الزروالي: السياسيون أخذوا أدوارنا المسرحية ونحن نرفض أداء أدوارهم

09 ديسمبر 2013 - 21:03

معتبرا في حوار مع « اليوم24» أن فكرة الدعم كفكرة من حيث كونه مطلبا مشروعا هو شيء لا نقاش فيه. لكنه يتحفظ على قيمته، لأن الدعم الذي لدينا دعم نسبي قياسا إلى الدعم الذي يترقب تطوره وفق تطور ميزانية وزارة ميزانية الثقافة، مؤكدا أن السياسيين أصبحوا هم من يزاول المسرح يوميا، والمسرحيون هم من يتفرج عليهم…

 

‭{‬  كيف ترى وضع المسرح في المرحلة السياسية الراهنة؟

< المسرح لم يحظ بعد بوضعه الاعتباري، وفي ظل هذه الوضعية لا ننتظر خيرا. فالفرق المسرحية الوطنية بشكل عام، والمتخرجة من المعهد الخاص، قدمت نتائج إيجابية، لكنها وجدت نفسها أمام هيمنة الفنون الاستعراضية والقنوات التلفزيونية وكرة القدم، فأصبح السياسيون هم من يزاول المسرح يوميا، ونحن المسرحيون من يتفرج عليهم. ومن سوء حظ هذه الطاقات التي تخرجت مؤخرا، والتي تبحث عن سبل لترك بصمتها، أنها ستجد صعوبات جمة لتكمل مسارها، وفي غياب أي دعم إعلامي.

 

‭{‬ بخصوص تجربة المسرح الفردي، هل مازالت تعتقد أن بإمكانه النجاح والصمود في ظل الوضع الذي ذكرته؟ 

< أقول دائما: «جرب فصحّ»؛ أعتقد أن التجربة التي صمدت كل هذه السنوات، وواكبت أجيالا في تطور أذواقها، لا يمكنها إلا أن تستطيع ذلك. وتجربة المسرح الفردي «يا قاتل يا مقتول»، وقد جربها مسرحيون مغاربة كبار غيري ولم يستطيعوا الاستمرار». في تجربتي أبحث دائما عن أسلوب فني يجعل حتى الخصم يصفق لي.

 

‭{‬ هل لديك جديد مسرحي فردي؟

< أشتغل حاليا على مسرحية «روبورطاش»، بمعنى «أزل الوسخ»، سأخرجها إلى الوجود شهر مارس المقبل. وأظن لو أني جمعت عناوين مسرحياتي وحدها لمنحتني نصا مسرحيا كاملا، وبين هذه المسرحيات 15 مسرحية جماعية، أذكر منها «هامليت» لشكسبير التي بعت في سبيل تمويلها أغراضي وأملاكي.

 

‭{‬ هل استطاعت سياسة الدعم الارتقاء بالعمل المسرحي وتمنحنا فرقا مسرحيا أم أن الحصيلة هي العكس من ذلك؟ 

< فكرة الدعم كفكرة من حيث كونه مطلبا مشروعا هو شيء لا نقاش فيه. لكني أتحفظ على قيمته، لأن الدعم الذي لدينا هو دعم نسبي قياسا إلى الدعم الذي نترقب تطوره وفق تطور ميزانية وزارة ميزانية الثقافة، التي تحتاج الآن إلى ترشيد تدبيرها من أجل منحنا دعما حقيقيا لإنتاج إبداعات مسرحية حقيقية.

كما أن الدعم جاء في ظروف كثرت معها التجارب والفرق والميزانية محدودة. غالبا في كل سنة، هناك دعم يهدف إلى إرضاء أكبر عدد ممكن من الفرق وتقليص القيمة المادية للدعم.

 

‭{‬ هل هذا الأمر يخدم المسرح؟

< لا يخدمه، وفي هذا الصدد أطرح السؤال التالي: هل هذا الدعم يرتقي بالإبداع، أم أنه جاء من أجل تسكين وتهدئة هذه التجارب والأسماء، من أجل تحقيق ما يسمى بالإنعاش المسرحي؟ 

 

‭{‬ وأين يكمن الجواب عن السؤال إذا ما طرح عليك السؤال نفسه؟

< بالنسبة إلي، أعتقد أن هذا الدعم يسمى دعم المسرح الاحترافي، في حين أن 80 في المئة من هذه الفرق التي تحظى به لا تتوفر فيها شروط الاحترافية. لأنها هاوية شبه محترفة، فنحن لا نملك فرقا محترفة بالمفهوم الحقيقي. ولو تم حصر الدعم في الفرق التي تتوفر فيها شروط الاحتراف، سنجد أنفسنا كل سنة أمام 15 أو   20  فرقة. بل أقل من ذلك أحيانا، فقد اكتشفت حين كنت عضوا في لجنة الدعم أن من بين 80 نصا رشح نفسه لنيل الدعم لا يوجد سوى 5 نصوص أعمال لا تتعدى كونها متوسطة.

 

‭{‬ ذكرت شروط الاحتراف عم تتحدث تحديدا؟ 

< أن تنتمي الفرقة إلى شركة لا جمعية، لأن المال العمومي لا يمنح لجمعية أو مجموعة من الناس، وإنما لشركة لها ميزانية وتقرير مالي سنوي فيه محاسبة، وتؤدي ضرائب فصلية وسنوية، وتحترم مجموعة من القوانين، كما تضمن حقوق الممثلين، وبالتالي لها الحق في الاستفادة من مجموعة من الحقوق بخلاف جمعيات الهواة، التي لها قانون خاص وتخضع لوزارة وصية أخرى، وأنا هنا لا أقصي أحدا من الاستفادة وإنما أحرص على ما هو قانوني والقانون يقول إن الدعم هو دعم المسرح الاحترافي.

 

‭{‬ يعني أن هناك خللا قانونيا في صرف هذا الدعم؟

< أجل، لأن الوزارة لا تطبق القانون مبررة ذلك بكون كل الفرق التي تتقدم لطلب الدعم هي فرق تؤدي المسرح ولا فرق بالنسبة إليها بين هاوٍ ومحترفٍ، أو خريج معهد أو غيره. وفي ظل خلط الأوراق هذا تزعم كل جهة بحقها الشرعي في الدعم بحكم اشتغالها في عدد من الأعمال أو غيرها.

في المسرح كل شيء في كفة واحدة لا تدقيق ولا قانون، «كلها يلغي بلغاه» وليست هناك مقاييس دقيقة وموضوعية تحدد ما هو مفهوم الدعم ولماذا جاء.

إذن في ظل هذا الخلط، لا يمكن أن نجزم بإأن الدعم يؤدي وظيفته الأساسية التي هي الارتقاء بمستوى الابداع. هذا الدعم قد يسعف في بعض الحالات ويعطي فرص الاشتغال من الناحية الاجتماعية لأكبر عدد ممكن من المحسوبين على هذا الميدان، ولكنه لا يقوم بوظيفته الأساسية لرد الاعتبار للمسرح وصيانته من العشوائية والتسيب، وإرضاء ما يترقبه الجمهور.

 

‭{‬ لو كانت لديك سلطة القرار ما هو الحل الذي تقترحه؟

< لو كانت لدي سلطة القرار، لفضلت دعم 1O أعمال بميزانيات كبيرة وبمحاسبة ومراقبة دقيقة من أجل تقديم أعمال تبهر، بدل دعم  50عملا لا ترقى إلى المستوى المطلوب. كما أنني مع اختيار الحكم على العرض بدل اعتماد الملف في طريقة صرف الدعم، لأن هناك كم كبير من الفرق التي تتقن إعداد ملف للحصول على الدعم ولا يتقنون ممارسة المسرح، كما أن هناك مجموعة من التجارب التي تتقن فن المسرح، لكنها لا تعرف كيف تهيء ملفا لطلب الدعم. وهذا إشكالية كبيرة، وكثيرا ما أجهضت هذه التجارب حين تقدمت لنيل الدعم. 

ولو كنت وزيرا للثقافة، لعملت على نقل مهرجان المسرح الوطني بشكل مباشر، بكل تفاصيله مثلما هو الشأن بالنسبة إلى نقل مباراة في كرة القدم. 

 

‭{‬ تحدثت قبلا عن أزمة الابداع وقلت إن النصوص المستحقة لأن تكون مسرحيات قليلة، كما أن أغلب المسرحيات مقتبسة، لماذا في رأيك؟

< يا ليتها نصوص مقتبسة، لأنها في الحقيقة نصوص «مختلسة»، ولا يقر من يتقدم بطرحها بذلك، وقد واجهت عددا كبيرا منها لدى مشاركتي في اللجنة التي تدرس ملفات طلب الدعم. كما أن المعاهد المختصة لدينا لم تخرج يوما كاتبا مسرحيا واحدا، وبالتالي، فاللجوء إلى مسرح الصورة أو مسرح الاقتباس من نصوص الغرب، ليس اختيارا، بل إنه تعبير عن الفقر، تبعا لعدم أهليته للكتابة. كما أن هناك الآن محاربة لكتاب النصوص من الداخل والخارج.

 

‭{‬ أليس لهذه النصوص المقتبسة تأثير على الهوية الخاصة؟

< هذه النصوص المقتبسة لا تقدم نفسها كقيمة أدبية ذات مستوى عال فقط، بل تقدم نفسها كحمولة وهوية وثقافة وقيم ضمنية. ونظرة الغرب إلى كيف يجب أن يكون مسرحنا هي نظرة تهدف إلى الرهان على الجانب الذي يقتل جوهرنا، ولتحقيق ذلك، يتم الآن تكوين شباب في المعاهد وتمنح لهم فرصة المشاركة في المهرجانات، كما يتم دعمهم من خلال مراكز ثقافية لترويج مسرح يخدم الثقافة الاستعمارية التي ما تزال تمتد بأشكال جديدة. 

وفي هذا الصدد تعرض الآن في عدة أقطار مسرحيات ممولة من عدة جهات، فرنسا وألمانيا وإنجلترا وأمريكا، التي تشجع عددا من المسرحيات التي تخدم استراتيجيتها في كل بلد، وتجعل من المسرحي أداة لرسم ملامح الثقافة التي تريد.

 

‭{‬ المسرح في الوقت الحالي يشهد تراجعا على مستوى التيمات التي يعالجها بخلاف سنوات السبعينات والثمانينات التي اتسمت بالجرأة في ملامسة مختلف المواضيع رغم تقييد الحريات آنذاك، هل صارت السياسة طابوها للمسرحي؟

< في تلك المرحلة كان الابداع قرينا بالوعي السياسي، ولم يكن هناك تضخم جانب منهما على حساب الآخر، بل كان هناك تكامل.

 

‭{‬ وماذا عن المرحلة الحالية؟

< الآن، لم يعد مطلوبا من المسرح أن يقوم بهذه المهمة، لأن ما يقدمه الإعلام ينوب عن كل ما يمكن أن يقدمه المسرح.

 

‭{‬ ألن يلغي هذا دور المسرح في الرقي بالوعي؟

الأمر لا يتعلق بالإلغاء، بل فقط، على المسرح أن يبحث لنفسه عن قضايا تفوق اليومي المتداول. لأن المسرح هو الكوميديا والتراجيديا، واليوم صار صعبا أن تمارس هذا أمام مواطن لم تعد له القابلية للضحك، ولا التأثر بمشهد مسرحي درامي، وهو الذي يقضي يومه في مشاهدة المجازر عبر التلفاز، حتى وهو على مائدة الطعام.

 

‭{‬ لكن الرهان على هذا هو ما يؤكد على موهبة واحترافية الفنان..

< المشكل لا يمكن في النقص الذي ذكرت، وإنما يتعلق بكون الواقع صار أغرب من المتخيل الذي يمتح منه الفنان المسرحي. صحيح أن هناك إبداعات، لكن من الصعب الوصول إلى درجة عالية من التواصل مع هذا المتلقي المشحون بما يشاهده ويعيشه يوميا.

 

‭{‬ هذا المتلقي الذي تحدثت عنه، يمكنه أن يتجاوب مع المسرحي إذا طرح بالأساس القضايا التي تلامس عمقه اليومي ويتفاعل معها..

< صحيح، وبصفة عامة الأعمال التي تقدم خلال السنة في المغرب لا تحيد عن هذا التوجه، وبصفة خاصة أعمالي التي قدمتها في السنوات العشر الأخيرة، مثل «كرسي الاعتراف» و«نقب واهرب» و«نيرودا». ويمكن أن أقول في هذا السياق إني صاحب رقم قياسي في الجرأة السياسية عبر مسار أعمالي كلها بدون استثناء. 

 

‭{‬ لكن هذا التناول كان بشكل عام فضفاض؟

< أكاد أفهم من كلامك أن المسرح يجب أن يكون وسيلة لغاية أخرى. وفي هذا أقول لا. لأن المسرح سقط في فخ التضليل خلال الستينات والسبعينات واستخدمته الأحزاب التي كانت في المعارضة في سعيها إلى السلطة، وتحقيق مصالحها الخاصة، وعبؤونا بالشعارات والوعود وبالمفاهيم والقيم وصدقناها لأننا كنا نؤمن بها في إطارها الكوني لا المحلي فقط، قبل أن نكتشف أنهم يستعملوننا كمسرحيين لتحقيق غاياتهم السياسية. بدليل أنهم بعد وصولهم إلى السلطة لم يقدموا لنا شيئا مما كنا نترقبه.

 

‭{‬ من تقصد بالضبط؟

كل المتعاقبين على السلطة منذ ذلك الحين إلى اليوم بدون استثناء، وإلا بماذا نفسر تراجع المسرح في الوقت الحالي، فمجموعة من الأمور التي كنا نعتبرها مكاسب في سنوات السبعينات صارت اليوم في 2013 مطالب.

 

‭{‬ مثال عن هذه المكاسب؟

< مثلا في سنة 1968 وصل مدخول جمعيتنا «المسرح الشعبي» في فاس إلى 20 ألف درهم في السنة، كجائزة المهرجان ومنحة الشبيبة والرياضة، وهذا المبلغ يعادل اليوم 700 مليون سنتيم. 

اليوم، مثلا، جوائز المهرجان الوطني للمسرح بمكناس استمرت على مدى سنوات بلا قيمة مادية، إلى حدود السنة الماضية، بعد الضغط الذي مارسناه على المهرجان.

شخصيا حصلت على سبع جوائز ولم أطالب بشيء، فقط طالبت بأن تطبع الوزارة المعنية النصوص التي تفوز في كل مهرجان. ولا شيء تحقق من هذا. كل ما يحصل عليه المسرحي المتوج هو «حديدة» يحملها ليضعها في زاوية ما «وتبقى تشوف فيها.. ضرب راسك بها شي نهار».

 

‭{‬ هل يعني ذلك أن المسرح لايدخل ضمن اهتمامات الدولة؟

< المسرح غير مرغوب فيه، وهو غير وارد في صلب اهتمامات الدولة المغربية، يمثل لها فقط، «مكياجا» أو إلهاء وتسلية و»مرة مرة كترش على المسرحيين شوية ديال الدعم».

 

‭{‬ هل يمكن أن نقول إن هذا الدعم يمثل (رشوة) للمسرح حتى لا تمرر عبره رسائل لا يراد لها أن تمر؟

< نحتاج إلى مسرح موجود كما المصحات، فأنا لا أومن بكلمة مركب ثقافي، وإنما بـ«العيادة المسرحية»، ولو كان الأمر بيدي لأسست إلى جانب كل مصحة ومدرسة و«كوميسارية» عيادة مسرحية لأن مجتمعنا يعاني مجموعة من الأمراض، وهي الفراغ والملل والاكتئاب، والشعور باللاجدوى، وهو ما يخلق لنا شبابا مدمنا، متطرفا كثيرا ما يتجه نحو أنواع الإجرام، الذي نحتاج وسائل حقيقية إلى محاربته، ومنها الثقافة والفن والمسرح في مقدمتها، وهو حق طبيعي يجب أن يناله المواطن المغربي ليكون متوازنا، بدل شحنه وإلهائه بأشياء أخرى.

 

‭{‬ مثل ماذا؟

< مثال كرة القدم التي شجعتها الدولة منذ السبعينات والثمانينات لتخدير المواطنين وإبعادهم عن الاهتمام بالثقافة والمسرح، وصرفهم عن العمل السياسي والثقافي.

 

‭{‬ أما يزال هذا النهج مستمرا في اعتقادك؟

< أجل، لكنه خيب آمال من راهن عليه. فالدولة اليوم، لم تكسب حتى رهان جمهور رياضي حقيقي، وما الشغب والعنف الذي تعرفه الملاعب إلا دليل على ذلك، عنف أدى في كثير من الأحايين إلى القتل.

الملاعب اليوم، لم تعد فضاءات لممارسة الرياضة أو أماكن للتخدير، وإنما مستنبتا لتفريخ المجرمين والمخربين، ولذلك، صار يضرب ألف حساب لمباراة كرة القدم باعتبارها هي مصدر الفنتة، وليس المسرح كما تم الاعتقاد سابقا للأسف. وهذا الشغب لم يحدث يوما في فرجة مسرحية.

 

‭{‬ في جوابك عن أحد أسئلتي السابقة ذكرت مهرجان مكناس الوطني للمسرح، كيف تفسر تكريمك فيه هذه السنة في وقت كنت وصفت خلال دورة 2012 المسرحيين بـ»الشناقة وطيابين العنب»؟

< قلت ذلك لأن المسرح المغربي، سواء تعلق الأمر بمسرح الهواة أو المحترفين، مليء بالمنتسبين، أشخاص ليسوا فاعلين حقيقيين في المسرح، دخلوا المسرح وحصلوا على بطاقات محترفي المسرح دون أن تتوفر فيهم الشروط الحقيقية. وهو ما أوصل عدد المنخرطين في المسرح إلى حوالي ألفين فرقة مسرحية، ليسوا جميعا محترفين، فصارت نقابة محترفي المسرح كحزب يتباهى بقاعدته. وهذا لا يليق بالمسرح، الذي يحتاج إلى ضوابط، لو توفرت حقيقة لما تعدى عدد المنخرطين ما بين 250 إلى 300 محترف، قبل  15سنة، ولكانت الأمور أسهل لتشكيل حوالي 15 أو 16 فرقة مسرحية، كما هو الشأن بالنسبة إلى الرياضة، حيث تمثل كل جهات المغرب وتقسم عليها ميزانية الدعم بشكل متساو، يمكن معها إحداث منافسات ومهرجانات فصلية وسنوية، وجوائز وغيرها.. في الغرب الذي لا يمارس فيه المسرح إلا من أثبت قدراته في جميع المجالات بخلاف المغرب الذي صار المسرح اليوم شغل من لا شغل له، وهو الأمر الذي عانيناه أيضا في سنوات سابقة، وهو ما جعلني سنة 1983، السنة التي شهد فيها المسرح وضعا متدهورا، أمضي في سبيل تأسيس معهد المسرح في المغرب، حين كنت أشتغل في ديوان وزير الثقافة بلبشير آنذاك.

كثير من الأشخاص بنوا أمجادهم في مراحل سابقة من المسرح المغربي، وإلى اليوم يوجدون، وفي اعتقادهم أنه يكفي الوقوف على الخشبة وانتقاد الوزراء، ليصفق لهم الجمهور. أنا مع حرية التعبير القائمة على ضوابط فنية وأسلوب راق وممتع إلى أقصى حد، لا أن نركب على فكرة الالتزام والنضال من خلال المسرح والانتشاء بعقدة الاضطهاد التي يعاني منها كثير من الممارسين للمسرح والذين يعيشون مرحلة من المراهقة السياسية في المسرح، وهي مرحلة مررنا منها وتجاوزناها في الفترة التي تحدثت عنها.

والجمهور في هذه الأعمال لا يصفق للقيمة الابداعية للعرض المسرحي، وإنما لخطاب الجرأة، فتلتبس المقاييس.

هناك أعمال إبداعية كبيرة وقعت ضحية فراغها من الالتزام السياسي الذي يرضي شريحة واسعة من المتلقين والنقاد المهتمين بالشأن المسرحي. ولهذا أقول إنه ليس ضروريا أن نوجه المسرح المغربي كله في خط واحد لأن المغرب ليس خطا واحدا وإنما يمثل أذواقا وأمزجة وانتماءات مختلفة، تجلس أو تقف جنبا الى جنب.

قبل المرور إلى الالتزام بالقضايا المجتمعية علينا أن نؤسس مسرحا أولا حتى لا تنفلت علينا المقاييس ونسقط في دوامة خلط الممارسة الابداعية بالممارسة السياسية؛ وفي هذا السياق أقول «أنا مع الجرأة وضد الضسارة»، مع السياسة يجب أن تكون بمنزلة ملح الطعام في المسرح، وألا يكون العرض كله مبنيا على أهداف سياسية من أجل التوعية أو من أجل معالجة قضايا سياسية أو اجتماعية، يجب أن تتوفر الفرجة المسرحية أولا، وضمن هذه الفرجة المسرحية، اللغة الراقية التي تميز المسرح، اللغة الموغلة في البحث سواء كانت «دارجة» أو أمازيغية أو أي لغة أو اللالغة أحيانا، وضمن هذا المسرح علينا أن نناقش أين تلتقي القضايا التي تمثل نبض المجتمع.

خلاصة القول يمكن التأكيد على أن السياسيين هم من يتدخلوا في اختصاصنا المسرحي، فلقد أصبحوا أكثر منا ممارسة للمسرح من خلال السياسة، ونحن لم نعد نرتاح لممارسة السياسة في المسرح بسببهم. لأنهم جعلوا من السياسة مسرحا، ونحن لا نريد جعل المسرح سياسة.

 

شارك برأيك