تحديات "تشالنج" وسط التلاميذ

25 ديسمبر 2021 - 11:10

تلاميذ اليوم “خلقوا لزمان غير زماننا”. هذه الحقيقة البسيطة والساطعة تكاد تغيب حين نقارب بعض الظواهر المتعلقة بالشباب والمراهقين والأطفال. وهو ما قد يحولها إلى تحديات “خطيرة” تنتج ردود فعل سرعان ما تتحول إلى وقود يؤجج نيران تلك الظاهرة التي نسعى إلى معالجتها واحتوائها. وقد يكون الإعلام أحد عوامل هذا التأجيج حين يصب على نيرانها زيت الاثارة على حساب المعالجة المهنية التي تستحضر رأي الخبير والمختص.

ولعل آخر ما أثار اهتمام “الرأي العام” في مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا، إقدام بعض التلاميذ على إطلاق حملة “تشالنج” لقيت تجاوبا من طرف عدد من التلاميذ الذين سارعوا إلى نشر “منجزاتهم” في هذا المجال. والذي اثار حفيظة “الرأي العام” حول تلك الحملة هو أن الهدف المعلن لتلك المسابقة هو تتويج “أفضل تحدي” يتم تصويره بالهاتف المحمول داخل القسم ونشره في مواقع التواصل الاجتماعي.

إن فكرة خلق “سباق تحدي” بين التلاميذ في مواقع التواصل الاجتماعي فكرة مهمة في حد ذاتها لو وجهت لتكون في مجالات تفجير قدراتهم الإبداعية المختلفة، وقدراتهم في مجالات الفطنة والذكاء، او مجالات خدمة المصلحة العامة، وغير ذلك من المجالات. غير أننا اليوم أمام “سباق تحدي” بين تلاميذ في مجال “السلوكيات الجريئة”. وهو ما يحيط هذا النوع من “سباق التحدي” بالمخاطر ويرسم له أفقا مقلقا.

وقبل مقاربة البعد المقلق في هذا الأمر، لابد من تسجيل ملاحظات أولية.

من المعلوم أن تسجيل ونشر مقاطع فيديو من داخل القسم وخلال إلقاء الأستاذ درسه سجل حضوره اللافت في مواقع التواصل الاجتماعي قبل إعلان حملة “التشالنج” الأخيرة. ولم تنفع ضدها حملات نزع الهواتف التي تعرفها جميع مؤسسات التعليم، وما ينتج عنها من عمليات التأديب وإلزام أولياء أمور التلاميذ بتوقيع التزامات، وترحيل أو طرد بعض التلاميذ من المؤسسات التعليمية …

و “منطق التشالنج” كان دائما حاضرا في أوساط التلاميذ والمتعلمين عبر تاريخ التعليم، بأشكال تناسب العصر والبيئة الاجتماعية، سواء كان في كتاب قرآني في منطقة نائية أو كان في مدرسة خاصة في أرقى المناطق، وهذا لا يخص مجتمعا دون آخر. ولو أعاد كل شخص منا شريط طفولته وحياته التلمذية لربما وجد نماذج من ذلك “المنطق” تناسب ذلك العصر.

في القديم لم تكن هناك آلات التقاط الصور أو الفيديو كما هي منتشرة اليوم، ولا كانت هناك فضاءات مفتوحة للجميع من قبيل الأنترنيت لتسجيل البطولات وتنظيم “الاقصائيات”، ولكن كانت هناك دائما ممارسات “خارج الصف” ضد المعلم والأستاذ، ومقالب ومواقف تحدي، وغير ذلك، يتم تناقل أخبار “بطولاتها” في الفضاءات الخاصة بالتلاميذ، حيث يتبادلون تلك “المنجزات” ويقيمونها ويتباهون بها.

والذي نهدف إلى تسجيله مما سبق هو أننا أمام سلوك قديم يتجدد في حلل تناسب كل عصر. فالتطور الحاصل في تكنولوجيا الاتصال وما تتيحه من سهولة التوثيق والنشر وسعة الانتشار، عبر الهاتف المحمول ومن خلال الأنترنيت وفي مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح جزءا من حياتنا إن لم يتحول إلى محورها الأساس. ولا ينبغي أن نتفاجأ بطفرات نشاط يعكس فيها منطق مشاغبات الشباب والمراهقين والأطفال، والتي تتطلب مقاربات بيداغوجية شاملة، تدمج جميع الفاعلين من أولياء التلاميذ والأساتذة والإداريين …

لكن الذي ينبغي أن نقلق له جميعا من “سباق التحدي” في مجال السلوك وسط التلاميذ أمران أساسيان متلازمان:

الأول يتعلق ببعض “خصائص” النشاط في مواقع التواصل الاجتماعي عبر العالم، والتي تسقط جميع القواعد الأخلاقية والقانونية والمجتمعية. والتي تجعل بعض نشطائها يتحررون من جميع القيود، ويتصرفون بدون أي وازع. وقد رأينا نماذج لفديوهات تنقل بالمباشر جرائم خطيرة مثل التحرش والاغتصاب أو القتل أو حتى الانتحار، تم تداولها بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.

الثاني يتعلق بمنطق التشالنج نفسه، والذي يعني “سباق التحدي” وما ينطوي عليه من تنافس محموم. والخطير في هذا المنطق أنه يجمع بين التحدي والتنافس في مجالات السلوك، وهو ما يحول ذلك المنطق إلى آلية سيكولوجية عمياء مدمرة. وإذا استحضرنا الأمر الأول المقلق، سندرك ماذا يعني إطلاق “سباق تحدي” في أوساط فئة عمرية مثل التلاميذ، من احتمالات الانزلاق إلى البحث عن صور التحدي التنافسي في مجالات العنف والجريمة.

لقد أكدت بعض “المشاركات” في حملة “التشالنج” بالفعل أننا أمام تحديات خطيرة، حيث تجاوزت تلك “المشاركات” تصوير ممارسات من الدرجة الأولى في حرائق “التشالنج”، والتي يمكن أن تستوعب تصوير مشاغبات لا تنطوي على خطر على الغير، مثل تصوير أكل وجبة الإفطار أو لعب الشطرنج، أو حتى عمليات الاستمناء، إلى ممارسات خطيرة من الدرجة الثالثة تتعلق بالتعاطي للمخدرات وممارسة العنف على أستاذ. ولا شيء سيمنع، في إطار “منطق التشالنج” بما ذكرناه سابقا، أن ترتفع درجة حريقه إلى الدرجة الرابعة بتصوير اعتداءات جنسية على التلميذات أو على الأستاذات، وغير ذلك من الجرائم الخطيرة.

ليس هناك أي ضمانات من أن ينزلق سباق “التشالنج” في مجال السلوك بين التلاميذ ليتخذ أبعادا إجرامية خطيرة، فسباق التحدي تكون له قيمة كلما كان جريئا وواجه المخاطر واقتحم الممنوعات، وأتى الكبائر. ومواقع التواصل الاجتماعي بصفتها بيئة تؤطر السلوك الفردي والجماعي وتنشئ “الحشود الافتراضية” وتعزز الحملات، ستكون دائما الحافز على مواصلة التحدي.

إن مقاربة الظاهرة بإجرءات تأديبية وقانونية لن يحل مشكلتها، كما أشرنا إلى ذلك، وقد تكون المراهنة عليها وحدها بالعكس حافزا على ابتكار طرق جديدة تجنب المغامرين سبل المتابعة والتأديب. فكما هو ملوم، فتطور القوانين والعقوبات تدفع المجرمين إلى مزيد من “التعلم” والتفنن في الإفلات منها، فدوافع الاستمرار في الجريمة حين تكون قوية تدفع المجرمين إلى “الابداع” في وسائلهم ومقارباتهم لتجنب ما جد في القوانين والعقوبات والتدابير الأمنية المختلفة. والأخطر في النازلة التي قاربناها في هذا المقال هو أن ردود الفعل التأديبية والعقابية قد تزيد من جاذبية التحدي في إطار منطق “التشالنج” في مجالات السلوك بين التلاميذ!

إن المطلوب هو اعتماد مقاربة شاملة تدمج جميع الفاعلين، من تلاميذ وأسر وإعلام وأطر تربوية، وأطر إدارية، ومجتمع مدني، وفق رؤية بيداغوجية تجعل من تكنولوجيا الاتصال الحديثة وما تتيحه من فرص كبيرة وعظيمة، مثل “سباقات التحدي” نفسها كما أشرنا في البداية، رافعة في التربية والتكوين، وفي تنمية السلوك المدني الصالح والمواطن في أوساط التلاميذ.

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.