بوعشرين :ماذا بعد الاعتراف بفشل إدارة المدن؟

14 أكتوبر 2013 - 19:22

أول من يجب أن يقرأ هذا الخطاب جيدا وأن يتأمله ليس محمد ساجد، عمدة البيضاء الذي يستعد لجمع حقائبه والخروج من إدارة «كازا نيغرا». الذي يجب أن يمعن النظر في هذا الخطاب القوي هو وزير الداخلية الجديد، ومعه العقل السياسي والأمني للمملكة. لماذا؟ 

أقول لكم لماذا:

90% من مدن المغرب غارقة في مشاكل النظافة والإنارة والتعمير والطرق والبيئة والأمن والتنمية المحلية… دعك من غياب الثقافة والجمال وفضاءات المدنية الحديثة في حواضر المملكة، لكن، ما هو سبب كل هذه المشاكل؟ الكليشيهات المنتشرة عن سبب فشل إدارة مدننا ترجع السبب إلى صراعات المستشارين الشخصية، واستهتار الأحزاب التي لا تراقب ممثليها في المدن، ولا تهتم سوى بالمقاعد البرلمانية التي يوفرونها لها في الرباط، وجري النخب المحلية وراء مصالحها الذاتية، وانتشار الفساد والتلاعب بالصفقات العمومية، وغياب الشفافية والكفاءة. هذا صحيح جزئيا، لكنه لا يفسر الكارثة التي تعانيها مدننا منذ الاستقلال إلى الآن. الذي يتحمل المسؤولية الكبرى عن هذا الفشل هو الدولة ممثلة في وزارة الداخلية التي تعتبر المسير رقم واحد للمدن، من خلال الولاة والعمال والقياد الذين يهيمنون على إدارة العمالات والأقاليم والولايات، ولا يعيرون اهتماما للمنتخبين وقرارات المجالس المحلية. جرب أن تطلب خدمة صغيرة في حيك من رئيس المجلس البلدي، وانظر هل يستطيع، مثلا، أن يعبد 10 أمتار من طريق «محفرة» قرب منزلك حتى لو أراد ذلك، وجرب أن تطلب الشيء نفسه من الوالي أو العامل، وعاين بنفسك في يد من السلطة. دعك من القوانين والدورات الفاشلة للمجالس وصراع أعضائها. المجالس المحلية تعاني تخلف الإدارة، وضعف الإمكانيات الموضوعة بين يديها، ووصاية الداخلية. 

وحتى عندما جرى تعديل بعض قوانين التسيير الجماعي، ظل الوالي أو العامل هو صاحب الكلمة الفصل، لماذا؟ لأن الدولة تنظر بعين أمنية إلى المدن وساكنيها، ولا تنظر إليهم بعين المواطنة. عندما نضع نظاما انتخابيا فاسدا يسمح باستعمال المال والنفوذ، ويشتت الأصوات، ويضع الناخبين تحت رحمة «الشناقة»، ولا يطلب أية مؤهلات في من سيسير المدن وملايين سكانها، فماذا ننتظر أن يخرج من هذه الانتخابات سوى مجالس ضعيفة، ورئاسة تظل رهينة في يد أغلبية غير متجانسة، ووصاية قوية للداخلية. مرة أخرى جرب أن تدخل إلى مكتب ممثل الشعب، أي رئيس المجلس البلدي أو العمدة، وقارنه بمكتب ممثل السلطة، وما يحيط به من أبهة ومظاهر سلطوية، أي الوالي والعامل، وانظر إلى الفرق بين ممثل صندوق الاقتراع وممثل المخزن، حينها تدرك أن في المدينة سلطة واحدة، وهذه السلطة لا تُنتخب ولا تحاسب. 

إذن، على وزير الداخلية الجديد إذا أراد أن يطبق الخطاب الملكي، وأن يصلح أحوال المدن، أن يراجع عاجلا مدونة القوانين المنظمة لإدارة المدن، وأن ينزل الجهوية المتقدمة، وأن يراجع النظام الانتخابي المحلي والجهوي جذريا، وأن يقنع الدولة بالكف عن الخوف من النخب المحلية المستقلة ومن رؤساء مدن وجهات أقوياء ولهم منظور اقتصادي واجتماعي لإدارة شؤون السكان. الخوف الحقيقي اليوم يجب أن يكون من الفقر والبطالة، ومن اتساع التهميش وأحزمة البؤس التي تفرخ التطرف والإجرام وعدم الثقة في الدولة واحتقار القانون. 

لا بد من إعادة جمع شتات المدن في جهات وأقطاب كبيرة مبنية على معايير سوسيو-اقتصادية واضحة وتكامل بين المدن والأقاليم، وتدشين سياسة حقيقية للقرب غير فلكلورية، وتحويل عدد من اختصاصات المركز إلى الجهات، والحد من جيش المستشارين الذين وسع إدريس البصري قوائمهم كرشوة مقنعة للنخب والأعيان والشناقة تحت زعم توسيع قاعدة الموالين للنظام، والتصدي للمعارضة.

هل يمكن لأحد أن يجيب عن سؤال محرج اليوم: لماذا لم ننظم انتخابات جماعية في الأشهر الأولى لما بعد الاستفتاء على الدستور؟ ببساطة لأن السلطة كانت تخاف أن يبسط حزب العدالة والتنمية يده عليها، وأن ينتشر حكمه من المركز في الرباط إلى الأطراف في باقي المدن، وللأسف، هذه الحسابات الضيقة وافقت مخاوف باقي الأحزاب من عدم القدرة على منافسة المصباح، والنتيجة ما نراه اليوم من إفلاس لإدارة المدن، يؤدي المواطن ثمنه اليوم، وتؤدي الدولة الباقي غدا.

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي