هل يمكن الربط بين استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية كما حصل حاليا وبين علاقاتهما القديمة في عهد الملك الحسن الثاني؟
رغم أن السياقات الدولية تختلف بين الزمنين إلا أن بلاغات الديوان الملكي المتعلقة بالعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل تربط حل القضية الفلسطينية، من خلال تعابير حل الدولتين ومركزية القدس، مع طبيعة هذه العلاقات وارتباطها بالقضية الفلسطينية. هذا ما جعل البعض، خاصة ما ورد في تحاليل الصحافة الإسرائيلية، يؤكد أن ما وقع بين المغرب وإسرائيل لا يصل إلى اتفاق تطبيع كما جرى مع البحرين والإمارات. إبان التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية في الأسابيع الأخيرة، بعث الملك رسالة إلى رئيس اللجنة الأممية حول حقوق الشعب الفلسطيني، وفي هذه الوثائق تظل القضية الفلسطينية الخط الناظم للموقف المغربي تجاه إشكالات الشرق الأوسط. بيد أن طبيعة اليمين الإسرائيلي وتحول الساحة السياسية الإسرائيلية في العقدين الأخيرين نحو مطالب استحواذية للحق الفلسطيني، جعلت المغرب أكثر تحفظا تجاه السياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وربما هذا ما يفسر الإصرار وبصيغة واضحة، على الحق الفلسطيني في بلاغات الديوان الملكي.
هل هذا ما جاء الاتصال الملكي بالرئيس محمود عباس لتأكيده؟
الاتصال الهاتفي بين الملك محمد السادس والرئيس الفلسطيني محمود عباس في الزمن نفسه، الذي جرى الاتصال فيه مع الرئيس الأمريكي وضع العلاقات المغربية الإسرائيلية في معادلات جديدة قد تكشف عن مشروع وساطة مغربية قادمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وللمغرب منذ عهد الملك الحسن الثاني تجربة كبيرة في هذا الميدان. نجاحات الدبلوماسية المغربية في عهد الملك محمد السادس، على المستوى الإقليمي والإفريقي، قد تفتح، أيضا، الباب نحو مفاوضات فلسطينية إسرائيلية في أرض المغرب، بيد أن هذا مرهون، كذلك، بتحول في المشهد السياسي الإسرائيلي على مستويين، أولهما عودة أحزاب الوسط واليسار إلى منصة القرار، وثانيهما، الدور المحتمل للكتلة الناخبة الإسرائيلية من أصل مغربي، والتي اعتادت على التصويت لليمين وللأحزاب الدينية. وهذا مرتبط، أيضا، بالتغييرات السياسية المنتظرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبما يعده مهندسو القرار في إسرائيل.
هل من مؤشرات فعلية على إمكانية حدوث هذا اللقاء الإسرائيلي الفلسطيني بالمغرب؟
هناك مؤشران مهمان ظهرا منذ بدء الحديث عن استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل عبر مكاتب اتصال، الأول برز في الصف الفلسطيني. رسميا لم يصدر أي بيان من مؤسسات القيادات الفلسطينية في الضفة كما في قطاع غزة، رغم بعض المواقف الشخصية لقيادات من الصف الخامس. حماس تعرف معنى الوساطة مع إسرائيل عبر القناة المصرية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وخاصة فتح، تعرف أيضا الثقل السياسي للنخبة الإسرائيلية من أصل مغربي، وهي التي تعتمد على اللائحة العربية في الكنيسيت في الإبلاغ عن مواقفها. بلاغات الديوان الملكي تضمنت أساسا المطالب الفلسطينية من قبيل، حل الدولتين وقضية القدس.
صيغة التفاهم الثلاثي التي جرت بين المغرب وأمريكا وإسرائيل تنطوي على إيجابيات، كما تحمل بعض المخاطر. أيهما أرجح؟
« التفاهم الثلاثي »، كما تصفه في سؤالك، مرتبط بالخصوص بالوضع الداخلي الأمريكي مع نهايات ترامب في البيت الأبيض، والتحول الحاصل في الحزب الجمهوري نحو استثمار أكثر من 70 مليون صوت ناخب أمريكي في المحطات الانتخابية المقبلة، وهذا « التفاهم » مرتبط أيضا بالوضع غير المستقر في المشهد السياسي الإسرائيلي، والقلق تبرزه الدعوة إلى انتخابات عامة كل بضعة أشهر، أي غياب انسجام سياسي في الحكومات الإسرائيلية في عهد نتنياهو. عند تصفح ما جرى التوقيع عليه في » اللقاء الثلاثي »، نجد ما يلي:
- مع الجانب الإسرائيلي جرى توقيع 3 مذكرات تفاهم في مجالات الطيران المدني وتنمية الموارد المائية والتعاون المالي والاستثمارات، إضافة إلى اتفاق حول « التأشيرة ». وقع من الجانب الإسرائيلي فقط، مديرون عامون، ومن الجانب المغربي مديرون عامون، إلى جانب وزير منتدب لدى وزير الخارجية. هذه التفاصيل لها قراءتها السياسية..
- مع الجانب الأمريكي جرى التوقيع على مذكرة تفاهم ومذكرة نوايا خاصة بالاستثمار، عبر الوكالة الأمريكية « Prosper Africa »، ويتعلق الأمر بتدبير غلاف مالي يبلغ 3 ملايير دولار في المغرب، وفي إفريقيا جنوب الصحراء عبر اتفاق ثلاثي. وتم التوقيع من الجانب المغربي من لدن وزير المالية والوزير المنتدب لدى وزير الخارجية.
ما أهمية كل ذلك؟
الأهمية تبرز مع الجانب الأمريكي من حيث التوقيع على المذكرتين لتأطير التعاون المقبل بين المغرب وهذه الوكالة الخاصة بالتنمية في إفريقيا، والتي خصص لها الرئيس الأمريكي 60 مليار دولار لمواجهة النفوذ الصيني والروسي في إفريقيا، بل إن المذكرتين تسمح للمغرب بلعب دور الوسيط بين الوكالة الأمريكية ودول إفريقيا جنوب الصحراء، وهذا يعني ما يعني، وسيتيح للمغرب توطيد نفوذه وقوته في إفريقيا جنوب الصحراء، وهو أيضا رسالة سياسية مالية من الولايات المتحدة للدول الإفريقية.
ماذا عن المخاطر؟
في نظري ليست هناك، لحدود الآن، مخاطر بالنسبة إلى المغرب، بل العكس أن المغرب يربح كثيرا في علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة على المستوى المالي والسياسي والاستراتيجي. فيما يخص ما تم توقيعه مع الجانب الإسرائيلي، الخطوات المغربية غير متسرعة، وتسير « دقة دقة »، وهذا جيد في ظل الارتباط القوي للشعب المغربي بالقضية الفلسطينية وبثالث الحرمين، ولعدم اتضاح المشهد السياسي الإسرائيلي الحالي.
هل يمكن ترجمة الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء إلى تحول في الموقف الأممي منها، في ظل وجود أطراف قوية أخرى داخل مجلس الأمن؟
مهما كانت قراءتنا للاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على « الصحراء الغربية »، فالحدث في عمقه ترك أثرا سياسيا سيمتد جغرافيا ومؤسساتيا في مناطق عدة، وهو اعتراف حرك الساكن في النزاع الإقليمي، وهذا ما يفسر الاضطراب الحاصل لدى الواجهة الجديدة للنظام الجزائري، وامتدادها في الاتحاد الإفريقي، خاصة في من يسير مجلس السلم والأمن، ورغم تأكيد القمة الاستثنائية الأخيرة للقرار 693 الصادر عن قمة نواكشوط العام 2018، لم يتمالك الجزائري إسماعيل شرقي نفسه وبدأ يبعث بتصريحات بعيدة عن الواقع واللباقة الدبلوماسية، وانتقد الأمم المتحدة والأمين العام. دون أن ننسى أن اجتماع مجلس الأمن المنعقد يوم 21 دجنبر 2020 بطلب من ألمانيا، أعاد الحديث عن الحل السياسي، ولم ينتقد القرار الأمريكي، هذا يعني أن هناك رغبة دولية في الخروج من وضعية الجمود، التي أثارتها غير ما مرة قرارات مجلس الأمن في السنين الأخيرة، فنحن في مرحلة تحول في مسار النزاع حول الصحراء.
هل يمكن أن تترتب عن الخطوة الأمريكية دينامية مماثلة من جانب دول أخرى؟
من الممكن أن تتبع بريطانيا خطوة الولايات المتحدة، خصوصا وأن حديثا يجري عن استثمار كبير في الصحراء بملايير الجنيهات في مجال الطاقة. كما أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان نافعا للمغرب من حيث تبعاته الجيوسياسية المرتبطة بوضع جبل طارق، وصعود حزب فوكس اليميني المتطرف في الأندلس. فقد عملت بريطانيا خلال 2019-2020 على تحصين علاقاتها الاستراتيجية مع المغرب، وقد يكون لهذا الأمر امتداد في الحوار الاستراتيجي بين المغرب وبريطانيا مع إعطاء الصدارة في ذلك للموقف البريطاني بشأن الصحراء.
ماذا عن أطراف دولية أخرى قد يكون لها رد فعل مضاد، مثل روسيا والصين؟
روسيا بدورها وقعت مع المغرب اتفاقا للصيد البحري في « الصحراء الغربية » للمغرب يوم 27 نونبر 2020، ويمتد لأربع سنوات. وتصريحات الخارجية الروسية بشأن الصحراء معتدلة، وبعضها « حبات تهدئة » للنظام الجزائري الذي يضخ كل سنة أكثر من 4 ملايير دولار لشراء أسلحة روسية. الصين بدورها، وعلى غير عادتها، صوتت لصالح القرار الأخير في مجلس الأمن 2548، وإذا لم يكن هناك رد فعل صيني على الدور الذي سيلعبه المغرب مع الوكالة الأمريكية للاستثمار في إفريقيا جنوب الصحراء، وإذا مازالت عين الصين على خط القطار السريع بين مراكش وأكادير مفتوحة، قد لا نسمع صوتا للصين تجاه نزاع الصحراء داخل مجلس الأمن في الجلسات القادمة حول الصحراء. تبقى فرنسا، ورغم العلاقات القوية بين البلدين، يبدو أن الرئيس ماكرون لم يجد بعد بوصلته المغاربية، وهذا قد يؤخر إعلان الموقف الفرنسي الواضح والجلي تجاه نزاع الصحراء، علما أن الموقف الفرنسي كان دوما منتصرا للطرح المغربي، مع الأخذ بعين الاعتبار العلاقات الجزائرية الفرنسية.
هل يدفع الوضع الجديد الذي أحدثه المغرب إلى مزيد من التعنت والتصعيد من جانب خصومه، أم أنهم باتوا مرغمين على مسايرة التحول؟
مع كامل الأسف، عملية بناء الواجهة الجديدة للنظام الجزائري مازالت مستمرة على المستوى السياسي والأمني والعسكري، والعلاقة مع المغرب منذ العام 1965 تشكل ورقة أساسية داخلية في بناء واجهات النظام الجزائري. لذلك نتوقع الاستمرار في المواقف الانتحارية والتعنت والتسرع « في الحساب »، أحداث الكركرات بينت خطأ استراتيجيا في توقيت إغلاق المعبر. دعنا نقول إن قرار الولايات المتحدة الأمريكية حول الصحراء أسرعت به الحسابات غير المضبوطة للنظام الجزائري.