انتشار الفكر الانفصالي

12 ديسمبر 2013 - 15:23

 كل واحد منها يفرز تهديدا يزيد الأول تعقيدا، وحين يتطلب الأمر من دولة معينة إيجاد حل لتهديد واحد أو اثنين عليها، فهي لن تنجح ما لم تفكر في حلول لكل التهديدات المترابطة في ما بينها. مثال ذلك «الفكر الانفصالي» الذي انتشر في الأقاليم الجنوبية للمغرب، كما توجد أنوية له في الريف. وليس مفاجئا أن يكون هذا التهديد مرتبطا بالتهديدات التي يفرضها عدم استكمال الوحدة الترابية إلى حد الآن، وإن كانت له أسباب أخرى، ربما، تبرر وجوده وانتشاره.

مصطفى ناعيمي، أكاديمي مختص في التاريخ، يرى أنه سواء في الصحراء أو الريف «ليس هناك فكر انفصالي لحد الآن»، بل هناك «ممارسات انفصالية غير متجذرة فكريا»، لماذا؟ يجيب ناعيمي بأن الانفصال في الصحراء غير ممكن حتى وإن دعت إليه البوليساريو ومارسته منذ أربعة عقود، لأنه «مرتبط بالبنيات الاجتماعية والعائلة الممتدة وعلاقات القرابة»، وهي عناصر تهيكل النسيج الاجتماعي في الصحراء، وتجعل الممارسة الانفصالية لحد الآن «بدون فكر انفصالي».

بيد أنه من دون شك أن هناك أجيالا بالصحراء تمارس الانفصال كقناعة سياسية. تُبرر تلك الأجيال ممارساتها تلك بما هو سياسي كمنطلق. في الصحراء، يحيل أصحاب الدعوة الانفصالية على أدبيات جبهة البوليساريو التي تطالب بالانفصال عن المغرب منذ بداية السبعينات، أما في الريف فإن المجموعات (تنشط أساسا في أوربا) التي تدعو إلى الانفصال فهي تحيل على التجربة السياسية للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي، مؤسس «جمهورية الريف» الشهيرة، التي كان مقرها أجدير (1921-1926) نواحي مدينة الحسيمة.

في زمن الحسن الثاني لم تكن الدعوة إلى الانفصال، فقط، من قبل البوليساريو في الصحراء أو ناشطين في الريف، بل كانت تجد صدى من لدن قيادات في أحزاب أو مجموعات سياسية تبنت موقفا مساندا للبوليساريو، فقط لأنها تريد ابتزاز نظام الحسن الثاني. أما اليوم فإن التطور الجديد الذي بدأ يتبلور فهو تبني الخطاب نفسه من ناشطين محسوبين على الحركة الأمازيغية يدعون علانية إلى «دولة تمازغا»، ولا يتورع بعضهم عن القول إن «العرب مستعمرون يجب طردهم»، والحديث عن «القومية الأمازيغية».

لماذا يشكل الانفصال خطرا وتهديدا على مستقبل المغرب؟ الجواب في تجارب عدة دول أبرزها السودان الذي انقسم إلى دولتين، وليبيا التي قد تعود إلى ما قبل المرحلة الاستعمارية حيث كانت ثلاث إمارات، وكذلك مالي التي اشتعلت فيها حرب لا يبدو أنها ستتوقف. ناعيمي يرى أن الانفصال عادة ما «يدفع الأنظمة الممركزة إلى الانفجار»، لأنه حين تكون هناك دولة مركزية لا تقبل بالديمقراطية ولا بالرأي الحر المخالف، فإن مصيرها أن تتعرض للتفتت، وهو أمر وارد حتى بالنسبة إلى الجزائر.

التسلط وغياب الديمقراطية غالبا ما يكون المبرر العام، أما المبرر الخاص الذي تستغله جبهة البوليساريو خاصة، فهو حقوق الإنسان والتضييق على الحريات، وهي ورقة ذات حدين، تستعملها البوليساريو لأنها جذابة ومثيرة لأكثر من طرف للقول إن المغرب غير جدي في مبادرته المتعلقة بالحكم الذاتي، بينما تسعى إلى تقليص سيادته على الصحراء عبر توسيع مهام بعثة المينورسو. لكن يمكن للمغرب أن ينزع من البوليساريو تلك الورقة إذا هو أسرع في إقرار وإنفاذ الخيار الديمقراطي، خصوصا النهوض بحقوق الإنسان في أبعادها الشاملة والكونية.

 
 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي