حرب فرنسا والجزائر.. ابتزاز اقتصادي وأمني من بوابة التاريخ

14 أكتوبر 2021 - 05:00

يخفي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أسباب كثيرة وراء تهجمه على الجزائر غير تلك المتعلقة بالانتخابات الرئاسية المقبلة، بينما تسعى الجزائر لطي صفحة النفوذ الفرنسي على أرضها بشكل تدريجي لكن حاسم هذه المرة.

في 2017 عندما وصف ماكرون الاستعمار الفرنسي للجزائر بأنه “جريمة ضد الإنسانية”، حصل على جائزة كبيرة من الجزائر، بعدما دعمه أغلب الجزائريين الحاملين للجنسية الفرنسية في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، والتي كانت حاسمة لصعوده إلى الدور الثاني، وبعدها كانت المهمة سهلة أمام زعيمة اليمين المتطرف ماريان لوبان.

وفي يوليو 2020، قدم ماكرون “هدية ثانية” للجزائر، تمثلت في تسليم جماجم 24 من المقاومين الجزائريين ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر، كانت معروضة في متحف فرنسي.

كان ماكرون ينتظر من الجزائريين مكافأة على هذه “الرشوة التاريخية”، خاصة وأنه أتبعها بعدة خطوات في “ملف الذاكرة”، على غرار تقرير المؤرخ الفرنسي المولود في الجزائر بنيامين ستورا، الذي اعترفت باريس بناء على توصياته بأن المحامي الجزائر علي بومنجل “تعرّض للتعذيب والقتل” على أيدي الجيش الفرنسي، بعد اختفائه قسريا منذ 64 سنة.

لكن الجزائر في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، كانت تنتظر من ماكرون أكثر من ذلك، وهو الاعتراف بالجرائم التي ارتكبتها فرنسا طيلة الحقبة الاستعمارية (1830-1962)، لكن الأخير رفض، في ضغط شديد من لوبيات اليمين المتطرف.

كما أن الحراك الشعبي الذي أطاح بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة من الحكم، كان من بين مطالبه التخلص من أي نفوذ فرنسي على الاقتصاد أو الثقافة الجزائرية، واستبدال الفرنسية بالإنكليزية في التعليم.

وهذه الخلافات المرتبطة بمخلفات المرحلة الاستعمارية، وما تحمله من آلام وفهم متناقض للطرفين بشأن ملف الذاكرة وكتابة التاريخ المشترك، كانت لها تداعيات على ملفات أخرى في جوانب اقتصادية وسياسية وأمنية مهدت لتفجر الأزمة الأخيرة.

المؤسسات الفرنسية غير مرغوب فيها

الجائزة التي كان ينتظرها ماكرون من الجزائر بعد تسليمه جماجم مقاوميها بعد سنوات من المساومة، تتمثل في فتح السوق الجزائرية أمام المؤسسات والسلع الفرنسية للحصول على أكبر قدر من المشاريع التي خصصت لها الحكومة الجزائرية مليارات الدولارات.

فالاقتصاد الفرنسي كان مأزوما بشدة بسبب جائحة كورونا، وسجل في عام 2020، أكبر ركود منذ الحرب العالمية الثانية (1939-1945) إذ تراجع إجمالي الناتج الداخلي بنحو 8.3 بالمئة، بحسب المعهد الفرنسي للإحصاء، وتسبب ذلك في إفلاس العديد من الشركات الفرنسية.

لكن الموقف الجزائري كان مخيبا لماكرون، حيث تم إنهاء عقود العديد من المؤسسات الفرنسية بالجزائر، على غرار شركة “راتيبي باريس”، المكلفة بتسيير ميترو الجزائر، التي انتهى عقدها نهاية أكتوبر 2020.

وكذلك الأمر بالنسبة لمجمع “سيوز” الفرنسي، الذي انتهى عقده لتسيير المياه في الجزائر العاصمة في 31 أغسطس/آب الماضي.

فيما توقف مصنع رونو الجزائر لتجميع السيارات، مؤقتا في 2019، بعد إضافة ضرائب ورسوم جديدة على مكونات السيارات المستوردة من الخارج وعلى المنتوج النهائي أيضا، لكن في ماي الماضي، تحدثت وسائل إعلام جزائرية عن استئناف نشاطه تدريجيا، بنحو 280 عامل فقط بعدما كان هذا العدد يصل إلى 1200.

أما في قطاع النفط، فنجحت الجزائر في إفشال محاولة شركة توتال الفرنسية للطاقة، في الاستحواذ على أصول شركة “أناداركو” الأمريكية بالجزائر، التي انتقلت ملكيتها لمجمع “أوكسيدنتال بيتروليوم” المعروف بـ”أوكسي” (أمريكي)، بفضل قانون المحروقات الجديد وممارسة حق الشفعة.

كما تتجه الجزائر إلى تقليص وارداتها من القمح الفرنسي، بحسب وسائل إعلام، حيث رفضت السلطات الجزائرية شحنة قمح فرنسية في يونيو الماضي، بعد أن عثرت فيها على حيوانين نافقين، بالمقابل زادت من وارداتها من القمح الروسي، بحسب هيئة الرقابة الزراعية الروسية “روسبوتريب نادزور”.

ويشكل تحول الجزائر نحو القمح الروسي ضربة مؤلمة للفلاحين الفرنسيين الذين تمثل الجزائر أكبر سوق لصادراتهم من القمح.

وخسارة الشركات الفرنسية للسوق الجزائرية كلفها مئات ملايين الدولارات، في وقت شهدت فرنسا إفلاس عدد كبير من الشركات في 2020، وإحالة آلاف العمال على البطالة.

وفي هذا الصدد، قال وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير، مطلع العام الجاري، “سيكون لدينا المزيد من حالات الإفلاس في 2021 مقارنة بعام 2020، لدينا تحول في التوظيف سيؤدي إلى تدمير الوظائف لفترة من الوقت، وسيكون من الصعب تخفيف حدته، ومن ثم لدينا عدم يقين سياسي”.

عدم اليقين السياسي بالنسبة لماكرون، يعني الكثير، خاصة أنه مقبل على انتخابات رئاسية مصيرية، وقد لا يتحمس آلاف العمال الذين خسروا وظائفهم في التصويت لصالحه.

وما عمق صدمة ماكرون، خسارته لصفقة بناء غواصات لأستراليا بلغت قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، وراحت لصالح الولايات المتحدة، فيما لم يستطع الرد على واشنطن سوى بسحب سفير بلاده قبل أن يعيده بعد مكالمة مع نظيره الأمريكي جو بايدن.

بالمقابل سعى الرئيس الفرنسي لاستفزاز الجزائر، عبر تقليص التأشيرات الممنوحة لمواطنيها ولمسؤوليها على وجه التحديد.

ثم تهجم على تاريخها، وقال إن الجزائر قامت بعد استقلالها على نظام “ريع الذاكرة” الذي كرسه “النظام السياسي – العسكري” فيها، واعتبر أن ذلك النظام أعاد كتابة التاريخ الاستعماري الفرنسي للبلاد، بمرجعية نابعة من “الكراهية لفرنسا”.

وقبلها في سبتمبر، طلب ماكرون من “الحركى” (خونة الثورة الجزائرية) الصفح، بل وأصدر قانونا لتعويضهم، وهو الصفح الذي لم يطلبه من الجزائر عن سنوات طويلة من الاحتلال.

خطوات متسلسلة قام بها ماكرون لاستفزاز الحكومة الجزائرية وابتزازها، من أجل الحصول منها على تنازلات وتقدير “هدايا الذاكرة الملغمة”، بدءا من إعادة فتح السوق الجزائرية أمام المؤسسات الفرنسية مجددا، ودعمه بشكل غير مباشر في الرئاسيات المقبلة.

لكن عندما كانت ردت الفعل الجزائرية قوية، دعا الرئيس الفرنسي إلى التهدئة دون طلب الصفح، فهو لا يريد مزيدا من الخسائر الاقتصادية والسياسية بل يبحث عن أوراق يلعبها مع الجزائر لتعزيز حظوظه في انتخابات الربيع المقبل.

العلاقات مع تركيا وروسيا تقلق باريس

لم يخف ماكرون انزعاجه من متانة وتطور العلاقات الجزائرية مع تركيا مقارنة بمثيلتها مع فرنسا، وقال في تصريحات ممتعضة “أنا مفتون برؤية قدرة تركيا على جعل الناس ينسون تماما الدور الذي لعبته في الجزائر، والهيمنة التي مارستها، وشرح أن الفرنسيين هم المستعمرون الوحيدون، وهو أمر يصدقه الجزائريون”.

ففي الوقت الذي تبدو الشركات الفرنسية غير مرحب بها في الجزائر، تتواجد بها 1300 شركة تركية، وارتفعت الاستثمارات التركية بها لتلامس سقف 5 مليارات دولار، متجاوزة الاستثمارات الفرنسية، أما المبادلات التجارية فبلغت 4 مليارات دولار في 2020، ويمكن أن ترتفع إلى 5 مليارات دولار مع تراجع وباء كورونا عالميا، وتحسن أسعار النفط والغاز.

فباريس كانت تسعى للوقيعة بين الجزائر وتركيا في الملف الليبي، لكن الرئيس الجزائري أوضح أن بلاده تتمتع بعلاقات ممتازة مع الأتراك “الذين استثمروا قرابة 5 مليارات دولار دون أي مطالب سياسية مقابل ذلك”.

وملمحا إلى فرنسا قال تبون “أولئك الذين أزعجتهم هذه العلاقة (بين الجزائر وتركيا) عليهم فقط أن يأتوا ويستثمروا عندنا”، وهذه إشارة إلى أن الفرنسيين ينظرون إلى الجزائر كسوق وليس كشريك، على عكس تركيا.

أما روسيا، التي تُورد للجزائر نحو ثلثي السلاح الذي تستورده، فيثير مزاحمتها لفرنسا في مالي قلق باريس.

وهناك اعتقاد لدى الفرنسيين أن للجزائر دور ما في تسلل روسيا إلى مالي، بحكم نفوذها في هذه الدولة الواقعة في الساحل الإفريقي وحدودها الطويلة معها، بهدف إزاحة النفوذ الفرنسي من المنطقة.

كما يعتقد الفرنسيون أن الجيش الجزائري لم يقدم لهم المساعدة الكافية في الحرب على الإرهاب بالساحل، رغم إمكانياته مقارنة بجيوش المنطقة، وهي حرب كلفت باريس مليارات الدولارات، و52 قتيل من جنودها.

ويخشى ماكرون أن يؤدي انسحاب قوات بلاده من شمالي مالي، إلى دخول روسيا ومرتزقة شركة فاغنر لملء الفراغ بالمنطقة، بدعم من الجزائر، ما يعتبر ليس فقط هزيمة أمام الجماعات المسلحة بالساحل، بل خسارة استراتيجية أمام موسكو قد تؤدي إلى أفول النفوذ الفرنسي في إفريقيا.

الجزائر تنتقل من رد الفعل إلى المبادرة

لم تستدع الجزائر السفير الفرنسي عند تهجمه على تاريخها، مثلما فعلت عندما قلصت باريس التأشيرات الممنوحة إلى الدول المغاربية الثلاث (تونس والجزائر والمغرب)، بل استدعت سفيرها للتشاور، ما يعني أنها تنوي القيام بخطوات إضافية ضد المصالح الفرنسية.

أولى تلك الخطوات منع الطائرات العسكرية الفرنسية من عبور الأجواء الجزائرية نحو مالي، وكانت باريس مارست ضغوط شديدة على الجزائر في 2013 من أجل السماح لها باستعمال مجالها الجوي، خاصة أنه الخط الأقرب والأقل تكلفة بين فرنسا ومالي.

كما توجه وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، إلى باماكو والتقى المسؤولين الماليين في خطوة اعتبرت أنها دعم للحكومة المالية في وجه الضغوطات الفرنسية.

وفي إشارة إلى أن الجزائر دولة ضاربة في التاريخ ردا على تصريحات ماكرون، نشر لعمامرة تغريدة عند زيارته لضريح ملك نوميدي بإيطاليا، جاء فيها “قطعة من تاريخ الجزائر الممتدة جذوره في قلب روما. آخر مكان سجن وقتل فيه ملك نوميديا يوغرطة بن سيرتا، وحفيد ماسينيسا، سنة 104 قبل الميلاد، بعد حرب ضروس ضد الرومان دامت 7 سنوات”.

وفي سياق الأزمة مع فرنسا وقعت شركة سوناطراك الجزائرية، ثلاث اتفاقات مع شركة “رينيسانس هولدنغ” التركية لتنفيذ مشروع لإنتاج “البلوبروبيلان” البلاستيكية، بقيمة مليار و400 مليون دولار، بولاية أضنة التركية.

وهذا الخطوات الجزائرية من المتوقع أن تتصاعد ضد فرنسا وماكرون بالذات، وقد تعمل بشكل ما على عدم تشجيع الناخبين الفرنسيين من أصل جزائري على تصويت لصالحه.

فالدبلوماسية الجزائرية انتقلت من رد الفعل ضد المواقف الفرنسية المستفزة إلى المبادرة لاتخاذ مواقف استباقية، وهو ما أشار إليه لعمامرة، عندما قال إن “الدبلوماسية لا تخضع لحاجة أوتوماتيكية.. ردة الفعل، تجعل الجزائر تتخلى عن قدرتها في المبادرة واتخاذ الإجراءات اللازمة، وفق الأسس التي بنيت عليها الجزائر الجديدة”.

“فحرب ماكرون على الجزائر”، كانت لابتزازها في ملفات اقتصادية وسياسية وأمنية من بوابة تاريخية، وبدل أن يحصل على جائزته، صعدت الجزائر موقفها ضده في عدة ملفات مؤلمة لفرنسا من شأنها التأثير على حظوظه في الرئاسيات المقبلة.

وليس مستبعدا أن تتحرك الجزائر في صمت للتخلص مما تبقى من نفوذ فرنسي لديها وفي إفريقيا، بمساعدة دول صديقة مثل تركيا وروسيا والصين.

مقال تحليلي لوكالة الأناضول

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي