«الفيفا» تصب الماء البارد على رأس الديمقراطية الحسنية

20 نوفمبر 2013 - 14:25

حادثة السير التي وقعت الأسبوع الماضي بين الجامعة الملكية لكرة القدم والفيفا، وأسفرت عن سقوط نتائج انتخاب الرئيس الجديد لهذه الجامعة، فوزي القجع، بسبب ما اعتبرته أعلى هيئة كروية دولية خرقا لمبادئ الديمقراطية والتمثيلية وتكافؤ الفرص، وحق جميع الأندية، أينما كان موقعها، في التصويت.. حادثة السير هذه لا يجب أن ننظر إليها على أنها خبر رياضي سيئ.. إنها مؤشر دال على ابتعادنا كدولة ومجتمع عن أصول الإدارة الديمقراطية كما هي متعارف عليها عالميا. 

إلغاء نتائج انتخاب رئاسة الجامعة الملكية لكرة القدم من قبل الفيفا خبر انتشر في كل العالم، وأعطى صورة سلبية جداً عن المغرب في الخارج لن تفلح في محوها كل الوصلات الإشهارية التي تمولها وزارة السياحة بملايين الدراهم. 

ماذا لو كانت هناك هيئة دولية في الأمم المتحدة تراقب كل الانتخابات التي تجري في العالم وتحكم عليها سلبا أو إيجاباً، هل كانت واحدة من انتخاباتنا ستخرج بسلام من هذه الهيئة؟ إنه سؤال جدي وليس كاريكاتيريا، والغرض منه أن نقول للسلطة في بلادنا والأحزاب والحكومة والبرلمان وكل المؤسسات المعنية بالحكامة.. إن الديمقراطية والحكم الجيد عملة قابلة للصرف في كل دول العالم، وإن أحدا لم يعد مستعدا للقبول بغير الآلة الديمقراطية لتسيير الشأن العام، من أكبر شأن الذي هو الحكم، إلى أصغر شيء الذي هو الرياضة ولعبة كرة القدم.. الديمقراطية، بما هي انتخابات نزيهة وشفافة ومتساوية الفرص بين الجميع، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو لغتهم أو لونهم، الديمقراطية بما هي قانون الأغلبية والأقلية، وحرية الاختيار، وحق الأغلبية في الحكم والأقلية في المعارضة، وحرية الإعلام وتعدديته وفصل السلط، واستقلالية القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام حقوق الإنسان وحرياته الفردية، وتقديس الحق في الحياة وحفظ الكرامة…

هذه هي قواعد اللعبة الديمقراطية، وهي لم تعد إيديولوجيا أو فلسفة يقبل بها الأمريكي ويعارضها الهندي ويتعايش معها الفرنسي ويتبرم منها الإفريقي، أبدا، الديمقراطية صارت مكسبا حضاريا للبشرية جمعاء، وهي أثبتت فعاليتها ومردوديتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي ليست بالنظام المثالي، لكنها الأقل سوءا بين كل الأنظمة التي وجدت إلى الآن، وهذا ليس كلاما إنشائيا ولا حكم قيمة، كل المؤشرات الكمية والكيفية تقول إن الدول الأكثر ديمقراطية هي الأقوى اقتصاديا وسياسيا وعلميا وتكنولوجيا، ومواطنوها الأكثر سعادة وكرامة واستقرارا.

إن حكاية الخصوصية المغربية التي أجل بها نظام الحسن الثاني المطالب الديمقراطية لعقود كانت كلفتها غالية جداً، ومازلنا ندفع خسائر هذه المقاربة، التي كان يسميها مولاي أحمد العلوي الديمقراطية الحسنية، إلى الآن، والتي حاولت أن توظف مخزون التقليدانية في مجتمعنا لضرب أسس الممارسة الديمقراطية، لا لشيء فقط لكي يبقى بين يدي القصر أكبر حجم من السلطة، ظنا منه أنه بهذا الاحتكار السياسي سيحافظ على وجوده أمام معارضة راديكالية أو متآمرة.

مع المدة صارت حكاية الخصوصية إيديولوجيا قاتلة للتطور والانفتاح، وجرى تجنيد فقهاء السلطة والنخب التقليدية والمولوية لترويج هذه الخصوصية بغلاف ديني وثقافي على اعتبار أن معتنقها مغربي أصيل له جذور ضاربة في التاريخ، ومسلم صالح ضد التغريب وضد التفريط في الهوية. لقد مولت السلطة آلاف الملتقيات والمنشورات والخطب والصحف والمجلات لترويج هذه الأطروحة حتى صارت من الثوابت، وأصبحنا أمام نظام سياسي معقد يقاوم التحول الديمقراطي بمناعة داخلية كبيرة، وينتج باستمرار تلقيحا مضادا لأي تحول عميق لبنيته السلطوية، ومازال هذا المشكل إلى اليوم، وهو لا يهدد فقط معارضي النظام بل يهدد استقرار البلد ككل، وفرص انتقاله إلى نادي الأمم المتقدمة. 

الدولة إلى اليوم تستغل ضعف المجتمع ومحافظته، وتواطؤ جل النخب التي اختارت أن تجاري النظام طمعا أو خوفا، للحفاظ على حكاية الخصوصية هذه التي تقتل الديمقراطية.

جوزيف بلاتر وحتى دون أن يدري بحكاية الخصوصية هذه سكب عليها الأسبوع الماضي ماء باردا، وترك المغرب عاريا أمام الأمم باعتباره لا يعرف كيف ينتخب جامعة لكرة القدم، فكيف سينتخب برلمانا وحكومة؟ كيف؟

 
شارك المقال

شارك برأيك
التالي