ومع ذلك فهي تدور

03 يناير 2014 - 18:03

 فقد اقترنت اللحية الكثة في ذهني، ولسنوات عديدة، بالتجهم والنظرة المخيفة، ولكني دربت نفسي بعد لقائي بتولستوي وغيره على قبول الفكرة التي تربط بين اللحية، بمختلف أشكالها، والوقار والحكمة ورجاحة العقل. 

ويبدو أن «الشيخ» عبدالحميد أبو النعيم لا نصيب له البتة في هذه الصفات مثلما لا نصيب له في اسمه، لأنه سمح لنفسه، دون رفة جفن، أن يهدر دم مغاربة آخرين، فقط، لأنهم يختلفون عنه ولا يقاسمونه تأويله الضيق مثل خرم إبرة للنص القرآني.

إن الذين يجرؤون على تكفير الآخرين، وبالتالي يعطون الضوء الأخضر لقتلهم، يفعلون ذلك، لأنهم سجناء وهْمٍ جعلهم يظنون أنفسهم امتدادا للسلطة الإلهية على الأرض، فقط لأن بعض الناس سمحوا لهم بإمامتهم في صلواتهم اليومية.. فقط لأن بعض الناس يتحلقون حولهم بين الفينة والأخرى للإنصات إليهم.

واعتبروا أن هذا الأمر كاف لكي ينصبوا أنفسهم أوصياء على الدين، وجعلوا فهمهم القاصر لهذا الدين، النابع من تأويل ضيق للنص القرآني الرحب، المرجع الوحيد والصحيح للإيمان.

إن التكفيريين عموما، بمظاهرهم وبأفعالهم يُعطون صورة مشوشة ومخيفة عن الدين.. فهم يلبسونه لحية كثة منفرة، ويعطونه وجها متجهما، منقبض الملامح، قاسيا، عنيفا، مخيفا، دائم الصراخ ولا يكف الزبد عن التطاير من فمه. 

والحال أن الدين عكس ذلك مبدئيا، فهو ليس صخرة مخيفة جامدة لا تتحرك، بل هو جدول ماء عذب منعش للنفس، يسيل رقراقا.. يسير هادئا في مجرى لا يكف عن التجدد والتأقلم مع التضاريس المجتمعية التي لا تكف عن التحول.

والدين ليس فظا، وإلا كان الناس انفضوا من حوله.. ولا يقابل من يسأله ويسائله بالصراخ والتهديد والتكفير، بل يجنح إلى الحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن. ويبدو أن الكثير ممن نصبوا أنفسهم متكلمين باسم الدين يعانون من غياب مزمن لهاتين الخصلتين.

والواقع أن الفكر التفكيري يشكو من أمراض كثيرة، وليس فقط من غياب هذين الخصلتين الحيويتين لتوازن أي فكر. فهو يعاني كذلك، من قصور النظر الذي يجعله يرى الكون بلونين فقط، ويقسم العالم إلى فسطاطين لا غير.. فسطاط الذين ينضوون تحت لوائه وهم «المؤمنون» بالنسبة إليه، وفسطاطُ كل الآخرين وهم «الكفرة» لأنهم تجرؤوا على تبني فكر مختلف.

الاتجاه التكفيري كسول وخائف، لذلك، فهو يكره الاختلاف لأنه يحفز على التفكير، ويطمئن إلى الخدر الذي ينشره مخدر التنميط في الفكر والبدن على حد سواء. وبما أنه فكر ذكوري بامتياز، فهو يكره الأنثى لأنها تجسد ذلك الآخر المختلف.. ذلك الآخر الذي يمثل الحياة في كل زخمها.

ومع ذلك، ورغم كل الصراخ والتهديد والأموال التي تأتيه من حيث يحتسب ولا يحتسب، ورغم ما يمكن أن يخلفه من خسائر، فالفكر التكفيري مآله الزوال، لأنه «يحمل في طياته بذور تدميره»، كما قال كارل ماركس مرة وإن في سياق آخر. فالنمطية التي يرتكن إليها مثل زواج الأقارب («الزواج الداخلي» «endogamie») الذي لا ينتج عنه سوى كائنات مشوهة ومعوقة بدنيا وذهنيا. 

ولن ينتصر سوى الفكر التجديدي، سواء في الدين أو السياسة أو غيرهما.. ذلك الفكر الذي يطرق الأبواب الموصدة ولا يخاف الانخراط في السبل التي لم يسبق لأحد الاقترب منها. 

فقبل قرون، اضطهد غاليلي وأُرغم على التراجع عن قناعاته العلمية بخصوص دوران الأرض، وحكم عليه بالإقامة الجبرية من طرف محاكم التفتيش، وعند خروجه من قاعة المحكمة قال جملته التي مازال يتردد صداها في الكون وستظل إلى ما لا نهاية: «ومع ذلك فهي تدور»، بينما طوى النسيان إلى الأبد كل الذين حاولوا كتم صوته التجديدي. 

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي