مذكرات احرضان: الحماية تُعفي أحرضان من «القيادة»

23 يناير 2014 - 22:31

 ترجمة: أيوب الريمي

 

أصبح الخناق يشتد علينا من طرف سلطات الحماية، من أجل كسر أي رغبة في المقاومة، وهو ما وضعنا في مواجهة حتمية معها.

ومرة أخرى، سيتم استدعائي من الرباط ليخبروني بأن الجنرال گيوم يحبني، إلى درجة أنه اتخذ قرارا سيفرحني، وهو قرار تعييني في ألمانيا!

لكنني رددت على هذا العرض بأنني في عطلة طويلة عن العمل وطلبت من مدير مكتب جهة الرباط بأن يشكر المقيم العام على اهتمامه بي، لأنني لم أعد قادرا على تحمل أجواء الجيش، مفضلا البقاء في وطني، فما كان من المدير الجهوي إلا أن حذرني من أخطائي الكثيرة.

وبعدها، ستتوالى التهديدات من جميع ممثلي سلطة الحماية، عندها اقتنعت بأنني وصلت إلى مرحلة اللاعودة مع إدارتها. وكان كل همي ألا أضعف أمام كل هذه التهديدات، ذلك أن كل المقربين مني، كانوا يؤكدون لي بأنني لن أصل إلى أي شيء بعنادي هذا. وهذا أمر طبيعي في جو يطبعه الخوف الذي كان سائدا خلال تلك المرحلة، ذلك أن سلطات الحماية كانت تعمل ما في وسعها على زرع الخوف في نفوس الجميع، وإنهاء حالة التضامن مع السلطان محمد الخامس. لقد كان السلطان يستقبلني من وقت لآخر لمعرفة بعض الأخبار أو من أجل أن يُسدي لي بعض النصائح في سرية تامة، أو في المناسبات العامة، حتى يقول للإقامة العامة بأن محاولات عزله لن تؤتي أكلها.

ذات يوم، استقبلني السلطان، في قاعة تسمى «قبة النصر»، بطريقة باردة، وانحنيت على يده لكي أقبلها، فنظر إلي وكأنه لا يتذكرني.

فقلت له «أنا أحرضان، سيدنا»، فرد عليّ «أحرضان، نعم تذكرتك، اجلس، أنا أتابع كل مواقفك ونشاطك. وأنا سعيد بالمثال الذي تعطيه للفرنسيين، فكل موقف له وزنه، ربما لا تلقي بالا لأفعالك ولمدى أهميتها وهذا أفضل. إن صوتك هو صوت رجل حر وهو الصوت الذي أحب أن أسمعه».

بعد ربع ساعة قضيتها مع السلطان رأسا لرأس، خرجت وأنا مقتنع بأنني لن أتراجع عن المواقف التي سجلتها ضد سلطات الحماية، وقلت في نفسي بأن السلطان عندما يميل إلى التهدئة، فإنه يخاف على مصير الشعب، أما أنا فليس لدي ما أخسره.

وخلال كل هذه المرحلة، لم تفارق ذهني فكرة تأسيس جيش التحرير. فقد بدأت أتحرك، لكن بكل حذر، حيث بدأت أتنقل بين عدد من المناطق. وعلى الرغم من الرقابة التي أصبحت تفرضها عليّ إدارة الحماية، ونظرا إلى شساعة المنطقة، فإن ذلك كان يسهل عليّ التنقل. وفعلا، التقيت بعدد من الأصدقاء في الجهات المجاورة، وكنت في أولماس أنتظر يوم 18 نونبر من سنة 1953 بفارغ الصبر، إنه يوم الاحتفال بعيد العرش.

في ذلك اليوم، كنت على رأس أزيد من 200 خيّال، حيث قمنا برفع العلم المغربي أمام مسؤولي الحماية الفرنسية خلال يوم الاحتفال. هذا التصرف أثار غضب المراقب المدني، كلود داليي، الذي جاء عندي، وقال لي «ماذا فعلتم بي؟ ماذا فعلتم بي؟»، فأجبت بأنني لم أقم بشيء سوى أنني رفعت العلم المغربي.

شهرا بعد هذا الحادث، سيتم استدعائي إلى مكتب المدير العام للشؤون السياسية السيد فالات الذي قال لي «لقد استدعيتك لأعرف، لآخر مرة، هل أنت معنا أم ضدنا»، فأجبته بأنه مادامت الإدارة الفرنسية تناصر الباشا الگلاوي فأنا لن أكون متفقا معها، فرد عليّ بغضب «بهذه الطريقة ترد يدنا الممدودة إليك. لقد نسيت بأنك من دوننا كنت ستكون مجرد راع للغنم، لكن سأمنحك 48 ساعة، حتى تقرر الفريق الذي ستقف معه، لأنه حسب ما يبدو لي، فإنك تخطئ في اختيار الجهة التي تقف إلى جانبها». عند خروجي من مكتب فالات، قررت أن لا أرد على سؤاله حتى بعد انتهاء المهلة، لأتوصل في اليوم الموالي برسالة إعفائي من جميع مهامي، ليخلفني الخليفة موحد أوحيرة، كقايد لمنطقة أولماس.

وخلال سنة 1953، سيفر كل معارفي من حولي ولم يعد أحد يطرق بابي، لكن في الوقت نفسه، فإن جميع الطرق ستؤدي إلى القصر الملكي، حيث بدأت أجمع التوقيعات من القياد الذين استبعدتهم الإدارة الفرنسية، وكنت في صراع مع الزمن من أجل جمع أكبر عدد من التوقيعات في وقت قصير. ولحسن الحظ، وجدت محمد حكم الذي ساعدني في هذه المهمة.

بدأنا بتوقيع القايد حسن زايرس، الضابط القديم الذي لم يتردد في التوقيع، أما التوقيع الثالث، فكان للقايد لحسن اليوسي، قايد منطقة بن سليمان والذي قال لي «أعرف أن هذه التوقيعات لن تفيد في شيء، لكن فقط، حتى نقول للفرنسيين بأننا مازلنا هنا».

ومازلت أتذكر أيضا قصة توقيع كل من قايد كلميم دحمان أبوزيد وقايد منطقة طاطا بونعيلات. وسأبدأ بالقايد دحمان، الذي بمجرد ما قرأ الوثيقة، حتى طلب من أبنائه أن يحضروا له الريشة للتوقيع. فطلب أحد أبنائه وهو أحمد السالك بأن يوقع نيابة عن أبيه، حتى يتجنب مضايقات سلطات الحماية، فكان رد القايد دحمان «كيف يوقع أحد نيابة عني؟ وماذا يقول الناس عندما يعرفون أن ابن الأطلس وقّع وأنا لم أجرؤ على التوقيع؟ وسأبعث للقايد بونعيلات حتى يوقع بدوره»، لم أنس هذا الموقف من هذا الرجل وإلى اليوم، مازلت أحافظ على علاقات جيدة مع عائلته.

بعد أن جمعت التوقيعات التقيت بالسلطان محمد الخامس، الذي طلب مني أن أضع رسالة القُيِّاد المحتجين عند الوزير المقري قبل وضعها عند الحماية العامة».

فعلا استقبلني الوزير المقري، لكنه كان مترددا في إرسال الرسالة إلى الإقامة العامة، وقال لي بأن هذه الرسالة لن تفيد في شيء، فأصررت عليه بأن يضعها عند سلطات الحماية وبأن يخبر السلطان محمد الخامس بذلك. وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي تعاملت فيها مع الوزير المقري، الذي كان يشكل تهديدا كبيرا على الملكية.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي