الأزمي: لهذه الأسباب تدهورت المالية العمومية

25 يوليو 2013 - 07:36

 

{  لماذا وصل تدهور المالية العمومية، والوضع الاقتصادي إلى حد تسجيل عجز 7.1 في المائة سنة 2012، في وقت وعدت فيه الحكومة بتحقيق نسبة عجز في حدود 5 في المائة؟

< أولا، يجب أن نميز بين الوضع الاقتصادي والوضع المالي. فقد تأثر المغرب بالأوضاع الاقتصادية لشركائه في الخارج، وهذا التأثر جاء بسبب انكماش اقتصاديات الشركاء الأساسيين في أوربا، حيث أدى إلى تخفيض الطلب الخارجي الموجه للمغرب، وتأثر السياحة وعائدات مغاربة الخارج. 

ثم  هناك جانب تأثير ارتفاع أسعار الطاقة، والذي له تأثير على الميزانية والحساب الجاري لميزان الأداءات و الوضعية الصعبة للموجودات من العملة الصعبة. 

ثالثا، هناك عدم استقرار أسعار الصرف وخاصة الدولار، حيث إن الفاتورة الطاقية تؤدى بالدولار، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الصرف يؤدي إلى ارتفاع الفاتورة الطاقية، ونفقات المقاصة. هذا  هو الوضع الإجمالي. 

{ هل يمكن أن تشرح هذه الوضعية بالأرقام؟

< سعر الدولار كان في المتوسط سنة 2011، ما يقارب 8,08 درهم، ووصل سنة 2012، إلى 8,62 درهم، في المتوسط كمعدل، أي سجل 60 سنتيما من الفرق، مما أدى إلى تزايد نفقات المقاصة ب4 مليار درهم، وتزايد الفاتورة الطاقية، ب6 ملايير درهم. نحن نتحدث هنا فقط عن  سعر الصرف، دون الحديث عما تم استهلاكه من المواد المدعمة. 

 للتوضيح أكثر. مثلا سنة 2012، اتخذنا قرارا بالزيادة في أسعار المحروقات،  وهذا القرار وفر لنا 5 مليار و700 مليون درهم، لكن 4 مليار درهم منها ذهبت فقط في تقلبات سعر الصرف. إذن نحن لا نعاني فقط من ارتفاع الأسعار، إنما أيضا من ارتفاع سعر الصرف، وهذا له تأثير مباشر على العجز المالي للميزانية، وعجز ميزان الأداءات. 

المستوى الثاني، هو أنه يجب التمييز بين التأثيرات الخارجية ودينامية البلد، وتفادي المقارنات الخاطئة. لا يجب أن نقارن أنفسنا مع الاقتصاديات المتقدمة، التي تسعى إلى البحث عن معدلات نمو ضعيف يحتسب بالسنتيمتر، في ظل آلاف المليارات من الناتج الداخلي الخام، حيث إنه بالنسبة لهذه الاقتصاديات، إذا تحرك النمو ب0,5 في المائة، فهذا  يعد إنجازا كبيرا في هذه الظروف،  في حين أن الاقتصاد المغربي، يوجد في طور الأداء المتسارع، وهامش النمو فيه كبير، لكنه يتقلص شيئا ما بسبب الوضع الخارجي.  فمثلا، عندما نحقق 2,7 ، أو 5 في المائة من النمو، فإن الدول المتقدمة لا يمكن تحققها بسبب مستوى النمو الذي وصلته. 

{ ماذا عن تطور الصناعة، وتأثيره على النمو في المغرب؟

< فعلا، في عز انكماش الاقتصاد الوطني، نجد أن قطاعات في المغرب تحقق أرقاما مهمة، خاصة السيارات الطائرات، أما الصناعات المغربية التقليدية مثل قطاع  النسيج، فإنه  يتراجع فقط ب0,3 في المائة في عز الانكماش. إذن هناك هامش للتطور، ولهذا تسعى الحكومة لتوسيع هذا الهامش من النمو، المتاح. هناك أيضا تراجع  محدود للسياحة، وفي نهاية 2012 وقع انتعاش. نفس الأمر بالنسبة للاستثمارات الخارجية التي سجلت 29 مليار درهم سنة 2012، مقابل 25 مليار درهم سنة 2011. الجديد أيضا أن الاستثمارات الجديدة تتجه للقطاع الصناعي، وهذا توجه للحكومة، لأنه قطاع يساهم في النمو بشكل كبير ويساهم في التشغيل. 

 

{ لماذا لجأت الحكومة إلى وقف تنفيذ 15 مليار درهم من الاستثمارات العمومية؟

< في سنة 2012، كان متوقعا أن ننهي السنة بعجز 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وبعدَ النتائج النهائية  التي ظهرت في فبراير 2013،  اتضح من المحصلة أن العجز وصل 7,1 في المائة، وهذا له تفسيرات: لقد وقع تجاوزٌ للتوقعات التي بنيت عليها ميزانية 2012، ومنها أن نفقات المقاصة ارتفعت ب28 مليار درهم على ما كان متوقعا، فقد وصلت إلى 55 مليار درهم بعد أن كانت 32 مليار. ونفقات الأجور، ارتفعت ب2 مليار درهم عما كان متوقعا، بفعل قرارات الترقية الوظيفية، وزيادات بعض الفئات، وارتفعت نفقات الاستثمار أيضا ، بسبب قرار الحكومة تسريع الأداء للمقاولات، وهو قرار حكومي لدعم خزينة المقاولات، حيث ارتفعت ب2 مليار و500 مليون درهم. و ارتفعت أيضا نفقات استرجاع الضريبة على  القيمة المضافة  بمليار و400 مليون درهم.  وهذا أيضا قرار حكومي لدعم خزينة المقاولات الصغرى والمتوسطة.

{ لكن الحكومة وعدت بزيادة الموارد  وسنّ سياسة لترشيد النفقات؟

< الموارد الضريبية حققت فائضا ب6 مليارات و900 مليون درهم، وترشيد نفقات التسيير وفّرت 3 مليارات 300 مليون درهم، وزيادة أسعار المحروقات وفّرت 5 مليارات و700 مليون درهم.  لكن الفرق بين المحصلة الإيجابية والتأثيرات الخارجية، يعطي زيادة في العجز ب17 مليار درهم، أي 2 نقطة من الناتج الداخلي الخام. وهذه وضعية جديدة، أمام الحكومة. الجانب الثاني، هو حجم الإستثمارات المتوفرة في 2013، فما هو متوفر بين يدي الإدارات العمومية، ولا أتحدث هنا عن المؤسسات العمومية، هناك حوالي 78 مليار درهم.  وهناك اعتمادات جديدة مقررة في قانون مالية 2013 في حدود 58 مليار درهم، وهي معروفة، وهناك حجم آخر لا يمكن معرفته إلا نهاية السنة، وهو الإعتمادات المرحّلة، وقد توقعنا بخصوص قانون مالية 2013، أن تكون الاعتمادات المرحلة في حدود 13 مليار درهم، لكن الآن، أصبحنا أمام اعتمادات في حدود 21 مليار درهم، أي بزيادة 8 مليارات درهم، وأمام هذا الواقع، إذا نحن واصلنا بنفس وثيرة الإنجاز العادية، فإننا سنتجاوز حجم الاعتمادات التي توقعناها سنة 2013، والتي على أساسها أنجزنا توقعات عجز الميزانية، أي 4,8 من الناتج الداخلي الخام.  أيضا انطلقنا من 7,1 في المائة من العجز، وكان من الضروري أن نتخذ قرارا قانونيا بتخفيض الاستثمارات. 

{ لماذا  أصدرتم مرسوما بتخفيض نفقات الاستثمار، في حين كان ممكنا أن يتم التخفيض دون الإعلان عن  ذلك؟

< هناك من يدّعي بأن تخفيض الاستثمارات العمومية كان ممكنا ، بدون الإعلان عن ذلك، وهذا كلام آخر،  لأنه بالنسبة لنا، تقيّدنا بما يسمح به القانون، الذي يعطي الحق للحكومة أن تلجأ في مثل هذه الحالات إما إلى إصدار قانون تعديلي، أو إلى إصدار مرسوم، وهما ما يسمح به الدستور في هذه الحالة.

  في حالة القانون التعديلي،  فإنه يجعلنا وكأننا أمام قانون مالية جديد، يتعلق بمراجعة تدابير متعددة مثل الضرائب والجمارك والموازنة، وغيرها، في حين نحن أمام إجراء وحيد هو تخفيض جزء من ميزانية الاستثمار، حيث ينص الفصل 45 من القانون التنظيمي للمالية على أنه يجوز للحكومة أن تخفض جزءًا من نفقات الاستثمارات إذا دعت الضرورة الاقتصادية إلى ذلك، على أن يُتّخذ هذا القرار بمرسوم. وقد لجأنا إلى إصدار المرسوم تعزيزا للشفافية، لأننا ملزمون بإخبار البرلمان والرأي العام بهذا القرار. نحن في جو سياسي ودستوري جديد، ولم يعد ممكنا إخفاء أي شيء. كما أن هذا الإجراء يضمن التأمين القانوني لهذه الاعتمادات، وضبط تنفيذ النفقات.

{  ماذا عن توقعات التأثير الاقتصادي لهذا القرار؟

< من الناحية الاقتصادية، لابد من تنسيب هذا القرار، أي قراءته بنسبية لأنه لا يشكل سوى نسبة يسيرة من الاستثمارات العمومية والخاصة،  فعندما نتحدث عن علاقة الإستثمار بالنمو، نتحدث عن مجمل الاستثمار في البلاد، من إدارات ومؤسسات عمومية واستثمار خاص. أولا استثمار المؤسسات العمومية تمت المحافظة عليه، بل تم دعمه. في 2012 تم الإنجاز الفعلي لأكثر من 80 مليار درهم، من استثمارات المؤسسات العمومية،  ونتجه لنفس التوجه في 2013. أيضا، فإن نهج الحكومة في مجال الاستثمار هو الأفضلية للمقاولات الوطنية، وهذا في مصلحة المقاولات الوطنية ومصلحة البلد. أيضا فإن مجهود وقف تنفيذ بعض الاستثمارات يعني جميعَ الإدارات، ولم يطبق بطريقة ميكانيكية، بل بطريقة تراعي القدرة على الإنجاز، وحجم الاعتمادات المرحّلة، وحجم الاعتمادات المفتوحة، وهذا لا يمس المشاريع ذات الأولية.  إذن المشاريع المنطلقة غير معنية بالقرار، والوزارات هي التي حدّدت المشاريع المعنية بوقف التنفيذ، وكذا المشاريع التي لا تقبل التأجيل. أي أن التأجيل شمل فقط  المشاريع التي هي في طور الإعداد. 

{ هل هناك إجراءات أخرى في الطريق؟

< نعم، نفكر بشأن رزنامة إجراءات، لمواكبة الاستثمارات العمومية، وتشجيع الاستثمار الخاص. إجراءات دعم الاستثمار الخاص وتسريع وثيرة إنجازها، والمصادقة عليها، وإجراءات أخرى في طور التحضير لتسهيل الاستثمار الخاص. 

{ هل هذه أول مرة تلجأ الحكومة إلى مرسوم لتخفيض ميزانية الاستثمار؟.

< حسب معرفتي، فإنه لم يسبق أن حددت وزارة المالية القطاعات التي ستخضع لتخفيض ميزانية   الاستثمار؟

{ في نهاية المطاف، فإن قرار تخفيض ميزانية الاستثمار، يعتبر إجراءا قاصرا عن  معالجة عمق المشكل، في ظل عدم إصلاح صندوق المقاصة الذي تأخر؟

< هناك تأخر نسبي في الإصلاحات، لكن مسيرة الإصلاحات لن تتوقف، سواء في المقاصة أوالتقاعد، أوالإصلاح الضريبي، أوالعدالة ومحاربة اقتصاد الريع. طبعا، هناك ملفات تتقدم على أخرى، مثل الريع، والحوار حول العدالة، ونحن في نهاية أبريل سننظم مناظرة  حول الإصلاح الضريبي، والأمور أيضا تتقدم بشأن التقاعد، والمقاصة، وهما ملفان فيهما نقاش، لأن الظرفية تفرض الحوار، لأن الإصلاحات الكبيرة تفرض الحوار والنقاش. لكن سيأتي الوقت الذي ستتخذ فيه الحكومة القرار المناسب. 

{ لكن، هناك تأخر مكلّف؟

< نتمنى أن تكون الإصلاحات في القريب. هذه إصلاحات حتمية، لما فيه مصلحة النموذج المغربي. والتأخير مكلّف، لكن كلفته قد تُتدارك بتعبئة كافية حول الإصلاحات، ومواجهة 

عراقيل التنفيذ. لا عـلاقـة لأداء 5 مليـارات درهـم مـن مستـحقــات

 الشـركــات البـتـروليـة بـرفـع عجـز الميـزانيـة؟

{ هل صحيح بأن أداء وزارة المالية ل 5 مليارات درهم من مستحقات الشركات البترولية، في نهاية 2012، ساهم في تفاقم العجز؟

< لا علاقة لتسريع الأداءات بعجز الميزانية، الميزانية فيها موارد ونفقات، وما يحتسب في العجز من جهة الموارد، هو الموارد المحصلة، وليس شيئا غير ذلك، أما ما لم يؤدى فلا يحتسب في العجز، أما في جانب النفقات فإن النفقات التي تحتسب في العجز هي التي تم إصدارها وقيل إنها صالحة للأداء، وبالتالي هذه هي الطريقة التي نعتمدها. ثم هناك مبدأ آخر يتعلق بنفقات المقاصة، فبغض النظر عن متأخرات الأداء، فإن الذي يحتسب في العجز هو نفقات المقاصة، المستحقة، أي كم من لتر وطُنّ  تم استهلاكه في السنة، وبكم ستدعمه الدولة.

{ هل يعني هذا أنه رغم عدم الأداء، فإن المبالغ المتأخرة التي تحمل تأشيرة صالحة للأداء، لا تحتسب ضمن العجز؟

< فعلا، لأن هذه مبالغ مستحقة. ولا معنى للقول بأنه تم تسريع الأداء لتعميق عجز الميزانية،  أنا كوزير أؤكد أن هذا غير صحيح. مثلا لنفرض جدلا، أنه قررنا ألا نسرع بعض النفقات، هذا أمر غير قانوني ولن نسمح به.

{ لكن دائما هناك متأخرات الأداء؟

< لا علاقة للمتأخرات بعجز الميزانية بل لها علاقة بالتمويل، أما المتأخرات فقد احتسبت مسبقا في العجز. لا يجب الخلط بين المتأخرات، وتمويل العجز.

{ لنفرض أنه لم يتم أداء 5 مليارات درهم، هل كان ممكنا تخفيض العجز لسنة 2012؟

< لو لم تُؤدَّ، فإنها مع ذلك تحتسب في العجز، وفي السنة  الموالية، سيكون علينا أن نبحث عن تمويل هذا العجز. إن نظام المقاصة واضح، كل استهلاك سنوي للمواد المدعمة له ما يقابله من مستحقات الدولة، وهو يحتسب في العجز سواء تمت تأديته أو لم تتم.  ثانيا، لنفرض جدلا، أنه وقع تلاعب لنقل 5 مليارات درهم من عجز 2012، إلى سنة 2013،  وهذا طبعا غير مقبول، حينها في سنة 2013، كيف سنتصرف. هذا نوع من البريكولاج الذي لن نسمح به. نحن نطبق القانون، ومنطق المالية العمومية ولا شيء غير ذلك. ونحن ملتزمون بالمصداقية، ولهذا أصدرنا مرسوما بتخفيض ميزانية الاستثمار يحدد بوضوح لائحة القطاعات التي ستخضع للتخفيض، من الميزانية.

 
شارك المقال

شارك برأيك
التالي