إسماعيل العلوي: التيار المعارض لدستور 2011 استعمل أمانة الحكومة لكبت مضامينه- حوار

09 مارس 2021 - 20:00

مضت عشر سنوات على إلقاء الملك محمد السادس خطاب 9 مارس التاريخي، بعد تفجر احتجاجات حركة 20 فبراير، عام 2011، في النسخة المغربية من الربيع العربي، الذي هز المنطقة، وأفضى إلى دستور جديد، اعتبره السياسي المخضرم، مولاي إسماعيل العلوي، نقطة نهاية الخطاب.

العلوي، في حوار مع “اليوم 24” بالمناسبة، قال إن خطاب 9 مارس “مهم جدا للمغرب، وانتهت مهمته بعد إقرار الدستور”، لأنه كان “استجابة لتغيير الأوضاع السياسية ليس إلا، وهذه الأوضاع تغيرت بإقرار الدستور الجديد”.

وأفاد العلوي أنه بعد إقرار الدستور الجديد للمملكة، برز صراع بين تيارين أساسين، لايزال مستمرا إلى اليوم، “تيار يريد أن تستفيد البلاد من كل مضامين، وآفاق الدستور الجديد، وآخر يطلع إلى أن يكبت هذا التقدم”.

وأكد العلوي أن تغيير الأوضاع يتطلب من المجتمع المدني، والأحزاب السياسية “تعبئة لا تقتصر على الكلام الفضفاض، بل على التنظيم، والحرص، والحفاظ على اليقظة المستمرة من أجل إثارة الانتباه إلى ما يحصل من تجاوزات، أو خروقات، أو تراجعات في عدد من المستويات”.

وفيما يلي نص الحوار:

– يصادف اليوم الذكرى العاشرة لخطاب 9 مارس التاريخي، باعتبارك شاهدا على هذه المرحلة، وفاعلا فيها، ماذا تحقق بنظركم بعد عقد من الخطاب؟

– أولا، لابد من التأكيد أن خطاب 9 مارس كان خطابا مفصليا، لأنه أتى بعد غليان الشارع، الذي اندرج فيما سمي بالحراك العربي، ولا يمكننا أن ننسى ذلك، إذ سجل ما حصل من تحول في المجتمع، ووعد بالاستجابة إلى تطلعات المواطنين، التي عبر عنها الشباب بالأساس، لا سيما حركة 20 فبراير، التي أحييها باستمرار، لأنها غيرت المعطيات، إذ إن عددا من الهيآت السياسية كانت شيئا ما مكبلة، لكونها كانت تساهم في تدبير الشأن العمومي.

ووعد الخطاب، أولا وقبل كل شيء، بصياغة دستور جديد، وهذا ما حصل، وحدثت هذه الصياغة بشكل متفرد، ومتميز، لأنه لأول مرة لم يناد على “خبراء” أجانب كانوا، أم مواطنين. وحتى وإن لم يكن هناك مجلس تأسيسي للدستور، فإن مساهمة كل الفاعلين في المجتمع المدني كانت واسعة، وعندما أقول المجتمع “المدني” لا أقصي منه لا الأحزاب، ولا النقابات، إذ إن تعريفه المتداول يضم كل الهيآت، التي تسعى إلى المساهمة في تدبير الحياة الوطنية دون أطماع نفعية، منها الأحزاب، والنقابات”، وأدلى الجميع برأيه، إما على شكل مذكرات، أو لقاءات مع الهيأة، التي كلفت بجمعها، ثم صيغت كل هذه المقترحات، وأعطتنا دستور يوليوز 2011، الذي، بإجماع المتتبعين الوطنيين، والأجانب، يتضمن جوانب متقدمة جدا، مقارنة مع ما هو موجود في أقطار عربية، أو دول إفريقيا، والعالم الإسلامي. أظن أن دستورنا الجديد كان ولايزال دستورا متقدما، وواعدا.

– هل يعني هذا أن الخطاب أصبح جزءً من الماضي؟

– الخطاب قام بدوره، أي أنه هدأ الأوضاع واستجاب لتطلعات الجماهير المشروعة، وغيّر الأوضاع السياسية بإقرار صياغة دستور جديد. وهذا ما حصل، لكن صياغة دستور ما لا تعني نهاية للتاريخ، إذ يبقى تفعيل هذا الدستور، وهنا بدأت تطرح عدد من القضايا.

– تقصد إشكالات وتحديات، مثل ماذا؟

– ظهر للعيان، والملاحظين وجود تيارين في الساحة السياسية، تيار أول منفتح، يرغب في تفعيل الدستور بجميع مضامينه، وطبقا لروحه الأصلية، وتيار ثان محافظ، يعتبر، خطأ في اعتقادي، أن هذا الدستور ذهب بعيدا في مراجعة تنظيم العلاقات بين السلط الموجودة في الحقل السياسي، وأقصد سلطة الملك، وسلطة الحكومة، أي السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، أي البرلمان، والسلطة القضائية، التي وصلنا إلى بلورتها فيما بعد.

واتخذ هذا الصراع طابعا خفيا في بعض الأحيان، وآخر معلنا بين من يريد أن تستفيد البلاد من كل مضامين، وآفاق الدستور الجديد، وذاك الذي يريد أن يكبت هذا التقدم. ومازلنا نعيش هذا الوضع إلى اليوم، والمعركة مازالت جارية وقائمة، وهذا أمر واقع لا يمكن أن ننفيه أبدا.

– أين ظهرت وتجلت معالم هذا الصراع بين التيارين؟

– لابد أن أثير الانتباه إلى أن الدستور، الذي وافقنا عليه من خلال الاستفتاء، في يوليوز 2011، والذي نشر في الجريدة الرسمية في شهر شتنبر، كان واعدا جدا، ولكن في الوقت نفسه كان مبتورا، وغير مكتمل الأطراف، حيث كان يقتضي القيام بوضع حوالي 20 قانونا تنظيما مكملا له. ويبدو لي أن كل هذه القوانين قد صيغت، وصودق عليها حتى وإن بقيت بعض النقط في حاجة إلى ضبط، كقانون التظاهر.

وما يلاحظ هو أنه حصل نوع من مراجعة المقترحات، التي تقدم بها المجتمع المدني عن طريق الحوار، لا سيما بالنسبة إلى العرائض، والمبادرات التشريعية الشعبية، فهذه المقترحات خضعت إلى تقنين قلص من مضامينها، وبالتالي قلص من جدواها، مما يفسر أن هذه القوانين تكاد لم تفعل بعد.

– هل تقصد أن الجهات، التي عارضت تنزيل مضامين الدستور أوكلت للأمانة العامة للحكومة مهمة إفراغ القوانين التنظيمية من حمولتها الحقيقية؟

– هذا من دون شك، ومن جهة أخرى، لم يكن المجتمع المدني في مستوى الوعي، والحيطة، لأخذ المبادرة، وتقديم مقترحات عن طريق الفرق البرلمانية الموجودة. وهذا كان ممكنا، ولايزال، وهنا يبرز دور الأحزاب كما قلتم، ولكن لا ينبغي أن نثقل كاهلها.

– ولكن الأحزاب هي التي تمارس، ومعنية بشكل مباشر بالقضية؟

– نحن كمواطنين لنا دور في هذا الأمر، سواء كنا منخرطين في أحزاب، أم غير منخرطين، ولا بد أن نعطي لكل ذي حق حقه، وفي هذا الباب قليلا ما نرى مبادرة تؤدي إلى تقديم مقترح قانون من قبل حركات المجتمع المدني، وكأنها تعتبر أنه لا فائدة في ذلك، ولا تطمئن حيث تعتبر أن هناك من يراجع هذه المقترحات، ويغير فحواها.

والمثال الواضح على ذلك هو القانون التنظيمي، الخاص بإنشاء مجلس الشباب والمجتمع المدني، فبعدما اجتمع عدد من الأشخاص من ذوي التجربة، لمدة سنة كاملة، وتقدموا بمقترح للحكومة، التي أحالته من دون شك على الأمانة العامة للحكومة، ثم صدر نص، وهو الذي وافق عليه البرلمان، منح الموظفين، الممثلين للقطاعات الحكومية المختلفة، حصة الأسد مقارنة مع الفاعلين الجمعويين، الذين يهمهم الأمر قبل غيرهم، إلى درجة أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان تقدم بتقرير، أثار فيه الانتباه إلى هذا الأمر، لكن من دون جدوى، وولد هذا المجلس وكأنه ميتا، وهذا الأمر يستوجب على الأحزاب، وهيآت المجتمع المدني أن تقوم بحملات يمكن أن تنعش الحقل السياسي في بلادنا، كما هو الحال في العديد من البلدان.

– كيف ذلك؟

– أعتقد أن هناك مدا، وجزرا، وجدلية ما بين التقدم، والرجعية، وهذا طابع موجود في جميع المجتمعات، وهذه سنن الكون السياسي، وإنما لتغيير الأوضاع، يجب أن تكون هناك تعبئة بكل ما تعني الكلمة، لا تقتصر على الكلام الفضفاض، بل على التنظيم، والحرص، والحفاظ على اليقظة المستمرة، من أجل إثارة الانتباه إلى ما يحصل من تجاوزات، أو خروقات، أو تراجعات في عدد من المستويات.

– بعد الجدل، الذي أثارته تعديلات القوانين الانتخابية، هل توافق الرأي القائل إنها تكرس تراجعا في المسار الديمقراطي؟

– أنا دائما في النهاية أرجع إلى مقولات تعبر عن الحكمة الناتجة عن تراكم التجارب الإنسانية، ونحن عندنا في ثقافتنا، وتراثنا نقول: “كيف ما كنتم يولى عليكم”، ومسؤولية المواطنين مطروحة هنا، لكن هناك عائقا يتجلى في كون مجتمعنا مازال يعاني من انتشار الأمية، والجهل بين صفوف المواطنين، والمواطنات، وهذا عائق من المعيقات الكبيرة.

فما دمنا نتواجد في مجتمع فيه 30 في المائة من أفراده أميون، علينا أن لا نستغرب لما يحدث، زد على ذلك أن الأمية السياسية أفظع من الأمية المطلقة، حيث إنك تجد أناسا لهم مستوى عال، ولكنهم لا يبالون بالحياة السياسية، وعندما يتكلمون يسقطون في نوع من الشعبوية، والسطحية، التي تجعلهم يفقدون القيمة، التي كنا ننتظرها منهم. كما أن المسؤولية تعود، كذلك، إلى الدولة، التي ألاحظ أن أجهزتها لا تساهم بما يجب من أجل التغلب على هذه الآفة، وحتى وإن تغلبنا عليها يجب ألا ننسى أن عليها أن تسهر على التعلم مدى الحياة، الذي يرتقي بالفرد في ميدان المعرفة.

– ما تعليقكم على تغيير القاسم الانتخابي وما عده البعض تحالفا لقطع الطريق أمام حزب العدالة والتنمية.

– هنا يجب أن نأخذ كل حزب، وندرس وضعيته، والدوافع، التي جعلته إما يقبل أو يرفض هذا الاقتراح. ولا ينبغي أن نصدر أحكاما جائرة تعمم، وتجعل “كلشي زفت”، كفانا من هذا الموقف، الذي عانينا منه الكثير في الماضي، ومازلنا نعاني منه. علينا أن نكون متبصرين، ونحلل كل حالة بشكل موضوعي، ومتبصر في الوقت نفسه.

ومن دون شك، أن الحياة السياسية فيها جانب رابح وخاسر، وأعتقد أنه عندما نتابع الأرقام المتداولة في الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، نلاحظ أن هناك عدم الإنصاف بالنسبة إلى نتائج الانتخابات مهما كان من أمر، وكل واحد في هذا الميدان يحاول أن يأخذ أكثر ما يمكن الحصول عليه، وهناك من يخسر الكثير، ومن يحصل على الكثير، وهذه الأشياء تبين أنه على كل مواطن أن يرقى إلى مستوى المحلل الموضوعي، وهذا صعب في إطار المجتمع، الذي يسود فيه الجهل بشكل عام، ما يمكن من عملية المناولة للرأي العام، والتوجهات الموجودة في المجتمع.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي