مذكرات أحرضان (3): الاحتفال بعيد العرش بين صفوف الجيش الفرنسي

18 يناير 2014 - 23:21

ترجمة:  أيوب الريمي 

 

بعد وفاة مهدي الگلاوي، قررت أن أطلب نقلي إلى أوربا من أجل الخدمة هناك وإعادة ترتيب أفكاري، وفور وصولي إلى باريس، يا إلهي كم أحسست بالتغيير في إيقاع حياتي. اكتشفت الاختلاف في نمط الحياة بين المجتمع المغربي والفرنسي، ولاحظت الفرق في سلوك الفرنسيين الذين يعيشون في المغرب ولا يتورعون عن القيام بالكثير من الأفعال المشينة دون التفكير في العواقب وكيف يتصرفون هنا في فرنسا.

عند وصولي إلى فرنسا، التقيت بإدوارد سكريتان، الذي اشتغل في المغرب كمساعد للمراقب المدني في أولماس، وقد كنا نستقبل والدته في بيتنا. هذه المرأة الطيبة التي دعتني إلى بيتها عند وصولي إلى باريس، وفعلا وجدت فور وصولي إلى باريس استقبالا رائعا من طرف والد إدوارد، كما أن هذا الأخير أصبح كدليل لي في هذه المدينة الكبيرة حيث كل واحد لا يهتم إلا بنفسه.

بدأت أحفظ تفاصيل عاصمة الأنوار شيئا فشيئا، ومن خلال لقائي مع عدد من الأصدقاء الفرنسيين أصبحت لدي رؤية واضحة عن فرنسا وعن إرثها الثقافي. وبعد أن انتهت العطلة كان علي التوجه إلى القيادة العليا للقوات الفرنسية، وهناك سيستقبلني الكولونيل الكتاني الذي استقبلني كما لو أنه يستقبل أحد كبار الضباط، وقال لي «أن تكون ضابطا ليس أمرا يُمنح لأي شخص، بل يتطلب شخصية قوية وروحا صلبة في جميع الأوضاع». غادرت الكولونيل الكتاني وفي جيبي رسالة توصية إلى الكولونيل ميريك الذي كان يترأس أول فرقة من المحاربين المغاربة في الجيش الفرنسي في مدينة ليون. وبعد أن قام الكولونيل ميريك بفحصي بنظرته الثاقبة، طلب مني أن أكتب رسالة حول قصة تافهة، وطلب مني أن أكون واضحا ومختصرا. وفي نفس المساء، سيستدعي ضباط القيادة العليا للعشاء ويعلن أمامهم «أحرضان هو من سيكمل فريقنا»، وحينها حصلت على مكتبي وعلى سكن جيد ومجهز بطريقة جيدة.

وبعد مرور 43 يوم على وصولي إلى ليون، ستقوم الفرقة بترك المدينة والتوجه إلى مدينة نيس في الجنوب الفرنسي، وقد أحببت هذه المدينة كثيرا وجمال شاطئها الذي كان يذكرني بشاطئ مهدية أو بالأوداية.

وخلال مقامي في مدينة نيس، التقيت بـ»اليوتنان» حبيبي الذي كان في إطار تدريب رياضي في الأنتيب قرب مدينة نيس، وخلال تناولنا وجبة الغذاء حكى لي «اليوتنان» حبيبي قصة، وقال لي عليك الاستفادة منها؛ «كان معي محارب مغربي، وكان مغرما بفتاة فرنسية، وكل شيء كان على ما يرام، قبل أن يجدها يوما ترقص مع فرنسي، ليفقد صوابه، فذهب لإحضار سلاحه، وقام بقتلهما معا، وبقتل كل من وجده في طريقه، ولم يتوقف إلا بعد أن نفذت ذخيرته. وبعد إلقاء القبض عليه، أحضروه لكي يرى فظاعة ما قام به، لكنه توقف أمامي، وقال لي لم أتسبب في إحراجك أليس كذلك؟». فسألته: «وماذا كان جوابك لييوتنان حبيبي؟»، وكان جواب»اليوتنان» حبيبي بأنه تمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه لأنه لم يعرف ماذا يقول، وحتى أوصل فكرة هل رسالة بأن مسؤولية أي واحد فينا هو ألا يلحق العار بوطنه، فقد أعطيت له مثال عبد الكريم الخطابي الذي فضل الهروب من السفينة التي كانت تقله إلى منفاه إلى مصر من أجل ألا يجلب العار لوطنه.

وبعد أن تم إخبار الكولونيل ميريك، بأنه سيتم نقله إلى منطقة أخرى، فقد أوصاني بأن أبقى مع خلفه الكولونيل سبيلمان، وفي انتظار وصول الكولونيل سبيلمان، فقد بدأت في الاشتغال مع الفرقة المحاربة الأولى في الأعمال الاجتماعية، لأجد نفسي وسط السكان مدينة نيس، كما أنني التقيت بضابط أمازيغي، وآخر يدعى أحدادي والتي كانت فرقتهم مفيدة للتعرف على المدينة أكثر والتقرب من سكانها.

وخلال هذه المرحلة، بدأت أنفذ فكرة كانت تراودني وهي الاحتفال بعيد العرش. لذلك توجهت، أنا والكولونيل، إلى المدينة من أجل شراء الورود من أجل الزينة، وكذلك الحلويات من أجل الاحتفال بهذه الذكرى، وعند عودتي سألني قائد المعسكر عن سبب غيابي، فقلت له بأننا نحضر للاحتفال بعيد العرش، فقال لي «عن أي عرش تتحدث؟»، فأجبته «عرشنا».

وسألني عن مكان الاحتفال، فقلت له «في المكان المخصص لضباط الصف»، وقال لي «ماذا لو منعت هذا الاحتفال؟»، فقلت له بأننا سنقوم باستئجار كازينو من أجل الاحتفال، وأكدت له بأنني كنت أريد أن أفاجئه باستدعائه لهذا الحفل، فكان جواب القائد بأنه كان علينا أن نخبره حتى يساعدنا على إنجاح الحفل.

وفعلا بدأ الاحتفال وحضر الضباط الفرنسيون وكذلك الجنرال كاترو، وكل شيء كان على ما يرام، قبل أن يدخل على الكولونيل سبيلمان زميل وسيم ومتأنق وبظفيرة في شعره على طريقة سكان منطقة آيت شرغوشن، وعندها قال الكولونيل «أريد أن يكون جميع المغاربة هكذا حتى أنت ليوتنان أحرضان»، فكان جوابي «ولماذا، كولونيل، لا يكون لنا شوارب على طريقة بلاد الغال»، فأجاباني الكولونيل «لقد مرت أكثر من 50 سنة على قضية بلاد الغال وتجاوزناها». فأجبته «بعد يوم أو سنة أو ألف عام، لا يمكن أن نمحو العار، كما هو الحال بالنسبة للدم المدبوغ على جلد الكبش المذبوح». وبهذه الجملة انتهى الحفل بسبب تجاوز الكولونيل حدوده وبعدها سيأتي أمر العودة إلى المغرب.

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي