انخراط في الأحزاب وتأسيس أخرى.. إدماج سياسي أم احتواء للحركة الأمازيغية؟

17 يناير 2021 - 19:00

عبد الحق بلشكر- خولة اجعيفري

قبل أسابيع قليلة، أعلنت جبهة العمل السياسي الأمازيغي، التي أسستها، في يناير 2020، فعاليات أمازيغية لها امتدادات في الحركة الأمازيغية، التحاق أفرادها بأحزاب سياسية قائمة، أبرزها حتى الآن حزبا التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، مؤكدة أن التفاوض مستمر مع أحزاب أخرى، قد يلتحق بها أعضاء الجبهة بصفتهم الفردية، قد يكون من بينها حزب التقدم والاشتراكية وحزب الأصالة والمعاصرة.

تطور يأتي بعد فشل بعض النشطاء الأمازيغ في تأسيس حزب خاص بهم، رغم محاولاتهم المتكررة منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي، لسبب رئيس هو منع قانون الأحزاب تأسيس أحزاب على أساس عرقي أو جهوي أو ديني، ما جعل مكونات الحركة الأمازيغية تتحول إلى جماعات ضغط، تستفيد من الظرف الإقليمي والدولي في مرافعاتها من أجل الاعتراف بالهوية الأمازيغية للمغرب، وهي الضغوط التي كانت وراء خطاب أجدير لسنة 2002 الذي شكّل اعترافا رسميا بمطالب الحركة، وتوّجت سنة 2011 بالإقرار الدستوري اللغة الأمازيغية لغة رسمية ثانية للمغرب.

فرغم سياسة الاستيعاب التي اتبعتها الأحزاب في التعامل مع مختلف مكونات الحركة الأمازيغية في السابق، حرصت هذه الأخيرة علي تعريف نفسها بصفتها قوة احتجاجية، بل سعت في مراحل معينة إلى تأسيس حزب سياسي خاص بها، تعبّر من خلاله عن مشروعها السياسي. وبعد الفشل في تأسيس حزب مستقل ذي مرجعية أمازيغية وطنية، انتقلت مكونات أخرى داخل الحركة الأمازيغية إلى تبني استراتيجية أخرى تتمثل في الاندماج في حزب قائم، ويمكن الإشارة هنا إلى محاولة التقارب بين مجموعات أمازيغية منضوية في إطار «ائتلاف تامونت»، وحزب التجديد والإنصاف، أسفرت عن التحاق قيادات في «ائتلاف تامونت» بالمكتب السياسي لحزب التجديد والإنصاف، منهم الراحل أحمد الدغرني والناشط منير كجي وعبد الواحد درويش وآخرون، لكن المحاولة فشلت، وجرى تحويل الائتلاف إلى مشروع حزب باسم «حزب تامونت للحريات»، لم ترخص له وزارة الداخلية على ما يبدو، ويعرف صراعات بين مكوناته.

وفي يناير 2020، أعلِنت خطوة جديدة تتمثل في تأسيس جبهة العمل السياسي الأمازيغي، يقودها محيي الدين حجاج إلى جانب أحمد أرحموش وآخرين، وكان بعضهم حاضرا في تأسيس ائتلاف تامونت ثم تأسيس حزب تامونت للحريات. وحملت الجبهة، منذ ذلك الحين، مبادرة جديدة مضمونها الانخراط في أكثر من حزب سياسي. وإذا كان المنطقي أن تنتقل الحركات الاجتماعية من معارضة المؤسسات إلى المشاركة من داخلها حين يحصل لديها الاقتناع بأن قوتها تسعفها في تحقيق أهدافها من داخل تلك المؤسسات، فإن مكونات جبهة العمل السياسي الأمازيغي تبرر ارتماءها في أحضان أحزاب قائمة، مثل الأحرار والحركة الشعبية، بالقول إن الحركة الأمازيغية تعيش حالة تراجع وضعف. فما الذي يمكن حركة تعيش حالة تراجع أن تقدمه لأحزاب تشكو هي نفسها تراجع قوتها التنظيمية والسياسية؟ تلك أسئلة تكشف أن الخلفيات التي تُحرك مكونات جبهة العمل السياسي الأمازيغي تتجاوز ما جرى التصريح به، خصوصا أن عرضها السياسي حظي بالقبول من لدن أحزاب مقربة من السلطة، مثل التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الجبهة إلى تسويق حدث التحاق أفرادها بأحزاب قائمة وكأنه يعني الحركة الأمازيغية كلها، تصر مكونات أمازيغية أخرى على رفض ذلك، حيث يرى الناشط الأمازيغي، عبد الله بوشطارت، أن التحاق نشطاء من جبهة العمل السياسي الأمازيغي بحزب التجمع الوطني للأحرار لا يعدو أن يكون «عملية استقطاب انتخابي»، معتبرا أن تلك العملية «لن يكون لها أي أثر في الزخم النضالي الأمازيغي».

وقد شهدت الانتخابات الجزئية، التي جرت أخيرا في مدينة الرشيدية، تطورا نوعيا، حيث تكتل شباب أمازيغي لدعم مرشح شاب هو حميد نوغو، الذي ترشح باسم الاتحاد الاشتراكي، وقادوه إلى الفوز بمقعد في مجلس النواب، منتصرا على مرشحي العدالة والتنمية والأحرار… لم يسبق لهذا الشاب أن انتمى إلى حزب الاتحاد الاشتراكي، لكنه حصل على التزكية من الحزب، فيما هو في الواقع مرشح قبيلة «آيت خباش»، التي أطلقت مبادرة إنشاء حركة تصحيحية للعمل السياسي في الإقليم، لإحداث تغيير وسط النخب السياسية المحلية. ويعد الشاب نوغو أحد الوجوه البارزة لهذه الحركة، فهو شاب من مواليد 1981، حاصل على الإجازة في الجيولوجيا، وهو فاعل جمعوي أمازيغي، ومستثمر سياحي يدير وكالة أسفار، ونائب رئيس المجلس الإقليمي للسياحة في الرشيدية، ومن متزعمي «الحركة التصحيحية للمشهد السياسي بجهة درعة-تافيلالت»، وهي «حركة شبابية» وصفها نوغو، في تدوينة في 5 يناير الجاري، بأنها «تؤمن بالممارسة السياسية وتشجع الشباب على خوض غمار اللعبة السياسية».

وبالموازاة مع كل ذلك، تستعد مجموعة من الفعاليات الشبابية الأمازيغية واليسارية والنقابية، من توجهات مختلفة، لتأسيس حزب سياسي جديد، تقترح تسميته: «التجمع من أجل التغيير الديمقراطي». تتكون النواة الأولى للمشروع، حسب عمر إسرا، أحد المساهمين فيه، من «عدد من أبناء الحركة الأمازيغية واليسارية والحقوقية والنسائية والنقابية»، وعدد من الخبراء، لكن لا يعرف كيف ستتعامل السلطات مع هذا المشروع ذي المرجعية الأمازيغية، رغم أنه يحاول أن يظهر في وثائقه وخطابه أنه ليس حزبا ذا خلفية عرقية أو طائفية.

الاحتواء الهادئ للحركة الأمازيغية

في تطور جديد عرفته الساحة السياسية، أعلنت جبهة العمل السياسي الأمازيغي، التي تأسست في يناير 2020 من قبل فعاليات أمازيغية لها امتدادات في الحركة الأمازيغية، عن التحاق أفرادها بأحزاب سياسية قائمة، يتمثل أبرزها حتى الآن في حزبي التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، مؤكدة أن التفاوض مستمر مع أحزاب أخرى، قد يلتحق بها أعضاء الجبهة بصفتهم الفردية، قد يكون من بينها حزب التقدم والاشتراكية وحزب الأصالة والمعاصرة، في حالة وافقت الأخيرة طبعا.

 التطور الجديد يأتي بعد فشل بعض النشطاء الأمازيغ في تأسيس حزب خاص بهم، رغم محاولاتهم المتكررة منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي، لسبب رئيسي هو منع قانون الأحزاب تأسيس أحزاب على أساس عرقي أو جهوي أو ديني، ما جعل مكونات الحركة الأمازيغية تتحول إلى جماعات ضغط، تستفيد من الظرف الإقليمي والدولي، في مرافعاتها من أجل الاعتراف بالهوية الأمازيغية للمغرب، وهي الضغوط التي كانت وراء خطاب أجدير لسنة 2002 الذي شكّل اعترافا رسميا بمطالب الحركة، وتوّجت سنة 2011 بالإقرار الدستوري باللغة الأمازيغية لغة رسمية ثانية للمغرب.

 الحدث الجديد المتمثل في التحاق بعض نشطاء الحركة الأمازيغية بالأحزاب السياسية يُراد له أن يكون حدثا رئيسيا في تطور إدماج واستيعاب الحركة الأمازيغية داخل مؤسسات الدولة، وما يعنيه ذلك من تحجيم بل وعزل للأصوات التي توصف بأنها “راديكالية” داخل مكونات الحركة الأمازيغية، خصوصا التي تنادي بتمازغا الكبرى، وتبحث لها عن حلفاء خارج المنطقة. فما الدوافع وراء انضمام جبهة العمل السياسي الأمازيغي للأحزاب السياسية القائمة؟ وما الأثر المتوقع لهذا الانضمام على ميزان القوى الحزبي في أفق انتخابات 2021؟

من الرفض إلى المشاركة

     تبلورت مكونات الحركة الأمازيغية منذ الستينيات، بوصفها حركة اجتماعية تقوم على الرفض والاحتجاج ضد سياسات الهوية التي اتبعتها الدولة بعد الاستقلال، ويمكن القول إنها نجحت في الانتقال بالأمازيغية من موضوع هامشي إلى قضية حيوية في سياسات الدولة، وقد استفادت في قيامها بذلك من سياقين: سياق إقليمي من أبرز أحداثه احتجاجات “الربيع الأمازيغي” في الجزائر لسنة 1980، الذي شكل علامة بارزة في مسار الحركة الأمازيغية المغربية وفي شمال افريقيا؛ وسياق وطني تمثل في مسلسل الانفتاح السياسي الذي دشنه المغرب منذ بداية التسعينيات، واستوعب حركات اجتماعية عدة منها الحركة الأمازيغية.

ورغم أن مكونات الحركة الأمازيغية ركزت منذ نشأتها على قضايا اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وتعطي الانطباع بأنها الطرف الوحيد المدافع عن الأمازيغ والأمازيغية، إلا أن الواقع يؤكد خلاف ذلك، فالحركة الشعبية ظلت تعتبر نفسها حزبا ممثلا للأمازيغ دون أن يقتصر عليهم، كما استوعبت أحزاب مغربية عديدة نشطاء أمازيغ، علاوة على تمثيليتها القوية في المناطق الأمازيغية، بل إن جل رؤساء الأحزاب الممثلة اليوم في البرلمان يقودها أمازيغ، وفي مقدمتهم الحزب الأول في الأغلبية الحكومية، أي حزب العدالة والتنمية، كما في الحزب الأول في المعارضة، أي حزب الأصالة والمعاصرة. والحال أن الصلات بين بعض مكونات الحركة الأمازيغية والأحزاب لم تنقطع، إذ يرصد عبد الله حيتوس، ناشط وباحث مختص في الحركة الأمازيغية، وجود جسور وروابط قديمة بين نشطاء الحركة الأمازيغية والأحزاب السياسية لم تنقطع إلى اليوم، بحيث كانت للأمازيغ في جهة سوس صلات مع أولحاج أخنوش مؤسس الحزب الليبرالي، والناجم اباعقيل مؤسس حزب العمل، في حين كانت لنشطاء الحركة في مناطق الأطلس صلات مع المحجوبي أحرضان مؤسسة الحركة الشعبية.

لكن رغم سياسة الاستيعاب التي اتبعتها الأحزاب في التعامل مع مختلف مكونات الحركة الأمازيغية، حرصت هذه الأخيرة علي تعريف نفسها كقوة احتجاجية، بل سعت في مراحل معينة إلى تأسيس حزب سياسي خاص بها، تعبّر من خلاله عن مشروعها السياسي، وهي فكرة طرحت، بحسب حيتوس، من قبل حسن إدبلقاسم سنة 1996، كما حمل الفكرة أحمد الدغرني الذي أعلن عن “الحزب الديمقراطي الأمازيغي” سنة 2005 الذي منعه القضاء سنة 2007، بحجة تعارض قانونه الأساسي مع أحكام قانون الأحزاب الذي يمنع تأسيس أحزاب على أساس عرقي أو ديني أو جهوي.

إثر الفشل في تأسيس حزب مستقل ذي مرجعية أمازيغية وطنية، انتقلت مكونات أخرى داخل الحركة الأمازيغية إلى تبني استراتيجية أخرى تتمثل في الاندماج في حزب قائم، ويمكن الإشارة هنا إلى محاولة التقارب بين مجموعات أمازيغية منضوية في إطار “ائتلاف تامونت”، وحزب التجديد والإنصاف، أسفر عن التحاق قيادات في “ائتلاف تامونت” بالمكتب السياسي لحزب التجديد والإنصاف، منهم الراحل أحمد الدغرني والناشط منير كجي وعبد الواحد درويش وآخرون، لكن المحاولة فشلت وجرى تحويل الائتلاف إلى مشروع حزب باسم “حزب تامونت للحريات” من بين قياداته أحمد الدغرني وعدي وليهي وأحمد أرحموش وعلي وجيل وآخرون، لم ترخص له وزارة الداخلية على ما يبدو، ويعرف صراعات بين مكوناته.

بينما يبدو أفق حزب تامونت للحريات مسدودا، رغم الخطوات الأخيرة لبعض مؤسسيه في أبريل 2019، فقد أعلن في يناير 2020 عن خطوة جديدة تتمثل في تأسيس جبهة العمل السياسي الأمازيغي، يقودها محي الدين حجاج إلى جانب أحمد أرحموش وآخرون، بعضهم كان حاضرا في تأسيس ائتلاف تامونت ثم تأسيس حزب تامونت للحريات.

سواء في مبادرة 2016، أو في مبادرة يناير 2020، تتكرر أسماء بعينها، منهم أحمد أرحموش، وهو محامي ورئيس فيدرالية الجمعيات الثقافية الأمازيغية، الذي ورد اسمه بين مؤسسي مشروع حزب “تامونت للحريات” في يونيو 2016، كما ظهر اسمه خلال السنة ذاتها إلى جانب إلياس العماري، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، حتى أن البعض تحدث حينها عن التحاقه بهذا الحزب، وهي معطيات من الضروري استحضارها لفهم التطور الجديد في جبهة العمل السياسي الأمازيغي.

حملت جبهة العمل السياسي الأمازيغي مبادرة مضمونها الانخراط في أكثر من حزب سياسي. إن تتبع المبادرات السياسية للحركة الأمازيغية، من محاولة تأسيس حزب أمازيغي سنة 2005 (تجربة أحمد الدغرني)، ثم محاولة الالتحاق سنة 2016 بحزب قائم هو التجديد والإنصاف، وهو حزب صغير وهامشي، وأخيرا تأسيس جبهة سياسية أمازيغية في يناير 2020 للإعلان عن الالتحاق بأحزاب متفرقة ممثلة في البرلمان، مثل التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، يكشف عن إصرار بعض مكونات الحركة الأمازيغية على الانخراط في المؤسسات والعمل من داخلها.

الاحتواء الهادئ

  المنطقي أن الحركات الاجتماعية تنتقل من معارضة المؤسسات إلى المشاركة من داخلها حين يحصل لديها الاقتناع بأن قوتها تسعفها في تحقيق أهدافها من داخل تلك المؤسسات، لكن مكونات جبهة العمل السياسي الأمازيغي لها رأي مختلف، فهي تبرر ارتماءها في أحضان أحزاب قائمة مثل الأحرار والحركة الشعبية بقولها إن الحركة الأمازيغية تعيش حالة تراجع وضعف.

تؤكد الجبهة في أرضيتها التأسيسية أنه “بعد ترسيم الأمازيغية لغة رسمية بما له وما عليه، علاوة على صدور القانون التنظيمي لتفعيلها، يمكن لأي متتبع أن يلاحظ القصور الحاصل في سيرورة العمل الأمازيغي وخاصة الجمعوي منه، لأسباب عدة أهمها ارتهان خطابها بمرحلة ما قبل دستور 2011، وتواتر تراجع أداء الجمعيات في مجال الترافع على الأقل بالنسبة للثلاث سنوات الأخيرة، علاوة على البلوكاج الحاصل في اختراق مطالبنا وانتظاراتنا للنسيج الحزبي والمؤسساتي، ولعل ما يحدث للأمازيغية بمختلف المؤسسات المنتخبة منها والمعينة لخير دليل على ذلك”.

 رغم الإقرار من لدن الجبهة بتراجع القوة التعبوية للحركة الأمازيغية وسط المجتمع، وإقرارها بتراجع دورها بعد دستور 2011، وكذا ضعف قدرتها على التأثير في الأحزاب والمؤسسات، فقد اعتبرت أن الظرف الراهن يقتضي توسيع مجال عملها من المجتمع إلى داخل مؤسسات الدولة. تؤكد الجبهة في أرضيتها التأسيسية أنها “أصبحت ترى أن الوقت قد حان، وقبل أي وقت مضى، من أجل أن يتحلّى مناضلو القضية الأمازيغية المؤمنون بالعمل السياسي المباشر المؤسساتي، إلى فتح جبهة جديدة من جبهات النضال الأمازيغي الطويل والشاق دون تبخيس أو انتقاص من حقول النضال الأخرى، فالجبهة بذلك ليست بديلا لأية تصورات أو مبادرات أمازيغية أخرى، ولكنها في الجوهر سد لثغرة كبيرة طالما عانت الأمازيغية بسببها، كما أن الجبهة وسياقها هي تعامل مع ما هو كائن دون نفي لما هو ممكن، وتبقى هذه المبادرة مفتوحة أمام كل الذوات الأمازيغية المناضلة بشتى تلاوينها، والتي ترى في العمل السياسي واجهة مهمة لتصريف الخطاب والمطلب الأمازيغي وتفعيله عبر المؤسسات”.

 لم تقل الجبهة لماذا تراجع تأثير وقوة الحركة الأمازيغية؟ كما لم تجب عن سؤال آخر: كيف تعترف الجبهة بتراجع وضعف قوتها في الوقت الذي تسعى إلى التفاوض مع أحزاب للالتحاق بها؟ ما الذي يمكن لحركة تعيش حالة تراجع أن تقدمه لأحزاب تشكو هي نفسها من تراجع قوتها التنظيمية والسياسية؟ تلك أسئلة تكشف أن الخلفيات التي تُحرك مكونات جبهة العمل السياسي الأمازيغي تتجاوز ما تم التصريح به، خصوصا وأن عرضها السياسي حظي بالقبول من طرف أحزاب مقربة من السلطة مثل التجمع الوطني للأحرار وحزب الحركة الشعبية.

لقد سعت الدولة إلى احتواء هادئ للحركة الأمازيغية بالتدريج منذ 2001، وخصوصا المكون الذي يوصف بالمعتدل لكونه يقبل بالعمل في إطار المؤسسات القائمة، ويمكن التمييز بين محطتين كبيرتين في سياسة الدولة تجاه الأمازيغية: المحطة الأولى، خطاب أجدير لسنة 2001 الذي تضمن الاعتراف الرسمي باللغة والثقافة الأمازيغيتين باعتبارهما جزءا من الهوية المغربية، ذلك الخطاب التي ترتب عليه تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والشروع في تدريس الأمازيغية في التعليم سنة 2003، وإطلاق قناة أمازيغية سنة 2008؛ المحطة الثانية تمثلت في دستور 2011 الذي ارتقى باللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، وأحال على قانون تنظيمي يبين كيفية تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية في التعليم والحياة العامة.

     يبدو أن توقعات بعض مكونات الحركة الأمازيغية لم تكن تتجاوز ما تضمنه دستور 2011، لكونه تضمن مكاسب تجاوزت مطالبها. بعبارة أخرى، لقد أعطت الدولة للأمازيغية مكاسب أقوى بكثير مما كانت تُطالب به الحركة الأمازيغية، وهي خطوة من لدن الدولة نزعت بواسطتها كل ما كانت تستغله الحركة لكي تبرر به شرعيتها ونضالاتها أمام قواعدها، وقد فرض عليها ذلك إعادة تعريف نفسها، بحيث عمّقت مضامين الدستور والقانون التنظيمية داخل مكونات الحركة الأمازيغية التمايز بين توجهين كبيرين: توجه أمازيغي قومي راديكالي يرفض العمل من داخل الأحزاب القائمة ويسعى إلى حزب أمازيغي علماني، مقابل توجه مدني ثقافي يؤمن بالعمل من داخل المؤسسات القائمة ويسعى إلى ذلك.

فسحت المكتسبات الأمازيغية في الدستور المجال بشكل أوسع للتفاعل بين مكونات التوجه المدني الثقافي والأحزاب السياسية، من نتائجها، حسب عبد الله حتوس، بلورة آليات تنظيمية للعمل المشترك بين تلك الأحزاب وفعاليات من الحركة الأمازيغية. فالحركة الشعبية خصصت جامعتها الربيعية لتكون محطة سنوية لتناول مستجدات القضية الأمازيغية، أما حزب التجمع الوطني الأحرار فقد أسس منتدى أزا فوروم (Aza Forum) كفضاء للنقاش والتداول حول الشأن الأمازيغي، في الوقت الذي شكلت فيه أحزاب أخرى لجانا خاصة بتتبع الشأن الأمازيغي. لقد كان من نتائج عمل تلك الآليات تزايد أعداد نشطاء الحركة الأمازيغية الملتحقين بالأحزاب، وفتح المجال للبعض منهم للتواجد في الهيئات القيادية وخصوصا في المنظمات الموازية.

أصابع أخنوش

     بينما تصر السلطة على تحجيم التوجه الراديكالي داخل الحركة الأمازيغية ومحاصرته، من خلال منعه من تأسيس حزب سياسي خاص به، يبدو أنها هيأت الشروط تماما للتوجه المعتدل للانخراط في المؤسسات، من خلال دفع الأحزاب المقربة منها للانفتاح على المكونات التي شكلت جبهة العمل السياسي الأمازيغي.

لفهم ما جرى بين الجبهة وحزب الأحرار في نونبر 2020 ينبغي الرجوع سنتين للوراء، ففي أكتوبر 2018 احتضن منتدى “أزا”، الذي أسسه حزب الأحرار في جهة سوس، فعاليات ونشطاء في الحركة الأمازيغية منهم أحمد عصيد وأحمد أرحموش وآخرون، في نقاش فكري وسياسي. تزامن المنتدى مع إطلاق المجلس الجماعي لمدينة أكادير أسماء فلسطينية على بعض شوارع المدينة، وهي الخطوة التي استغلها عزيز أخنوش، رئيس الأحرار، في افتتاحه للمنتدى لتوجيه رسائل سياسية إلى النشطاء الأمازيغ في قوله: “بالله عليكم لو كان المناضلون الأمازيغيون الحقيقيون، متواجدون داخل مجلس الجماعة وحاضرين فيه بقوة، ألن يغيروا الأمور؟”، مؤكدا أن “النضال يجب أن يكون من داخل المؤسسات المنتخبة، فمن الجميل أن نداوم على تنظيم المحاضرات والمنتديات الجمعوية؛ كنضال من أجل القضية الأمازيغية، لكن الأفضل أن نكون داخل المؤسسات والمجالس المنتخبة التي تتخذ القرارات”. وأضاف أخنوش: “بكل صراحة تركتم المناصب والنضال داخل المؤسسات، وترون الآن نتائج ذلك، أسماء أزقة أكادير يتم تغييرها”، مشيرا إلى أنه “مستقبلا، في سنة 2021، إن لم تأخذوا الأمور بين أيديكم وتقتحموا المؤسسات، فإن هذا المركب الثقافي الذي نتواجد فيها الآن؛ ويحمل اسم الفنان الأمازيغي الرايس سعيد أشتوك، يمكن أن يغير باسم آخر غيره”.

     ما بين منتدى “أزا” لسنة 2018 وتأسيس جبهة العمل السياسي الأمازيغي في يناير 2020 جرت مياه كثيرة تحت الجسر، تكشف عن مضمونها المخرجات المعلن عنها. فقد حددت الجبهة هدفها منذ أول يوم في الالتحاق بالأحزاب السياسية القائمة، وفي مارس 2020 دشنت لقاءاتها الأولى بكل من حزب التقدم والاشتراكية والتجمع الوطني للأحرار وحزب الحركة الشعبية وحزب الأصالة والمعاصرة، بينما جرى استثناء الأحزاب التي اعتبرتها الجبهة معادية للأمازيغية مثل حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال. وهي اللقاءات التي توجت، حتى الآن، بإعلان الجبهة الالتحاق بحزب التجمع الوطني للأحرار في نونبر 2020، ثم بحزب الحركة الشعبية في دجنبر 2020.

 وعن خلفيات الالتحاق بالأحرار، اعتبر محيي الدين حجاج، المنسق الوطني للجبهة، أن الحركة الأمازيغية كانت دائما تمارس العمل السياسي؛ ولكنها لم تمارس العمل الحزبي، لأنها قاطعت العمل داخل المؤسسات، مبرزا أن الغياب لم يكن بشكل عبثي؛ ولكنه كان يرفض الاشتغال داخل مؤسسات لا تعترف بالأمازيغية قبل الدستور. واعتبر حجاج أن فرصة الاندماج ستجعل الاشتغال بصدق من داخل المؤسسات سيكون لصالح الأمازيغية.

أما أحمد أرحموش، عضو جبهة العمل السياسي الأمازيغي، فقد شدد على أن الوصول إلى محطة المشاركة السياسية هدفه الانتقال من الممانعة السلبية إلى الأمل والمشاركة في صناعة القرار السياسي؛ لأن الحركة اليوم على أبواب محطات لإنجاح المشروع الجديد. وقد دافعت أمينة ابن الشيخ، صحافية وناشطة أمازيغية، عن خيار الالتحاق بالأحزاب القائمة، بعدما أعلنت بدورها الالتحاق بحزب الأحرار بشكل منفرد، مؤكدة أن اللحظة الراهنة تعد الأكثر ملاءمة للدخول في المعترك السياسي عبر مؤسسات حزبية، لتوفرنا اليوم، وليس البارحة، على مجموعة من الشروط الموضوعية والذاتية، تسمح بل وتساعد وتحفز مناضلات ومناضلي الحركة الأمازيغية على الانخراط في المؤسسات للاشتغال أكثر فأكثر، ومن بين تلك الشروط، تضيف ابن الشيخ، أن الأمازيغية أصبحت رسمية في دستور المملكة والقوانين التنظيمية المتعلقة بأجرأة ترسيم الأمازيغية، كما أن بعض الأحزاب فتحت ذراعيها وأبواب مقراتها عارضة كل إمكانياتها للتعاون من أجل النضال على هموم الشعب المغربي بكل قضاياه ومنها القضية الأمازيغية، وترى ابن الشيخ أن الكرة الآن بين أيدينا للمساهمة كمواطنين ومواطنات في بناء الوطن الذي نريده لا كما يريده البعض لنا، والتاريخ علمنا أن هذا المنال لن نبلغه إلا بتواجدنا الجدي في كل مؤسسات الدولة، في الجماعات، البلديات، الجهات، البرلمان، ولم لا حتى الحكومة، وهذا لن يتأتى لنا إلا بالمرور عبر آليات ديمقراطية ومنها الانتخابات، مما يستوجب الانخراط الجدي في الأحزاب كل حسب قناعته، لأن الأمازيغية هُمشت، من وجهة نظرها، ولا زالت تُهمش بقرارات سياسية عبر البلديات والجماعات، داعية إلى القيام بأول خطوة وهي التسجيل في اللوائح الانتخابية.

لم يقتصر التحاق الجبهة على حزب التجمع الوطني للأحرار، بل أعلنت التحاق أعضائها أيضا بالحركة الشعبية، وأعلن الطرفان أن الانضمام جاء بعد تسعة أشهر من المشاورات واللقاءات، وكشف الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، امحند العنصر، أن “هذه المحطة التي تأتي بعد شهور من الاشتغال الجاد والمستمر، تُعطي انطلاقة للترافع على اعتبار الأمازيغية قضية هوياتية يملكها جميع المغاربة، كما أنها بداية انطلاق عمل حقيقي لإعطاء اللغة والثقافة الأمازيغية مكانتها في جميع مناحي الحياة العامة، وذلك من مواقع مختلفة حزبية كانت أو جمعوية”.

ردود فعل رافضة

لكن خطوة الالتحاق بالأحزاب أثارت خلافات داخل جبهة العمل السياسي الأمازيغي، كما رفضتها مكونات أمازيغية أخرى. أولى ردود الفعل الرافضة عبّرت عنها لجنة الإشراف لجبهة العمل السياسي بسوس والجنوب، التي أعلنت رفضها الاتفاق الموقع بين الجبهة والأحرار، مؤكدة أنه “لا يُلزم سوى أولئك الذين وقعوه دون أي تفويض من المجلس الفيدرالي للجبهة، الذي يُعتبر الجهة الوحيدة المخول لها اتخاذ مثل هذه القرارات”. وعلمت “أخبار اليوم” أن السبب الرئيسي وراء موقف جبهة العمل بسوس والجنوب يتعلق بارتباط نشطائها بحزب الأصالة والمعاصرة ويستعدون للالتحاق به.

الاعتراض على خطوة جبهة العمل السياسي الأمازيغي امتد إلى الحركة الثقافية الأمازيغية، حيث أكدت التنسيقية الوطنية للحركة الثقافية الأمازيغية، معارضتها الشديدة “لتحزيب الأمازيغية” بأي شكل من الأشكال، مبرزة أن “التحزيب” يؤدي إلى “إقبار النضال الأمازيغي باعتباره مصدر إزعاج للدولة”. وعبرت التنسيقية، في بيان لها، عن رفضها لاستغلال القضية الأمازيغية لبلوغ “مصالح ذاتية”، موضحة أن النضال الأمازيغي “مبني على خطاب ديمقراطي جريء واضح يطالب بالتغيير، ولا يساوم في قضايا الشعب”. كما عبرت عن رفضها “الانخراط في أحزاب أو تأسيس أحزاب جديدة، أو تجديد أحزاب قديمة بذريعة الأمازيغية”. مندّدة في بيانها باستعمال صياغة “رموز الحركة الأمازيغية” في وصف من قرروا الانخراط في الأحزاب السياسية عن طريق تأسيس “جبهة سياسية”. مبرزة رفضها “لأي حزب كيفما كان، سواء كان بتسمية أمازيغية؛ أو غيره، لأننا واعون بأن المخزن أقوى من كل الأحزاب”. وأنها “ترفض التعامل مع الأحزاب السياسية والانخراط فيها لأننا لسنا في دولة ديمقراطية تحترم مواقف المواطنين، كما أننا لسنا أمام نظام يمنح الحرية لممثلي الشعب الحقيقيين لتسيير الدولة بحرية”.

هكذا يظهر أنه في الوقت الذي تسعى الجبهة إلى تسويق حدث التحاق أفرادها بأحزاب قائمة وكأنه يعني الحركة الأمازيغية ككل، تصر مكونات أمازيغية أخرى على رفض ذلك. ففي نظر نشطاء أمازيغ، مثل عبد الله بوشطارت، فإن “مسألة انضمام نشطاء أمازيغ إلى الأحزاب السياسية ليس بالأمر الجديد”، حتى إن “قيادات في الحركة الأمازيغية كانوا ينتمون إلى أحزاب كالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية”.

لذلك، يرى بوشطارت أن التحاق نشطاء من جبهة العمل السياسي الأمازيغي بحزب التجمع الوطني للأحرار لا يعدو كونه “عملية استقطاب انتخابي”، معتبرا أن تلك العملية “لن يكون لها أي أثر في الزخم النضالي الأمازيغي”، وأضاف: “لا يمكن أن يكون حاملا سياسيا يستوعب القضية الأمازيغية أو الخطاب السياسي الأمازيغي”.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي