«داسو غيت».. الفضيحة التي هزت فرنسا وأصابت المغرب

10 يناير 2014 - 21:25

يبدو أن مسلسل  «سيرج داسو»، مالك أكبر شركة لتصنيع الأسلحة بفرنسا، مع القضاء الفرنسي سيكون طويلا جدا، بالخصوص بعد أن استطاع في هذه المرحلة الاحتفاظ بحصانته البرلمانية؛ وهو الأمر الذي سيحول دون توقيفه أو تفتيش بيته أو مكتبه في إطار التحقيق في الشكاوى التي تتهمه بشراء الأصوات في  «كوربي-إيسون» (جنوب شرق باريس)، ومحاولة التخلص من معارضين له في تلك البلدة، ومن بينهم مهاجرون مغاربة.

وقد استطاع الثري الفرنسي أن يحافظ، أول أمس الأربعاء، على حصانته البرلمانية بفارق صوت واحد، إذ صوت 13 عضوا بمكتب مجلس الشيوخ ضد رفع الحصانة عنه، مقابل 12 صوتا، بينما امتنع عضو واحد عن التصويت. وكان «داسو» قد دافع عن نفسه أمام الغرفة العليا للبرلمان الفرنسي، قائلا إنه مستعد لتلبية دعوات القضاء للاستماع إليه، «ولكن دون وضعه تحت الحراسة النظرية».

وهذه هي المرة الثانية التي يفلح فيها «داسو» في حماية حصانته. ففي يونيو الماضي كان هذا المكتب نفسه قد رفض طلبا للنيابة العامة.

 

شكاية ضد سيرج

 

ويواجه العمدة السابق لـ «كوربي- إيسون» (مابين 1995 و2009)، عن حزب  «من أجل حركة  شعبية»، كذلك تهما بتكوين «عصابة إجرامية» و«إرشاء موظف عمومي أجنبي» و«جمع معطيات شخصية بطريقة غير قانونية». تستهدف الشكاية كذلك «جون بيير بيشتر»، المستخدم لدى «سيرج داسو» الذي خلفه على رأس هذه البلدية ، و«ماشيري كاساما» مدير مصلحة الشباب بها، فضلا عن الديبلوماسي المغربي «رياض رمزي»، الذي نفى أي علاقة له بموضوع الشكاية، والذي حصل، أول أمس، على دعم السفارة المغربية في باريس، حيث يشغل منصب «قائم بالأعمال.» 

وقد تم إيداع الشكاية قبل أيام من طرف «ماري دوسي» محامية «فتاح هو». فهذا الملاكم السابق ورئيس مقاولة يبدو مقتنعا بأنه كان مستهدفا، لأنه كان يريد فضح تعاملات «داسو»، بعد أن أصيب بجروح خطيرة إثر إطلاق النار من طرف يونس بونوارة، أحد المقربين من  مصنع طائرات «رافال»، وذلك يوم 19 فبراير من السنة الماضية. والحال أنه خلال خمسة أيام قبل الحادث، يشتبه في أن «داسو» و«بيشتر» و«كاساما» أعدوا خطة «لاستغلال سفر موكلي إلى المغرب من أجل إخضاعه لاستجواب من طرف الشرطة المغربية، واعتقاله بشكل تعسفي». هذا ما تقوله المحامية «دوسي»  في الشكاية التي تستند على عمليات تصنت هاتفية أضيفت لملف قضاة محكمة «إيفري» الذين يحققون في محاولة الاغتيال.

بدا كل شيء في يوم 10 نونبر2012، إذ أوقع «فتاح هو» رفقة «روني أندريو»، وهو أحد سكان «كوربيل»، داسو في المصيدة وقاما بتصويره دون علمه، وكان يتحدثان إليه حول الأموال المرتبطة بانتخاب «بيشتر» عمدة للبلدة في 2010. فأجاب مصنع الطائرات بأنه «قدم كل شيء إلى يونس بونوارة»، الذي حول له مليوني أورو عبر حساب مصرفي في لبنان. وتم تسريب مقتطفات من شريط الفيديو يوم 5 دجنبر 2012 على صفحات «لوكنار أو نشيني». وفي نهاية يناير 2013، تقدم أحد المقربين من مصوري شريط الفيديو بشهادة أمام رجال الشرطة الذين كانوا يحققون حول الارتشاء الانتخابي المزعوم.

 

رسالة نصية

 

اتصل «بيشتر» يوم 13 فبراير الماضي بمديره المكلف بمصلحة الشباب «ماشيري كاساما» هاتفيا، من أجل إبلاغه أنه سيتناول طعام الغداء في اليوم الموالي (أي الخميس 14 فبراير) مع دبلوماسي مغربي رفيع، وقال له: «يجب أن تقدم له الأسماء والعناوين الدقيقة لاثنين من المهرجين (يعني الذين يزعجون داسو). إن ذلك أمر أساسي، فقد تم تنظيم الغذاء من أجل ذلك». 

في صباح اليوم الموالي، أرسل «كاساما» رسالة نصية إلى «بيشتر» تضم معلومات بشأن «فتاح هو» (الاسم والعنوان، ورقم الهاتف، ورقم السيارة)، وكذلك بشأن رشيد المهدي، مناضل سابق بحزب «من أجل حركة شعبية»، الذي كان يريد تأليف كتاب حول «طريقة داسو» في شراء الأصوات حسب مزاعمه. في نفس اليوم، استقبل داسو وبيشتر على طاولة الغذاء «رياض رمزي» المكلف بالأعمال بسفارة المغرب بباريس. 

وكما قال مصنع الطائرات فيما بعد للمحققين، فهو الذي أشرف على تنظيم الموعد بطلب من «بيشتر».على الساعة السابعة و6 دقائق مساءا، اتصل هذا الأخير بـ «كاساما» من أجل أن يحكي له ما جرى، وقال له إن الدبلوماسي المغربي قال: «نعم سنتولى أمرهم السيد «داسو»، ولا تشغل بالك بالأمر. فلن يكون  لهؤلاء الناس تأثير عليك؟.» ويضيف «بيشتر»: أنه «سيعطي درسا أيضا  لـ «مامادو كيبي» الذي احتج على عملية شراء الأصوات والذي اتهمه «داسو» بالتحرش به ومضايقته. ويؤكد العمدة أن «هو» و«المهدي» هم «آخر المزعجين» وأنهم «عند ما يصلان إلى المغرب، سيتفاجآن من الاستقبال الذي سيخصص لهما بعد النزول من الطائرة»، يقول بصوت فضفاض.

ويؤكد «بيشتر» على «كاساما» بأن يعد «ملفات جيدة» عنهما؛ حتى يمكنه أن يرسلها إلى السفارة، وقال مبتهجا: «سنضحك كثيرا، سنضحك كثيرا..». 

وقد حجز «هو» الذي يتوفر على جنسية مزدوجة –مغربية وفرنسية- بطاقة الطائرة  للمغادرة يوم  5 مارس. ولكنه لم يذهب إلى المغرب،لأن يونس بونوارة أطلق عليه الرصاص قبل ذلك بأيام. فماذا كان سيحصل له لو سافر إلى المغرب؟. أجاب بونوارة الذي حقق معه  قضاة «إيفري» يوم 6نونبر: «كان لي انطباع أنه سيتم اعتقالهم في المغرب من طرف الشرطة بتهمة الابتزاز والاحتيال..، لأن الشرطة الفرنسية لا تقوم بأي شيء. لقد قال لي «كاساما» إن فتاح سيواجه مشاكل مع الشرطة المغربية، لكنه لم يوضح لي أي شيء.»

 

اتهامات… واتهامات مضادة

 

في يوم 26 يونيو بالمديرية الجهوية للشرطة القضائية بفرساي، نفى «بيشتر»    و«كاساما» وجود أية نية خبيثة أو حاقدة لهما. فيما أشار مدير مصلحة الشباب للشرطة أن «بيشتر» تعرض للمضايقة والتحرش من طرف «فتاح»، وأن تناول الغذاء مع الدبلوماسي كان هدفه فقط تنظيم «وساطة». من جهته أكد عمدة «كوربي» بأن الأمر يتعلق فقط بـ «شد انتباه الأسر من عبث أبنائهم»، على حد تعبيره، قبل أن يضيف أن: «لاشيء في النهاية قد حصل». من جهته، أكد سيرج داسو لقضاة إيفري أن: «لا علاقة له بما حصل». وخلال استجوابه في شهر أكتوبر الماضي بصفته شاهدا بحضور محاميه، قال إنه هو من نظم الغذاء.   «حتى يمكن «لجون بيير» أن يتحدث عن أمر ما له علاقة ببلدة كوربي، وبأن «بيتشر» استحضر حالة بعض الأشخاص بالبلدة». وبعد مواجهته بالمكالمات الهاتفية الملتقطة، والمسجلة، قدم الجواب التالي: «أعتقد أن الموضوع يتعلق بنقلهم إلى التراب المغربي، إلى أسرهم، حتى لا يبقى لوجودهم أثر في كوربي. إنه الشيء الذي فهمته من كل ما قلتموه لي.»

ويؤكد صاحب الشركة التي تصنع طائرات «رافال» أنه لم يسبق أن  كانت هناك عملية شراء أصوات، وأنه ضحية  أشخاص يسعون لابتزازه. وبعد أن قام يوم 4  نونبر بإيداع شكاية ضد «هو» و«أندريو» بتهمة إجراء «مكالمات هاتفية حاقدة وخبيثة» و«محاولة ابتزاز أموال» و«الابتزاز تحت التهديد» و«التهديد»، تقدم محاموه بشكاية ثانية، يوم الاثنين الماضي، حول نفس الوقائع. 

وحسب الوثيقة التي  تمكنت وكالة الأنباء الفرنسية من الإطلاع عليها، تلقى  «داسو» ما بين احتفالات أعياد الميلاد و4 يناير رسائل نصية تتضمن تهديدات؛ من بينها رسالة نصية تحذره من شكاية ثانية تتهمه بـ «محاولة الاختطاف». ويرى محاموه أن المهاجر المغربي «فتاح» واحد من «أصحاب الرسائل النصية»، في الوقت الذي نفت محاميته «دوسي» ذلك، واعتبرته عملية «ابتزاز». «كل شيء مدبر منذ أسابيع؛ حتى يجعلوننا  نعتقد  أن «داسو» و«بيتشر» و«آخرين» هم ضحايا، ولكن الضحية الوحيد هو «فتاح» الذي سيظل طيلة ما تبقى له من حياته معاقا».

 

السفارة المغربية تخرج عن صمتها وتنفي أي علاقة لها بقضية «داسو»

 

أخيرا، تحركت السفارة المغربية بباريس، أول أمس، لتنفي ما سمته «الادعاءات الكاذبة تجاه دبلوماسييها»، مؤكدة رفضها لما وصفتها بـ «مزاعم» تسعى «لإقحامها في أي نوع من الخطط أو الأعمال المسيئة خارج الإطار الشرعي والاحترام الصرف لقواعد القانون». واضطرت السفارة للتحرك بعد أن نشرت عدة وسائل إعلام فرنسية أخبارا تحدثت فيها عن تورط السفارة في قضية العمدة السابق لبلدة «كوربي-إيسون» سيرج داسو، من خلال ذكرها للقاء جرى بين رياض رمزي، القائم بالأعمال، و «داسو.»

وأشارت السفارة في بلاغ إلى أن «رمزي في إطار أنشطته الدبلوماسية، باعتباره القائم بأعمال سفارة المغرب، كان قد دعي في 14 فبراير 2013 لغذاء بمقر مجموعة «داسو»، من قبل السناتور مسير المقاولة «سيرج داسو»، بحضور عمدة «كورباي- إيسون» جان بيير بيشتير، وأقرت بأن داسو «طلب خلال اللقاء وساطة السفارة لدى أسر بعض سكان «كوربي إيسون» من أصول مغربية عقب عمليات تحرش قد يكون وقع ضحيتها». وأضاف البلاغ أنه من أجل متابعة هذا الملف طلب القائم بالأعمال أن يتم تمكين السفارة من معلومات إضافية بشأن هذا الموضوع وهو «ما لم يحصل قط.»

واعتبرت السفارة في بلاغ لها، أن الأمر يتعلق بـ «قضية فرنسية محضة معروضة على القضاء». وأبدت السفارة المغربية حرصها على ضرورة «استجلاء جميع الحقائق بخصوص هذه القضية». وأكدت السفارة في بلاغها أن «هذا الطلب بقي منذ ذلك الحين دون متابعة، كما لم يحصل أي اتصال بعد ذلك»، معربة عن استغرابها أن «يتم إقحامها في هذه القضية التي ليست طرفا فيها، ولم تتخذ أي مبادرة بشأنها.»

 

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي