1- ألا ترى أن إسبانيا كانت منزعجة من المغرب وكانت تبحث عن ذريعة لتفجير غضبها، وربما وجدت في العثماني ذلك الحائط القصير لتصريف غضبها من المغرب؟
لا شك أن إسبانيا فوجئت بشكل كبير بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء في الأيام الأخيرة لدونالد ترامب، وهو الأمر الذي لم تكن بالطبع تتوقعه، ولا كان أي طرف في الاتحاد الأوروبي أو في المنطقة يتوقع حصوله. بالنسبة إلى إسبانيا، كانت أزمة الصحراء منذ السبعينيات من القرن الماضي مشكلة إقليمية تهم المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو الانفصالية، وإن كانت هي طرفا فيه، لكن الاعتراف الأمريكي جعل موضوع الصحراء ملفا دوليا. فأمريكا هي أول بلد من البلدان الخمسة العظمى في مجلس الأمن يعترف بمغربية الصحراء، وأول بلد في الغرب يفعل ذلك، ولهذا كان لا بد لتلك الخطوة الأمريكية أن تقلب كل شيء في المواقف الجيوسياسية لإسبانيا في شمال إفريقيا، بشكل يجعلها تعيد حساباتها من جديد، في ضوء التحولات المستجدة، حيث لم تكن الرؤية الكلاسيكية لنزاع الصحراء قائمة بالنسبة إلى مدريد. فالمغرب بهذه المبادرة أخرج إسبانيا من الصحراء تماما للمرة الثانية، حيث أخرجها عام 1975 في المسيرة الخضراء ترابيا، وأخرجها اليوم سياسيا. لهذا كله فإن إسبانيا لا بد أنها انزعجت من تصريح العثماني حول سبتة ومليلية، لأنه كان بمثابة إشارة إلى أن المغرب بدأ يتطلع إلى حل مشكلة المدينتين المحتلتين والجزر الأخرى بعد أن ينتهي من حل مشكلة الصحراء، وفي الحقيقة هذا دائما موقف إسبانيا، وهو عرقلة مسار الحل في الصحراء لتعطيل الحل في سبتة ومليلية.
2- ماذا يعني استدعاء السفيرة من لدن كاتبة الدولة في الخارجية بدل وزيرة الخارجية، كما هو متعارف عليه؟
– من الناحية البروتوكولية، يعتبر ذلك نوعا من الاحتجاج السياسي والدبلوماسي على المغرب، من خلال تدخل كاتب الدولة في الوزارة وليس الوزير نفسه، كما هي العادة في مثل هذه الأزمات الدبلوماسية في العالم كله، وهو من الناحية النفسية أيضا تعبير عن عدم الرضا وعن الإهانة التي تلقتها إسبانيا على يد المغرب، خصوصا أن هذا الأخير طلب تأجيل القمة الثنائية بين رئيسي الحكومتين في البلدين.
3- يبدو أن طلب المغرب تأجيل القمة الثنائية والاعتراف الأمريكي أصاب الحكومة الائتلافية في مقتل؟
بالطبع، فقد حصل هذا التأجيل مباشرة عقب صدور القرار الأمريكي الاعتراف بمغربية الصحراء، وهذا معناه بوضوح، بالنسبة إلى الحكومة الإسبانية، أن المغرب لا يراهن كثيرا على الموقف الإسباني، ولا ينتظر منه شيئا، بعدما أصبح مسنودا بأكبر قوة سياسية وعسكرية في العالم. إسبانيا طبعا متخوفة من تغيير المغرب لشركائه الدوليين والإقليميين، ومن احتمال انخراطه في استراتيجية عالمية أكبر بالتحالف مع الولايات المتحدة في منطقة صارت تفتح شهية أطراف كثيرة، مثل روسيا والصين وتركيا، وتغيرت فيها قواعد اللعبة بشكل واسع، فالنفوذ الأوروبي التقليدي في شمال إفريقيا، والذي ظل قائما منذ القرن التاسع عشر، بدأ يتراجع لصالح أطراف جديدة.
4- على ضوء التطورات الأخيرة، كيف ترى حاضر ومستقبل العلاقات المغربية الإسبانية؟
العلاقات المغربية-الإسبانية ليست علاقات ثابتة ومستقرة، هي علاقة الأمر الواقع فحسب، تفرضها الجغرافيا، لكن السياسة تتمرد عليها باستمرار. وإذا شئنا الدقة، فإن هذه العلاقات هي علاقات ابتزاز من لدن إسبانيا في كل شيء، في الصحراء والصيد البحري وسبتة ومليلية والمهاجرين والحدود والمخدرات وغيرها، بمعنى أنها كانت ولاتزال اليوم مصدر تعب للمغرب. وأعتقد أن الدبلوماسية الجديدة للمغرب، منذ تولي الملك محمد السادس الحكم وإلى اليوم، ترمي إلى التخلص من هذا العبء بشكل تدريجي والبحث عن شركاء جدد.
فإسبانيا، على سبيل المثال، ظلت دائما تعرقل أي حل في الصحراء، وهي تريد الظهور بمظهر المحايد الذي يؤيد خيار الاستفتاء الذي طرحته الأمم المتحدة في بداية التسعينيات من القرن الماضي مع قرار وقف إطلاق النار، لكنها في الوقت نفسه لا تستنكف عن تقديم الدعم للبوليساريو، وتوظيف تلك الورقة ضد المصالح المغربية.
وأعتقد أن إسبانيا بات عليها أن تعيد ترتيب حساباتها من جديد، وأن تنظر إلى المغرب نظرة مغايرة غير مرحلة القطبية الثنائية. وفي اعتقادي، قد يدفعها ما حصل إلى التفكير جديا في مشكلة المدينتين المحتلتين، في ضوء اللجنة المشتركة الذي كان الراحل الحسن الثاني قد اقترحها لحل المشكلة بشكل مشترك وتدريجي، لكن ذلك لم يحصل وجرى وأد اللجنة. وإسبانيا نفسها تعرف أنها لا بد أن تواجه يوما هذه الحقيقة، وهو ما تنبأ به مسؤولون إسبان كثيرون، منهم السفير السابق، ماكسيمو كاخال، الذي أصدر كتابا في التسعينيات أثار ضجة في إسبانيا، تحت عنوان: «سبتة ومليلية.. أولايفينزا وجبل طارق: أين تقف حدود إسبانيا؟»، قال فيه إنه لا بد أن تعود المدينتان إلى المغرب طال الزمن أم قصر، إذ لا يعقل في القرن الحادي والعشرين أن تظل إسبانيا تحتل أراضي خارج ترابها منذ قرون.
إدريس الكنبوري: باحث مهتم بالشأن الإسباني