على الرغم من توالي الضربات، الموجهة إلى معاقل التنظيم الإرهابي « داعش »، فإن ظاهرة المقاتلين الأجانب لا تزال تفرض نفسها على الساحة العالمية، وسط مخاوف الدول من تداعيات عودة هؤلاء المقاتلين، وعائلاتهم، في ظل تنبيه مسؤولين مغاربة، إلى ضرورة تحديد مقاربة واضحة للتعامل مع المغاربة العائدين من بؤر القتال في سوريا، والعراق.
وفي السياق ذاته، قال محمد عبد النباوي، حسب ما كشف عنه تقرير اللجنة الاستطلاعية حول مغاربة بؤر التوتر، أثناء توليه لمنصب رئيس النيابة العامة، إن المقاتلين الإرهابيين الأجانب، سواء كانوا مغاربيين، أو آسيويين، أو أوربيين، لن يستطيعوا الاختباء وسط السكان الأصليين، بسبب لهجتهم، ولعدم إتقانهم لعوائد العيش في العراق، وسوريا، ومواجهة خطر سقوطهم في يد قوات النظام السوري، أو في يد قوات « الحشد الشعبي »، ما يترك لهم خياران فقط، إما القتال حتى الموت، أو مغادرة مسرح العمليات، ويميلون إلى الحل الثاني لأخذ ثأرهم في مكان آخر، إما بالانتقال إلى بؤر اقتتال، وعنف أخرى، أو المكوث في إحدى دول العبور، أو بالعودة إلى بلدانهم الأصلية.
وما يزيد الوضع تأزما، وتعقيدا، حسب عبد النباوي، وجود أطفال رافقوا آباءهم إلى بؤر التوتر، أو الذين ولدوا هناك، بما يرفع احتمالية تشبثهم بالأفكار، والمبادئ المتطرفة، وصعوبة تحديد جنسياتهم، وتعددها، وكذا وجود الأرامل، والأيتام نتيجة وفاة الأب، أو الأم، أو هما معا في المعارك، منبها إلى أن عودة المقاتلين الإرهابيين يغذي الخلايا النائمة، ويمدها بخبرات جديدة في مجال الإرهاب.
وخلص عبد النباوي، إلى أن الحاجة أصبحت ملحة لاعتماد مقاربة شاملة للتعاطي مع هذا الواقع الجديد، من خلال اعتماد برامج للتأهيل، والعلاج، وإعادة الإدماج، واعتماد المقاربة القضائية، بالنسبة إلى العائدين، الذين ارتكبوا جرائم إرهابية، والمقاربة الأمنية، من خلال تشديد المراقبة، واليقظة، خصوصا في المعابر الحدودية.
كما شدد عبد النباوي على ضرورة وضع معايير لتحديد الفئات، التي تخضع للمتابعة الجنائية، وتلك التي تخضع لإعادة الإدماج، والفئات، التي تعفى من المتابعة الجنائية، مثل النساء، والأطفال في سن معينة ممن لم يتلقوا تدريبا عسكريا، أما العفو الشامل، فيمكن إصداره، حسب قوله، بموجب قانون يحدد الفئات المعنية به، وشروط الاستفادة منه، والتدابير المصاحبة له، والتزامات المستفيدين منه.
وعن الأرهاب في المغرب، تطرق عبد النباوي في حديثه للجنة البرلمانية، وهو لا يزال في النيابة العامة، إلى أنه على الرغم من أن النشاط الإرهابي للجماعات الإرهابية بقي متواصلا حتى بعد الأحداث، التي عرفتها مدينة الدارالبيضاء، إلا أن وتيرته أصبحت أقل حدة بتسجيل بعض الأحداث الإرهابية المعزولة، وذلك بفعل المجهودات، التي بذلها المغرب في مجال مكافحة الإرهاب في إطار استراتيجية شاملة ومتعددة الأركان.
وتحدث عبد النباوي عن وجود تحول نوعي للنشاط الارهابي، في عام 2012، في المغرب، بظهور ما يعرف بظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، التي تزامنت مع ميلاد بؤر توتر جديدة باعتبارها مناطق تشهد توترات، سواء بفعل خارجي، أو نتيجة صراعات داخلية، أو حروب أهلية، أو تهديدات من قبل تنظيمات إرهابية، بما شكل تهديدا خطيرا للسيادة الوطنية لمجموعة من الدول في جهات مختلفة من العالم، وعلى الأمن، والسلم الإقليمي، والدولي.
وقد عرَّف مجلس الأمن في قراره رقم 2178 الصادر في 24 شتنبر 2014 المقاتلين الإرهابيين الأجانب بأنهم الأفراد، الذين يسافرون إلى دولة غير التي يقيمون فيها، أو يحملون جنسيتها، بغرض ارتكاب أعمال إرهابية، أو تدبيره، أو الإعداد لها، أو المشاركة فيها، أو توفير تدريب على أعمال الإرهاب، أو تلقي ذلك التدريب.
عبد النباوي قال، أيضا، إن الحرب الدائرة في سوريا أعطت للظاهرة حجما كبيرا جدا، حيث كان لتحول الثورات العربية من السلمية في المطالب إلى استعمال القوة لفرض الأمر الواقع الأثر المباشر لميلاد هذا الجيل الجديد من التنظيمات الإرهابية، التي اتخذت من موضوع الجهاد ضد الأنظمة الحاكمة شعارا مقدسا، تستخدمه في أنشطتها الحربية، والدعوية، كما عرفت توسعا ملحوظا بانضمام معظم الجنسيات إلى صفوفها، ومن كل بقاع العالم، ما جعلها تغير استراتيجيتها، في وقت لاحق، وتحول اهتمامها لإقامة « دولة الخلافة » في المنطقة، وهو ما تجسد في تنظيم « الدولة الإسلامية في العراق، والشام »، المعروف اختصارا بـ »داعش ».
وخلص عبد النباوي إلى أنه بالرجوع إلى تصريحات المغاربة المقاتلين، العائدين، هناك أسباب سيكولوجية، ودينية، ولوجستيكية، بالإضافة إلى وجود أسباب أخرى يمكن أن تشكل دافعا للالتحاق بالتنظيمات الناشطة في بؤر التوتر، من بينها ما هو اقتصادي واجتماعي كالالتحاق، من أجل تحسين ظروف العيش، بعد أن كانت هذه التنظيمات تغري المقاتلين بمبالغ مالية مهمة مقابل قتالهم إلى جانب صفوفها، أو للالتحاق من أجل الزواج في إطار ما يطلق عليه بجهاد النكاح.
يذكر أنه بناء على الطلب، الذي تقدم به فريق الأصالة والمعاصرة في مجلس النواب، من أجل العمل على معاينة، ودراسة الأوضاع المأساوية، التي تعانيها فئة من المواطنات، والمواطنين المغاربة، العالقين في بؤر التوتر، والصراع كسوريا، والعراق، خصوصا الأطفال، والنساء منهم، والإسهام في معالجتها، انطلاقا من الاختصاصات المخولة للبرلمان، أحدث المجلس المهمة الاستطلاعية، التي أجرت ستين لقاءً، بين اجتماعات مع المسؤولين الحكوميين، ولقاءات مع فاعلين مدنيينن، واجتماعات داخلية، لإخراج تقريرها الأخير.