ما يعني أن ما يقرب من عشرين مليون مصري ومصرية أكدوا موافقتهم، من أصل 53 مليونا ونصف مليون مقيدين رسميا بلوائح الناخبين. وبذلك، يكون 38،6% من المصريين وافقوا فعلا على الدستور الجديد، متجاوزين بذلك النسبة التي حظي بها الدستور المُصاغ في عهد «مرسي» سنة 2012، التي لم تتجاوز عتبة 33%.
يصعب، في غياب معطيات دقيقة عن نوعية التصويت، القيام بقراءة موضوعية للأرقام المعلن عنها أعلاه، لكن ما يمكن استخلاصه، بشكل أولي، أن الشعب المصري تفاعل بشكل أكبر مع الدستور المُصاغ في سياق الخطة التي وضعها الجيش غداة الخروج في مظاهرات الصيف الماضي، أكثر مما تفاعل مع دستور 2012. وفي الصيغتين معاً بقي ما يفوق ستين في المائة من الشعب المصري صامتاً إزاء أهم وأخطر وثيقة ستحكم مستقبل البلاد بعد سقوط النظام في فبراير من عام 2011. وإذا كان ما تداولته وسائل الإعلام المكتوبة صحيحاً، فإن فئة الشباب، على أهميتها العددية والاستراتيجية، بقيت، إلى جانب جزء من السلفيين، عازِفةً عن المشاركة في الاستفتاء على دستور 2013. لذلك، يُطرح سؤال كبير: هل نجح الدستور الجديد في بناء التوافق في مصر؟ وهل يستطيع ضمان تجديد التوافق في الحلقتين المفصليتين المنتظرتين بعد شهور، أي الانتخابات الرئاسية والبرلمانية؟
تُجمع الدروس المستفادة من تجارب الانتقالات الديمقراطية الناجحة في العالم، لاسيما في الربع الأخير من القرن العشرين، أن التمكُّن من إدارة المرحلة الانتقالية باقتدار -والحال أن مصر تعيش مرحلة انتقالية بامتياز- مرتهن بشكل عميق بالتحكّم الإيجابي في ثلاثة متغيرات مفصلية، هي تحديداً: التفكيك التدريجي لمرحلة النظام القديم، وفي الحالة المصرية ما يسمونه «الدولة العميقة»، ونجاح النخبة الجديدة في إقناع الناس بمشروعها وبناء التأييد حوله، وثالثاً وأساساً النجاح في خلق تحالف عريض بين كل مكونات المجتمع السياسي حول تدبير المرحلة الانتقالية، ورسم أسس الدولة والشرعية الجديدتين.. إن النظر بإمعان إلى جوهر هذه المتغيرات الثلاثة في ضوء ما يجري في مصر، يدعو إلى القلق والخوف مما يعتمل داخل بلاد الكنانة، التي ستكون كل خطوة إيجابية وثابتة على طريق الاستقرار والأمان في ربوعها ليست مكسباً لها فحسب، بل خيراً عاماً للمنطقة العربية والإسلامية ككل.
لم تعرف مصر كثافة سياسية وحراكاً اجتماعياً أضخم وأعمق مما شهدته خلال الثلاث سنوات الأخيرة. وإذا كانت ثلاث سنوات، بالمفهوم التاريخي للزمن، رمزية جداً ولا قيمة لها عددياً، فإنها أرخت لأحداث كبرى في مصر: أسقطت نظاماً عمّر ثلاثة عقود، وصوتت لصالح رئيس قادت الأحداث تنظيمه إلى سدّة السلطة، وأرجعت الجيش إلى عرين السياسة والقيادة. وفي قلب هذه الرجات الكبرى ظل الشعب، لاسيما شبابه، منبعاً متجدداً، ووقوداً مُؤججاً للحراك.. بيد أن الشعب المصري، الموسوم بصبره وطيبوبته وذكائه، يحتاج إلى استقرار وأمان ورخاء، يُنقله من الضيق إلى السعة، ويترجم توقه إلى العدل والعدالة الاجتماعية.. فهل تحقق له الوثيقة الدستورية الجديدة هذه المقاصد؟
صحيح أن الدساتير في الانتقالات الديمقراطية الناجحة تعد أساساً مفصلياً لقياس درجة حرارة الجسم السياسي والاجتماعي لأية تجربة. وكلما توسعت قاعدة التأييد والتوافق حولها، تقوت مناعة الجسم واكتسب صلابة أكبر.. لكن الدساتير يصنعها أولا وأخيرا الناس، وكلما صدقت النفوس في ما تقول وما تفعل، تتمكن من تدارك النقائص، بما فيها تلك التي قد تعتري الدساتير. لذلك، تحتاج مصر إلى مناخ سياسي واجتماعي يُرجع إليها أمنها واستقرارها، ويُعيد لها أرصدة قوتها التي تآكلت بالتدريج منذ عقود.. إن التصويت بنعم أول الخطوات، لكنه ليس كافيا لوحده.. لكنه بلغة الصينيين أول الخطوة على طريق الألف ميل.