عيد الاستقلال وذاكرة السمكة

19 نوفمبر 2013 - 16:05

 ويستعبد أهلها لا لشيء سوى لأن الغرب الاستعماري كان قويا عسكريا وتقنيا وسياسيا، فيما كانت الشعوب المستعمَرة فقيرة وضعيفة ومفككة، في عالم كان ومازال أكثر وحشية من الغابة، وبشره أشرس من الحيوانات…

وقّع السلطان مولاي حفيظ على احتلال بلاده، وذهب بعد فترة قليلة للاستمتاع بتقاعد مريح، فيما بقيت القلة من الوطنيين تقاوم بكل سلاح إمبراطورية كبيرة وجبارة لا رحمة في قلبها.

مرت 58 سنة ولم تعتذر فرنسا إلى اليوم عن جريمة الاستعمار، ولم تعوض مئات الآلاف من ضحاياها المغاربة الذين قتلتهم أو عذبتهم أو نفتهم أو شردت عوائلهم، فقط لأنهم قالوا لا لاستعمار المغرب، ولا لمس حريته وكرامته. أكثر من هذا، عندما سقطت فرنسا صريعة أمام ألمانيا النازية، وكلاهما كانا قوة استعمارية في بداية ووسط القرن الماضي، ذهب مغاربة وأفارقة إلى الحرب العالمية الأولى والثانية للقتال في صفوف فرنسا ضد ألمانيا، ثم مع فرنسا ضد شعب مقهور آخر هو الشعب الفيتنامي، حيث جرى الزج بشعب مستعمر (بفتح الميم الثانية) ضد شعب محتل… لقد بعث «هوشي منه»، الزعيم الفيتنامي، رسالة إلى محمد بن عبد الكريم الخطابي يطلب منه إصدار فتوى تحرم قتال المغاربة للفيتناميين في الحرب القذرة التي أخذتهم إليها فرنسا، وللأسف، مازال من بقي حيا ممن شاركوا في هذه الحرب يفتخرون بأنهم شاركوا في «لاندوشين» ! 

إنها فترة سوداء من التاريخ لا يريد ساسة فرنسا ولا نخب المغرب الفرانكفونية أن يتذكروها اليوم، وكأننا مطالبون بالاعتذار عن المقاومة، ومطالبون بأن نندم لأننا لم ندر الخد الأيسر لمن صفعنا على الخد الأيمن…

إنه التاريخ الذي لا يريد الكثيرون تذكره، لا في الرباط ولا في باريس. يقول المؤرخ عبد الله العروي حكمة يجب أن تدرس لأبنائنا في المدرسة.. يقول: «عدو رجل السياسة هو المؤرخ، لماذا؟ لأنه يُذكر ويتذكر».

ماذا لو حفرنا في ذاكرة الاستعمار الفرنسي والإسباني، وكيف كان يعذب الوطنيين ويقتل المقاومين، ويتلاعب بالوحدة الوطنية بين العرب والأمازيغ واليهود والمسلمين الذين عاشوا على أرض واحدة منذ آلاف السنين؟ ماذا لو تذكرنا ألاعيب المقيمين العامين ضد النخب المخزنية والأعيان والقياد والباشوات والزوايا والطرق والتجار والأغنياء، وكيف استغلوا الأغلبية الساحقة من هؤلاء لكي تشتغل ضد بلدها وحريته وكرامة أهله…

التاريخ الرسمي يصور المغاربة وكأنهم كانوا جلهم مقاومين ووطنيين وفدائيين، وهذا نصب تاريخي كبير. العكس هو الصحيح، جل «النخبة المغربية»، في دار المخزن كما في القرويين في فاس، كما في مراكش وسلا وتطوان والريف، كما في الرباط والبيضاء، كانوا متعاونين مع الاستعمار، أو خائفين على أنفسهم. القلة القليلة هي التي كانت لها الجرأة والكرامة والكبرياء لتختار معسكر الاستقلال على معسكر الاحتلال، في ظروف صعبة كان الاختيار فيها مكلفا ماديا ومعنويا. 

هل هذا تاريخ مات ولم تعد له آثار في يومنا هذا؟ أبدا، مازال المغرب إلى الآن يدفع فاتورة هذا الاستعمار الذي دخل إلى البلاد لأن أهله كانوا غارقين في الظلم والاستبداد والفساد والفرقة والجهل والتخلف، هذه هي الوصفة المثالية للقابلية للاستعمار، وهي مازالت موجودة بهذا القدر أو ذاك إلى اليوم، وهذا ما يضعف الدول والأمم، ويجعلها لقمة سهلة في فم الطامعين. الفكر الاستعماري التقليدي زال في الغرب، وترك مكانه لفكر استعماري حديث وذكي وناعم، يحصل على ما يريده من ضحاياه بكلفة أقل، وسلاحه الإعلام واللغة والاقتصاد والدبلوماسية والمعاهدات، والتخطيط الاستراتيجي الذي يجعل الدول الكبرى تغزو الأسواق الصغرى وتصل إلى خيراتها بـ«الفن».

إلى الآن مازالت إسبانيا تحتل مدينتين في شمال المغرب وجزرا عدة، ومازال جرح الصحراء مفتوحا بسبب إسبانيا وفرنسا وسياساتهما القديمة والحديثة. الكثير الكثير من المشاكل الموجودة في مغرب اليوم حول اللغة والهوية والدين والعرق والسياسة والسلطة قادمة من زمن الاستعمار الذي فرض نوعا من التحديث بقوة الدبابة، وبنى إدارة لخدمة مصالحه، وكون نخبة لخدمة إمبراطوريته، ثم خرج وترك وراءه ضحايا وخسائر ومشاكل وعقدا لم تُحصَ إلى الآن بدقة علمية كبيرة، كما ترك غنائم ومظاهر للحضارة لا تقارن بخسائره.

الاحتفال بعيد الاستقلال مناسبة لإنعاش الذاكرة التي يريد الكثيرون هنا وهناك أن يجعلوها ذاكرة سمكة.

 
شارك المقال

شارك برأيك
التالي