"الويكلو".. هكذا حرمت كورونا فرق وجماهير الكرة من المتعة

26 فبراير 2021 - 11:00

لا يختلف اثنان على أن كرة القدم افتقدت لذلك البريق والرونق الذي كانت تتميز به في السابق، فلا أحد أصبح يجد تلك المتعة المعتادة في المباريات، صحيح أنها ما زالت هي اللعبة، بكل قوانينها وبكل رجالها الذين يركلونها بين أقدامهم، لكنها افتقدت للوقود الذي كان يحركها، بحسب المتتبعين والمحللين.

الباحث في علم الاجتماع، فؤاد بلمير يقول في تصريحه لـ”اليوم 24″، “إن كرة القدم هي اللعبة الشعبية، وعندما نتحدث عن كرة شعبية أي أن المتتبعين لها عبر العالم يفوق الملايير، نظرا لأنها اللعبة الأكثر شعبية في العالم، وبطبيعة الحال فهي بدون جمهور تفقد من شعبيتها الشيء الكثير، وتتحول إلى مباريات تجري في ملاعب فارغة، ما يؤثر بشكل كبير على اللاعبين لغياب الحماس المعهود”.

يضيف بلمير، “أنتم الصحفيون تلقبونه باللاعب رقم 12 (يقصد الجمهور)، بينما شخصيا، أعتبره اللاعب رقم 1، لأن كرة القدم في الملعب بمثابة عرس، حضور الجماهير، الأهازيج، الأناشيد، والتشجيع يعطي للمباريات حماس لا مثيل له”.

أصبح من الواضح تماما أن كرة القدم التي نشاهدها في أيامنا هذه، مختلفة تماما على ما كانت عليه في السابق، بالرغم من أن بعض اللاعبين يحاولون تقديم أكثر وأكثر من المواهب والقدرات التي يمتلكونها بين أقدامهم، رغم افتقداهم لذاك الشغف الذي تعودوا عليه، وتلك الأناشيد الخاصة بفرقهم عند تسجيل الهدف، والهتافات، لكن رغم سوداوية كل ما تم ذكره، يمكن أن نقول بأن هناك لاعبين أصبحوا متحررين أكثر بعد غياب الجمهور، أصبحوا يذهبون لإجراء مبارياتهم بعيدا عن ذاك الإزعاج الذي يتسبب فيه آلاف الأشخاص حولهم، وبدون القلق من أن أحدهم سيتعرض لهم بأبشع الإهانات والأوصاف ردا على إهداره لفرصة أو لقيامه بخطأ لا يغتفر، وربما أصبحت هناك راحة نفسية يعيشها اللاعبون على أرضية الملعب أكثر من أي وقت سابق.

ويؤكد الدكتور منصف اليازغي، الباحث المتخصص في السياسة الرياضية في حديثه مع “اليوم24” “الجمهور هو الذي يأثث فضاء الملعب، هو الذي يمنح المباريات ذلك الطعم المستحب، هو الذي يدفع أو يحفز اللاعبين على العطاء أكثر، ربما هناك بعض اللاعبين الذين ألفوا اللعب تحت ضغط الجمهور، وتحت إبداعاته وتشجعاته، لكن من ناحية أخرى ربما هناك بعض اللاعبين الذين خف عليهم ضغط الجمهور، فهناك لاعبون غالبا لا تكون لديهم القدرة على أن يتحملوا ضغط الجمهور وبالتالي ربما هذا أمر كان أنسب إليهم”.

يضيف اليازغي، “رغم تلك الأصوات التي تصاحب النقل التلفزي من أجل إعطاء صورة للمشاهد على أن هناك حماس داخل الملعب من خلال الجمهور، والتفاعل مع بعض المحاولات، فمع ذلك لا يخفي أن دور الجمهور مهم، بل وهناك نقطة أخرى، هي أن مشكل الجمهور أثر على الفرق الكبرى بشكل كبير، بحكم أنه على الأقل كان يدخل إلى المباريات حوالي 30 ألف مشجعا، وقد تصل المداخيل إلى حوالي 300 مليون في المباراة الواحدة، أعتقد أن الفرق تضررت من هذا الجانب على مستوى بيع التذاكر، فيما تبقى بعض الفرق مداخيلها ضعيفة وغالبا لا تغطي مصاريف إجراء تلك المباراة”.

تغييرات كثيرة رافقت المباريات في زمن كورونا، خصوصا في شق المدرجات التي أصبحنا نراها فارغة، وتعويض امتلائها بآلاف المناصرين، بصوت الجمهور الزائف الذي تبثه ملاعب الفرق تعويضا لنا عن تلك الآلاف التي اعتدنا على رؤيتهم أسبوعيا، فعلا إن الأمر مثل ذاك الإنسان الذي كان لديه منزل فاخر يرتاه كل نهاية أسبوع من أجل الاسترخاء، وبين عشية وضحاها وجد نفسه تائها وسط غابة بها ضجيج كثير، فلا المشاهد استمتع بجمالية الأناشيد، ولا المعلق الرياضي على المباريات وجد ما يستنجد به أثناء هبوط مستوى بعض المباريات، ليصبح الاجتهاد المضاعف رجل المرحلة.

المعلق الرياضي بقناة الرياضية سفيان رشيدي يؤكد في حديثه لـ “اليوم 24”: “مباريات كرة القدم بدون جمهور تفقد جماليتها ورونقها، لأن الحماس والدعم الجماهيري هو ذاك الوقود الذي يرفع من شأن الممارسة الكروية في العالم كله، ليس فقط في المغرب، وأكيد أن الدوري الاحترافي إنوي لكرة القدم قد تأثر بشكل كبير من غياب الجماهير، نعرف عادة النسق العادي جدا التي تمشي به مباريات البطولة الوطنية، ففي بعض الأحيان أنا كمعلق رياضي، ربما أحاول أن أملأ ذلك الفراغ بحماس ذاك الجمهور، والقيمة المضافة منه، في تقديم منتوج يليق بمنتوج بالدوري الاحترافي، لكن في غيابه أصبحنا نعاني كثيرا كمعلقين، يجب أن يكون الاجتهاد مضاعفا، لأن الحماس هو الأهم وجزء مهم من مهمة التعليق على المباريات، ولو أننا نعوضه بالجمهور الافتراضي الذي يرافق التعليق على مباريات كرة القدم في زمن كورونا”.

يضيف راشيدي، “نتمنى عودة الجماهير وأن تعود الحياة لطبيعتها، لأنه ما يفوق 50% من تسويق منتوج كرة القدم الوطنية على أعلى مستوى، يساهم فيه جمهور كرة القدم، الجمهور الجميل والذواق، الجمهور الذي يقدم الدعم اللامشروط بكل روح رياضية”.

عادة الفرجة لا تتحقق بدون جمهور، فلا المسرحية يمكننا عرضها أمام كراسي فارغة، ولا الخطاب السياسي يمكننا تمريره بدون جمهور، ولا ندوة صحفية ممكنة بدون متابعين، ولا متعة كرة القدم ممكنة أمام مدرجات فارغة، نظرا لأن الجمهور هو المكون الأساسي في حياة المقابلة، وهو الذي يساهم في التقلبات التي تجري في المباريات.

الفرق هي الأخرى أصبحت تدخل المباريات التي تلعبها داخل معقلها منقوصة العدد، اللاعب ينظر من حواليه لا يجد من سيفرح بهدفه إن سجله، ومن سيعاتبه إن أخطأ، ومن سيشجعه لتقديم المزيد، فاللعب بدون جمهور كاللعب بعدد منقوص من اللاعبين.

الكاتب والباحث الدكتور عبد الصمد الكباص يشير في حديثه مع “اليوم24” إلى “أن كرة القدم في أصلها فرجة، أي أنها أشبه بمسرحية تجري أمام جمهور متحمس، حيث لا يكون لهذا الأخير دور ثانوي، وإنما مكون أساسي في حياة المقابلة ونموها وتقلباتها، فكل لمسة للكرة، وكل تمريرة وكل حركة، تظل محملة بآثار صياح الجمهور وتصفيقه وهياجه”.

يضيف الكباص “تفريغ الملاعب من الجمهور هو بمثابة لعب مباراة بنقص في عدد اللاعبين،  فليس هناك من يفرح للهدف، ولا متفاعل مع الحركات الفنية، ولا من مستاء من خطأ فاذح أو هدف قاتل، إنها تتحول إلى مقابلات بلا حماس وبلا روح وبلا حياة، وتماما، مثلما علمنا التاريخ، أن الجمهور كان عاملا أساسيا في تطور المسرح ونمو أشكاله، ومثلما علمنا الفكر السياسي، أن السياسة من حيث ممارستها أمام الجمهور، تتغذی من تفاعل السياسيين مع جماهيرهم، كذلك الأمر، كان الجمهور بالنسبة للكرة، ليس مجرد تذكرة تباع، وإنما شرط لنجاح تنافسية هذه اللعبة، إن اللعب في ملاعب فارغة أشبه بعرض فيلم في قاعة سينمائية لا مشاهد فيها”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.