الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، «لكن إلى حدود الساعة، حظيت جبهة البوليساريو بدعم محدود في الخارج. لقد أحسن المغرب في العقود الثلاثة الأخيرة تحريك لاعبيه في الميدان الدبلوماسي والتجاري في مزج للتحالفات الدولية القوية -الدعم الفرنسي والإسباني كان مفتاحا- وللحقائق».

أما رئيس «إلباييس» الشرفي، لويس سيبريان، فأكد في مقال تحت عنوان: «قضايا عالقة» أن إسبانيا يجب أن تراجع طريقة تعاملها مع المغرب، مبينا أن «المغرب بلد مفتاح لبناء النظام العالمي الجديد ولمصالح بلدنا ومواطنينا، مهما كانت أفكارهم الإيديولوجية وانتماءاتهم الاجتماعية»، وتابع أن هناك نحو 400 شركة إسبانية مستقرة في المغرب. وذهب سيبريان إلى أبعد من ذلك بربط استقرار إسبانيا بالحفاظ على علاقات جيدة مع المغرب، في هذا قال: «من المهم ترسيخ الثقة في العلاقات بين المغرب وإسبانيا إذا أردنا تجنب عرقلة مسار نظامنا الخاص».

ومما زاد من التوجس الإسباني إزاء تعزيز التعاون السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والعسكري بين أمريكا والمغرب، هو إقدام الأول، بالتزامن مع إعلان ترامب رسميا مغربية الصحراء، على كشف بيع 4 طائرات دون طيار من طراز «إم كيو-9» للمغرب في صفقة تبلغ قيمتها 1000 مليون دولار، علما أن هناك صفقات مماثلة عقدتها الحكومة الأمريكية هذه السنة مع تايوان والإمارات العربية المتحدة.

وبعدما أكد وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، أخيرا أن المغرب لم يعد يستسيغ المواقف الجافة التي تتحدث عن البحث عن حل عادل ودائم للملف، أصبحت إسبانيا محرجة. سفيرة المغرب في مدريد، كريمة بنعيش، رفضت التعليق على مستقبل الموقف الإسباني من قضية الصحراء وإمكانية أن يتأثر بالقرار الأمريكي الأخير، وقالت في حوار مع صحيفة «الإسبانيول»: «شخصيا، لا يمكنني الحديث»، قبل أن تستدرك: «نتمنى أن تحذو الكثير من البلدان حذو أمريكا، قوى كبيرة، وعضو دائم في مجلس الأمن». ورفضت السفيرة، أيضا، الحديث عن وجود أزمة بين البلدين، انتهت إلى أن القمة الثنائية لم تلغ، بل أجلت بسبب الأزمة الوبائية.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي