منير أبو المعالي يكتب: حصار بالمقلوب – اليوم 24
منير-ابو-المعالي
  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: Made In China  

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: يجب ألا نهتم..

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: حصار بالمقلوب

الرأي

منير أبو المعالي يكتب: حصار بالمقلوب

جرب المغرب استراتيجيات الحصار في مواجهة المحتلين لسبتة ومليلية مرتين متفرقتين، ولسوف يفشل في كلتيهما. مرة، قبل أكثر من ثلاثة قرون، حيث بقيت الجيوش تطوق مدينة سبتة لنحو ثلاثين عاما، وفي نهاية المطاف، شعر السلطان المغربي بالإعياء. في مليلية، وبعد حوالي نصف قرن، كان تكتيك السلطات المغربية أكثر عنفا، ومسنودا بحليف حيوي هو بريطانيا، لكن العمليات الحربية بالكاد دامت مائة يوم، قبل أن تتراجع الجيوش شرقا لصد هجوم غادر حاول الأتراك القيام به مستغلين الجهد المبذول لحصار مليلية. مازال الإسبان، حتى اليوم، يحتفون بقدرتهم على حماية المستعمرتين.

باستمرار، كنت أقصد المكان في سبتة حيث كانت تقف أولى صفوف الجيش المغربي، حيث يبرز حصن يتكئ على واد واسع، كان الإسبان يحتمون خلفه. مازال الحصن قائما، والإسبان يعتنون به باعتباره دليلا على صمود تاريخي. تمتد حدود سبتة، في الوقت الحالي، أبعد بحوالي أربعة كيلومترات في الأراضي حيث كانت مخيمات القوات المغربية. بانسحابها، تقدم الإسبان ليكسبوا لأنفسهم أراضي جديدة.

لكن كلمة «الحصار» مازال يتردد صداها كذلك. هذه المرة، تُحاصر المدينتان دون حاجة إلى جيوش، وهي، دون شك، أكثر فعالية من أي حصار عسكري. إن أفضل ما يمكن فعله هو تحويل سبتة ومليلية إلى أراض دون قيمة. لكن، هل ذلك خيار عملي؟ تستمد المدينتان قيمتهما من الربط الحيوي بالأراضي المغربية. في سبتة، على سبيل المثال، حيث لا وجود لصناعة محلية، فإن الاقتصاد المحلي يعول بالكامل تقريبا على حركة السلع نحو المغرب بشكل غير قانوني. مع ذلك، بقي الإسبان متمسكين بسبتة قبل ذلك بوقت طويل دون أن يكون للتجارة دور.

لأهميتها الاستراتيجية في مضيق جبل طارق، لا يتوقف الإسبان عن تحويل سبتة إلى ملاذ أفضل للمواطنين الراغبين في العيش بشروط أكثر يسرا. نظم العمل، والضرائب، والأسعار أكثر جاذبية من أي منطقة أخرى في إسبانيا. كذلك الحال في مليلية. أنعش الازدهار المدعم للمدنيتين، منذ حوالي أربعين سنة، المناطق المغربية المحاذية لحدودهما أيضا. كان مئات الآلاف من الأهالي المغاربة يعملون في الأنشطة المرتبطة باقتصاديات المدينتين. ولقد وفرت بالفعل مناصب عمل قارة للآلاف من المواطنين الذين كانت تسمح لهم قفزة صغيرة بين الحدود بمضاعفة الحد الأدنى للأجر مرتين أو ثلاثا. قبل عام، توقف كل شيء.

بشكل تدريجي، عملت السلطات المغربية على تخريب الشريان الحيوي للاقتصاد المحلي لسبتة كما مليلية، وبدأت ذلك بواسطة سلسلة من الإجراءات ما كان متوقعا أن تتحول إلى حصار شامل. قامت بفرز العاملين في التهريب أولا، ثم وباتفاق مع الإسبان أنفسهم، جعلت عبور المهربين عملية شاقة، وبعدها، أعادت جدولة أوقات العبور بالنسبة إلى المهربين، وضيقت ساعات العمل على نحو حاد. ثم شرعت في تطبيق لائحة محظورات بخصوص السلع القابلة للتهريب. في نهاية تلك المرحلة، لم يكن للمهربين شيء كثير ليهربوه، لكنهم قاوموا تلك الإجراءات محاولين الحصول على أي ربح إضافي. شيئا فشيئا، شرعت الجمارك في فرض قيود أكثر شدة على السلع، في حين راحت السلطات المحلية تحظر أعمال التهريب بشكل نهائي لفترات متقطعة. أحبط ذلك العاملين دون شك، وتعرضت مداخيلهم لتآكل هائل. ثم، في أكتوبر من عام 2019، أغلقت معابر التهريب بصفة نهائية. بقي الأهالي هنالك يأملون في إعادة فتحها، لكن لم يحدث ذلك أبدا، وأجهزت الجائحة على الباقي.

لنسأل إذن: ماذا بقي في سبتة ومليلية بعد أزيد من عام على توقف الاقتصاد المحلي؟ بسبب الجائحة، من الصعب تحديد ما إن كانت الاقتصاديات المحلية هنالك قد تضررت بسبب الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية. لكن بالمقدور تحديد التأثير الاجتماعي بشكل واضح. يستمر الناس الذين يعيشون في المدينتين في حياتهم مستفيدين من تدابير دعم هائلة. لدي الكثير من الأصدقاء الذين يحصلون على الدعم الضروري للاستمرار في الحياة بشكل مريح، فيما، على مبعدة كيلومترين فقط، يعاني الآلاف من الأهالي في المدن المغربية المحاذية لسبتة ومليلية وضعا بئيسا.

يشعر الناس في المدينتين بأن الدولة الإسبانية لم تتخل عنهم، فيما أهالي مدننا على الحدود يائسون من قدرتهم على الاستمرار. لقد كتبت في الصيف محذرا من ترك الناس هناك لمصيرهم. حتى الآن، ليست هناك آذان صاغية. مدينة مثل الفنيدق، عاشت مزدهرة طيلة تاريخها الحضري، تعاني الآن قسوة الظروف الجديدة. على مبعدة 10 كيلومترات من ميناء طنجة المتوسط، علامة النجاح التجاري للبلاد، تصارع مدن الحدود مصيرا مجهولا، فيما أهاليها يغادرونها مفزوعين.

قبل عشرين عاما، كانت المسافة الفاصلة بين مدينتي سبتة ومليلية وبين المدن المغربية المجاورة لها، رحلة دهر نحو الخلف في الحضارة. تلتقطك الأتربة ومظاهر البؤس البنيوي بمجرد ما تغادر آخر نقطة تفتيش في المعابر الحدودية للمدينتين. لقد تغير ذلك حقا. نجح الاستثمار في البنى التحتية في جعل تلك الفوارق أكثر ضيقا، لكنه، للأسف الشديد، لم يحرر مصائر الناس.

لا يهم ما إن كان الإسبان جيرانا صعبي المراس، أو ينظرون إلينا من عل. إن التأكيد المستمر أن مدينتي سبتة ومليلية مغربيتان لا يحتاج إلى دليل في التاريخ أو حجة جغرافية، لكنه أيضا ليس في حاجة إلى تحويل ضغط اقتصادي إلى عقاب جماعي للناس المجاورين لتلك الثغور. في نهاية المطاف، لن يكون ذلك مختلفا عما حدث لباقي عمليات الحصار في تاريخ المدينتين، حيث تخرج سبتة ومليلية أكثر قوة، فيما الجوار المغربي يزداد ضعفا.

شارك برأيك