مذكرات أحرضان: يوم رفض بلافريج تمويل شراء السلاح للمقاومة

25/01/2014 - 20:45
مذكرات أحرضان: يوم رفض بلافريج  تمويل شراء السلاح للمقاومة

 ترجمة:  أيوب الريمي

 

في ظل الأوضاع المحتقنة، طلب مني كل من احميدو الوطني وعبد الحميد الزموري أن أزورهما في متجرهما، القريب من القصر الملكي في مدينة الدار البيضاء، وطلبا مني أن أمثّل المقاومة في المؤتمر الفرنسي – المغربي الذي كان سيعقد في باريس يومي 7 و8 ماي 1955. وسيطلب مني جاك ريتزر، الذي كان هو المسير للمياه الجوفية في منطقة الأطلس وكان من الفرنسيين الأحرار، أن يمول سفري، لكنني رفضت عرضه. وتمكنتُ بمساعدة احميدو الوطني أن أقترض مائة ألف فرنك من طرف حسن بوعطاي، الذي كان تاجرا معروفا في مدينة الدار البيضاء. كانت مداخلتي في هذا المؤتمر تحت عنوان «ستُوقع، لا لن أوقع»، في إشارة إلى ما جرى مع مَن طالبوني بتوقيع وثيقة ضد السلطان. وخلال مداخلتي تحدثت عن الباشا الگلاوي، وعن شبكة القياد التابعة له، وعن إرغام بعض القياد على التوقيع على وثيقة ضد السلطان محمد الخامس، وعن كذب المسؤولين الفرنسيين الذين كانوا يحاولون إخفاء حالة الغليان التي تسود في المغرب وإقناع الحكومة الفرنسية بأن كل شيء يسير على ما يرام.

وفي نهاية هذا المؤتمر، تم الاتفاق على الصيغة النهائية وهي «الترابط في ظل الاستقلال»، هذه الصيغة هي التي وافق عليها جميع المشاركين. وكانت رغبة الفرنسيين تتجلى في عدم فقدان المغرب، بينما كنا، نحن، نطالب بعودة الملك وأسرته من المنفى، إضافة إلى تحقيق الاستقلال، لذلك، تم الاتفاق على هذه الصيغة المُرضية للطرفين.

في باريس، سأكتشف أن هناك عددا من المغاربة الذين يشتغلون من أجل استقلال بلدهم، من بين هؤلاء الرجال امبارك البكاي، الذي كان ضابطا كبيرا في الجيش الفرنسي، وفقد رجله في إحدى المعارك، قبل أن يقدم استقالته من باشوية مدينة صفرو احتجاجا على نفي السلطان. وقد تم إبعاد البكاي إلى باريس، وهناك لم يكن يمارس أي نشاط، لكن، عندما أحس أن الوطن أصبح في خطر، صار حلقة الوصل بين المغاربة والفرنسيين، من أجل خلق فرصة لحوار بناء، وسيصبح الناطق باسم القضية الوطنية في فرنسا، دون أن يعينه أحد. وخلال إقامتي في باريس، اكتشفت الصعوبات التي يواجهها الرجل في حياته اليومية، والمشاكل الصحية التي كان يعاني منها، كما أنه لم يكن يتوفر إلا على إمكانيات محدودة للعيش، ولم يكن يرافقه سوى عبد القادر بن صالح الملقب بـ»فرانكو». وعلى الرغم من ذلك، لم يكن يدخر أي جهد من أجل التعريف بقضية المغرب في المدن، كما في الضواحي الفرنسية. قمت بزيارة إلى بيت البكاي بصحبة «سيدي بابي»، أخ صاحب الجلالة السلطان، والذي تعرفت عليه قبل 20 غشت 1953، وكان صلة الوصل بيني وبين السلطان، حيث كانت رسائل مني إلى السلطان وخلال هذه الزيارة، سأتعرف عن قرب عن امبارك البكاي.

في باريس، سأقيم في غرفة توجد في الطابق السفلي لإحدى العمارات، رفقة عبد الكريم الخطيب. وكنت أقتسم مع الخطيب السرير نفسه، كأخوين توأمين، كما أن كرم وطيبة الخطيب أنستني مشقة العيش في باريس. فإضافة إلى كون الخطيب، كان طبيبا جراحا، فقد كان رجلا كريما وصديقا وفيا.

وخلال إحدى محادثاتنا، سألت الخطيب «كيف يمكننا الحصول على الأسلحة؟»، فأجابني «من خلال جمع الأموال». ومن دون تضييع للوقت، قمنا بزيارة إلى الأمين العام لحزب الاستقلال، أحمد بلافريج، الذي كان موجودا في باريس. قبل أن نصل إلى مكان إقامتة، سألت الخطيب «هل يسكن في إقامة بسيطة مثلنا؟»، فأجابني الخطيب «بل يسكن في أحد أفخم الفنادق في باريس».

استقبلنا بلافريج بكل لطف، أو لنقل ببرود، وكعادته، فإن الخطيب لم يكن يعرف «اللف والدوران» في الحديث، فقد قال لبلافريج مباشرة «نحن في أمس الحاجة إلى المال من أجل شراء السلاح». «ولماذا السلاح؟»، سأل بلافريج بصوت بارد. «من أجل القتال»، أجابه الخطيب. «من أجل القتال؟ أعتذر منك، لكننا لم نتعود التعامل مع الأشخاص الذين لا نعرفهم»، هذا الجواب أثار غضب الخطيب الذي رد على بلافريج «وأنت؟ من تكون؟»، وقد لمعت عيناه الزرقاوين، كما هي عادته عندما يغضب. فقال بلافريج «أنا الذي جئتم من أجل طلب المساعدة منه».

فتدخلت، وقلت لبلافريج «معك حق. لديك الكثير من المصاريف التي عليك تأمينها، ومن بينها دفع ثمن هذه الفنادق الفخمة، هنا وفي إسبانيا»، قبل أن أمسك بيد الخطيب ونخرج من إقامة بلافريج.

عندما خرجنا، سألت الخطيب عن رأيه، فرد علي»هناك دائما السلاح الكافي من أجل القتال، وما قاله لنا بلافريج ليس له أي قيمة». وقلت له إنهم متأكدون بأن الإرث سيعود لهم بعد نهاية المعركة بشكل طبيعي، لكن الخطيب كان رأيه بأن «كل شيء بيد الله». هكذا كان الخطيب دائما، لم يكن يحمل همّا، لا للمال ولا للأسلحة ولا للحسابات الضيقة. كان رجلا مؤمنا ويثق في الله، ولم يكن يدخر أي جهد. كان يربط الاتصالات ويتحرك في جميع الاتجاهات. 

ومن خلال عدد من الاتصالات، سنحصل على المساعدة من حفيظ الإبراهيمي، الذي كان يسكن في إسبانيا. كما أننا التقينا بعبد الكبير الفاسي، الذي سيعد لي لقاءً مع عناصر المقاومة الحضرية في الدار البيضاء. وبعد عودتنا من أوربا، سافر الخطيب إلى مصر من أجل معرفة الطريقة التي يمكنه عن طريقها الحصول على الأسلحة. وعاد بعد أسبوعين، بابتسامته المعهودة، وهو راض عن نتائج سفره. أما أنا، فقد انشغلت بربط الاتصال بين المقاومة في المدينة والمقاومة في البوادي من أجل التنسيق بين المبادرات. وقلت بأنني سأكون مفيدا في الدار البيضاء، أكثر من تطوان، كما أنه أصبح من الضروري كسر التحالف بين مراكش وخنيفرة، أي بين القايد أمحروق والباشا الكلاوي، وبالفعل، فقد أصبحت منطقة الأطلس المتوسط منطقة اضطرابات وقلق بالنسبة إلى الاستعمار.

 

شارك المقال