صرخة في "الجامعة بالسجون".. سجناء يعبرون عن انتظاراتهم وتطلعاتهم من النموذج التنموي

23 أكتوبر 2021 - 15:30

في خطوة لم تكن الأولى من نوعها، بل دأبت عليها المندوبية العامة للسجون في السنوات الماضية، فتحت هذه الأخيرة المجال لبعض نزلاء المؤسسات السجنية، للتعبير عن آراءهم في إطار الجامعة الخريفية لـ”جامعة السجون”، التي نظمت أول أمس الخميس بالسجن المحلي سلا 2، وتدخل عدد من السجناء، للتعبير عن آراءهم وانتظاراتهم من النموذج التنموي أساسا.

التشبث بالأمل

وقال نبيل شعول، السجين بسجن تاونات المحلي، وهو طالب سنة أولى في الدكتوراه، تخصص فلسفة، إن هناك حاجة ملحة لإشراك نزلاء المؤسسات السجنية في خوض معركة التغيير، والتنمية المنشودة، مشددا على أن لا خيار أمام الفئة الاجتماعية الهشة التي تتواجد خلف القضبان، سوى مواصلة التشبث بالحلم والتطلع الدائم نحو الحرة، والثقة في المستقبل.

وشدد المتحدث على أنه “من المهم أن يعبر السجناء عن تطلعاتهم بكل وضوه ومسؤولية، في ظل الأمل في أن يتلقى المسؤولون بآذان صاغية مطالب السجناء وانتظاراتهم”، مؤكدا أن تطلعات ساكنة السجون، “لا تختلف عن نظيرتها لدى سكان المجتمع المغربي”.

ويرى الطالب السجين، أن “التطلعات تتموج حسب المدة التي يقضيها كل سجين في الاعتقال، وتتباين من سجين إلى آخر، بينما هناك تطلعات مشتركة”، ذكر منها “توفير شروك العيش في كرامة مع تجويد الخدمات الاجتماعية”.

المتحدث ذاته، ذهب إلى القول بأن “التسلح بالمعرفة والتكوين واكتساب الخبرات والكفايات، هي مداخيل أساسية للتغيير وللاندماج الاجتماعي، وشرط للولوج إلى مجتمع المعرفة، وعالم الشغل”.

وحث الطالب السجين على ضرورة التفعيل المستعجل للعقوبات البديلة، لمواجهة الاكتظاظ داخل السجون، وما يترتب عن ذلك من مشاكل أمنية وصحية”.

دعوة إلى القراءة

السجين ذاته، وجهة دعوة إلى السجناء الشباب أساسا من أجل القراءة، وقال، “لنجعل من مدة الإقامة في السجن، استراحة إجبارية للتثقيف ومعانقة الكتاب، باعتبار القراء نمط عيش متحضر”.

وأضاف، “القراء الحقيقيون يقرأون من أجل المساهمة في التغيير، ومن أجل التحول المستمر للذات، ومن أجل مقاومة الجهل ومحاربة الأفكار الهدامة”.

وقال شعول أيضا، “لنقرأ كي نعيش الحياة التي نختارها، ولنحافظ على طراوة أحلامنا وتطلعاتنا، فبالقراءة ننفتح على الثقافات الأخرى، إيمانا منا بأن الهوية المنفتحة أكثر قدرة على التجدد والاستمرارية والصمود”.

وتابع، “لنقرأ كي نعيش في وطن جديد يليق بأحلامنا وتطلعاتنا، ولنقرأ بعقل يتشكل في قلق السؤال وليس باطمئنان اليقين، ولنقرأ كي نشعر بأننا أحياء لا موتى، والقراءة مظهر من مظاهر الحياة داخل السجن”.

السجين الإنسان

وفي مداخلة ثانية لسجين آخر، تحدث عبد الوهاب الرمادي، وهو طالب باحث في السنة الثالثة سلك الدكتوراه، بكلية الحقوق بفاس، شعبة الاقتصاد، تخصص التكنولوجيا المالية، وقال إن “السجين ليس فقط ذلك الكيان البشري الذي يقطن داخل مؤسسة سجنية، وإنما هو إنسان يجر وراءه تاريخ، تتداخل فيه تنشأته الاجتماعية والروحية والمدرسية والثقافية، وهو إنسان يجر من وراءه شبكة من العلاقات الأسرية والعائلية”.

ويرى الرمادي، أن “أنه يجب الانطلاق أولا من تجفيف المنابع التي تفرز الساكنة السجنية، بمعنى أنه يجب أن نجيب على الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لكي نقلل من حجم الإفرازات للماكنة الضخمة التي تفرز بشكل متواتر أعدادا هائلة من السجناء”.

وبخصوص الوسط السجني، قال المتحدث إنه “لا يمكن الحديث عن السجن حاليا دون الحديث عن معضلة الاكتظاظ”، مشددا على أنه “العائق الأول أمام استفادة السجين من حقوقه الأساسية، في مقدمتها السكن اللائق، والاستفادة من التعليم، ومن منظومة التكين المهني ومن الاستشفاء”.

السجل العدلي

وذهب الباحث في الدكتوراه، من سجن راس الماء، عبد الوهاب الرمادي، إلى أنه “حين يخرج السجين، ورغم حصوله على الشواهد العليا، وسعيا منه للالتحاق بسوق الشغل، يطلبون منه السيرة الذاتية، وعليه أن ينتظر إن تعلق الأمر بالجنح، 5 سنوات وفي الجنايات 10 سنوات”.

وأضاف الرمادي، “ألا يعتبر هذا شكل من أشكال امتداد العقوبة، التي لا تنتهي بمجرد مغادرة السجن، فسوط العقوبة ينال من ظهر السجين حتى بعد انقضاء مدة العقوبة الحبسية”.

وفي نفس السياق، دعا طالب الدكتوراه، السجين بسجن تاونات، نيبل شعول، إلى “حذف وثيقة حسن السيرة من شروط قبول عقود العمل، وتبسيط استخلاصها في مدة زمنية مقبولة”، مشددا على أن “حسن السيرة إشكال حقيقي ومعيق للنزيل السجني للاندماج الاجتماعي بعد مغادرته أسوار السجن”.

واعتبر السجين بسجن خريبكة، حربي نصير، أن ” كل مغربي أصبح يشعر أنه معني بالنموذج التنموي، والكل باختلاف موقعه يتمنى أن يساهم في بناء مغرب الغد”، واستدرك، “لكن مسألة السوابق العدلية، تشكل حجر عثرة أمامه، فمن الإشكالات الاجتماعية التي تواجهنا هي رد الاعتبار بعد الإفراج”، مشددا على ضرورة “القطع مع التمايز الاجتماعي”.

الكلمة “عن بعد”

وفي ظل الإجراءات الاحترازية لمواجهة كورونا، مكنت مندوبية السجون نزيلا المؤسسات السجنية من المشاركة في النقاش “عن بعد”، واختلف آراءهم وتطلعاتهم بخصوص النموذج التنموي، بينما اغتنم عدد منهم الفرصة للتعبير عن مطالبه.

واقترح عبد المنعم الوادي، النزيل بالسجن المركزي بالقنيطرة، تشغيل السجناء خلال فترة الاعتقال، ودعا إلى إقامة وحدات صناعية تحتضنها المؤسسات السجنية، مؤكدا أن ذلك هو “الكفيل بتسهيل اندماجهم في سوق الشغل، بعد انتهاء العقوبة الحبسية”.

وتساء موجان رضوان، من سجن الوداية، عن المستجدات الإدماجية التي جاءت بها الرؤية الجديدة للنموذج التنموي، للحد من الإكراهات التي يعاني منها السجناء بعد الإفراج.

واعتبر إملوان مصطفى، من سجن ورزازات، أن موضوع القيم من بين المواضيع الشائكة، وقال، “كيف يمكن تحقيق التنمية المنشودة، في ظل الانحباس القيمي الذي يعرفه المجتمع، لاسيما أن القيم من بين أسس بناء المجتمع”.

ومن سجن تولال 1 بمكناس، اعتبر السجين محمد أزباخ، أن “النموذج التنموي الجديد، إحدى المشاريع الكبرى التي تراهن على مساهمة جميع فعاليات المجتمع المغربي”، وتساءل، “كيف يمكن تقييم مساهمة الساكنة السجنية كرأسمال بشري مساهم في التنمية؟”، وفي نفس السياق.

الأساتذة يتفاعلون

وتفاعلا مع تدخلات السجناء، وردا على بعض تساؤلاتهم، قال سعيد بنيس، الأستاذ الجامعي المتخصص في علم الإجتماع، بخصوص مفهوم الاحتباس القيمي، “إننا أمام حالة نرهن بها مستقبل الأجيال القادمة”، مضيفا، “عندما نتكلم عن الاحتباس الحراري، فإننا نرهن مستقبل الأرض، والآن نحن في حالة مجتمعية تفشى بها عدة ظواهر مجتمعية منها العنف والتشرميل”.

ودعا بنيس إلى محاربة العنف خارج السجون بمقاربة “التنمية الناعمة”، من خلال الاشتغال على قيم التعدد والتنوع والعيش المشترك.

ويرى بنيس أن هناك “حاجة لوضع تكوينات داخل السجون، لمعالجة الاحتباس القيمي، والاشتغالا على المهارات الرمزية التي تحتوي على قيم النبل والمواطنة والإخلاص”.

وبخصوص علاقة التنمية بالرأسمال البشري، قال بنيس، إنه “في جميع التجارب، كان التعليم أساس تقوية الرأسمال البشري، لكن على أساس التعليم من بوابة الجودة”.

وشدد على بنيس على الحاجة لتعليم أساسه الفكر النقدي، مضيفا، “نريد نزيلا يرى أن المجتمع في حاجة إليه كفاعل مؤثر”.

بدوره، قال عبد الجليل العينوسي، أستاذ القانون الجنائي والعلوم الجنائية بجامعة محمد الخامس بالرباط، بخصوص موضوع تشغيل السجناء، إنه على المستوى الدولي، نمط الشتغيل اليوم في العالم هو التشغيل لفائدة القطاع الخاص، مؤكدا على أن الرهان اليوم على مصانع السجون.

وعلاقة بنظام السوابق القضائية، يرى العينوسي، أن أول ما يطلب في نطاق الشغل هو شهادة السجل العدلي، مضيفا، “الرهان اليوم على الرعاية اللاحقة وتحقيق الوظيفة الإدماجية داخل السجون، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إيجاد حل لهذه المعضلة القانونية”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي