رحلة قيادي في طالبان.. من القنص إلى رئاسة بلدية أفغانية

09 فبراير 2022 - 17:00

يتوقف دام الله مهيب الله موفق ليتبادل الحديث مع عمال ينظفون مجاري بلدة ميمنة في شمال أفغانستان مبتسما. قبل بضعة أشهر، كان رئيس البلدية الشاب هذا قناصا في صفوف حركة طالبان.

لكن قبل بضعة أشهر فقط، كان موفق من بين أبرز القناصة في صفوف حركة طالبان التي قاتلت على مدى سنوات للسيطرة على البلاد إلى أن تحقق مرادها الصيف الماضي.

وعين موفق رئيسا لبلدية ميمنة عاصمة ولاية فارياب في شمال غرب أفغانستان، في نوفمبر، أي بعد ثلاثة شهور على إطاحة الحركة بالحكومة المدعومة من الغرب واستيلائها على السلطة.

برز موفق كمقاتل شرس، إلا أن جدول أعماله بات اليوم يزخر بمهام الحكومة المحلية اليومية مثل متابعة حسن عمل شبكات الصرف الصحي مرورا بتخطيط الطرق ووصولا إلى تسوية خلافات داخل الأحياء.

ويعكس تبدل حاله التحول الأوسع الذي تشهده طالبان، في وقت يجهد عناصرها لإدارة المناطق التي سيطروا عليها.

وقال رئيس البلدية البالغ 25 عاما لوكالة فرانس برس، “عندما كنت أقاتل، كانت أهدافي محددة للغاية: إنهاء الاحتلال الأجنبي والتمييز وانعدام المساواة”.

وأضاف “والآن أيضا، أهدافي واضحة: مكافحة الفساد وجعل البلد مزدهرا”.

وأثناء تجوله في شوارع ميمنة، يأتي إليه سكان المدينة التي تعد 100 ألف نسمة بشكاوى ومقترحات تضاف إلى قائمة مهام تطول. ويقول نائبه، غير المنضوي في طالبان، سيد أحمد شاه غياشي “رئيس البلدية الجديد شاب ومتعلم والأهم هو أنه ينتمي إلى المدينة”.

وأضاف “يعرف كيف يتعامل مع الناس”.

وبخلاف عناصر طالبان الريفيين الفقراء، الذين تلقوا تعليمهم في مدارس إسلامية، يتحدر موفق من عائلة تجار أثرياء ونشأ في ميمنة، حيث تميز في الدراسة والرياضة.

وتزين تذكارات من سن المراهقة مكتبه بينها شهادة من مسابقة للفنون القتالية وشهادته المدرسية للمرحلة الثانوية.

وبعدما انضم إلى صفوف المتمردين في سن 19 عاما، تمت ترقيته ليقود وحدة صغيرة تم نشرها في ولاية فارياب.

ويصفه آخرون بأنه من بين قناصة طالبان الأكثر مهارة، رغم تحفظه على الحديث عن فترة الحرب.

لكن خلال جولة مع وكالة فرانس برس، يتوقف أمام منزل تبدو عليه آثار الذخيرة قرب قرية دوراي خويجا قوشري، حيث كانت وحدته مسيطرة في الماضي.

وهنا كان يختبئ ويحدد مواقع الجنود الأمريكيين باستخدام بندقيته، وكسب سمعته كبطل في الرماية.

وقال مزارع محلي يدعى سيف الدين “قتل أمريكيا ببندقيته من هذا المنزل، ومن ثم اقتربت طائرة وقصفته”.

ومع أنه تعذر تأكيد مسؤولية موفق عن العملية، أعلنت الولايات المتحدة في منتصف العام 2019 أن أحد عناصر قواتها الخاصة قتل خلال معارك في فارياب.

وقبل عام على ذلك، أفادت “شبكة المحللين الأفغان” أن ميمنة “تحت الحصار عمليا”، نظرا إلى “حضور واسع ولافت لطالبان”.

وكان موفق شاهدا على مقتل عدد من رفاقه خلال المعارك، لكنه تهرب من الحديث عن الفظائع، سواء تلك التي ارتكبها أو تعرض لها.

ويقول، “مررت بتقلبات كثيرة”.

واتهمت الأمم المتحدة ومجموعات حقوقية طالبان بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان منذ استولت على السلطة في غشت.

وتم تحميل الحركة المسؤولية عن مقتل أكثر من مائة من عناصر الحكومة السابقة أو قواتها الأمنية، فيما تم اعتقال ناشطات وضرب صحافيين غطوا تظاهرات نسائية.

ويبدو موفق في مظهره الخارجي مع لحيته الكثة وعمامته السوداء كأي شخصية أخرى من طالبان، إلا أنه من نواح كثيرة يمثل رمزا غير تقليدي لفكر الحركة المتشدد.

وفي أنحاء البلاد، أبعد الإسلاميون النساء عن الحياة العامة، إذ حظروا على الفتيات دخول المدارس الثانوية والجامعات إلى حد بعيد، فيما منعوهن أيضا من أماكن العمل.

لكن في مكتب موفق، سمح للنساء بالبقاء في وظائفهن وتم تخصيص حديقة عامة في المدينة لهن.

وفي ظل نظام طالبان الأول من العام 1996 حتى 2001، كان البرقع إلزاميا بالنسبة لجميع النساء.

لكن الشرطة الدينية امتنعت عن إصدار الأوامر ذاتها هذه المرة، رغم أنها أمرت النساء في العاصمة بتغطية وجوههن.

أما في مكتب رئيس بلدية ميمنة، تؤكد مديرة الموارد البشرية قاهرة (26 عاما) التي ترتدي الحجاب “لا أحد يقول لنا ما الذي علينا أن نرتديه”.

وشكلت سيطرة طالبان الخاطفة على أفغانستان مفاجأة حتى لعناصر الحركة.

لكن جهودهم لإدارة البلاد تواجه عقبات من بينها غياب الخبرة وهجرة الأدمغة والأزمة الإنسانية، فضلا عن ضغوط الدول الغربية التي جمدت أصول أفغانستان في الخارج.
عن (وكالة الأنباء الفرنسية)

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.