مدير ديوان المرزوقي: تونس لن تتدخل في الصراع بين المغرب والجزائر+فيديو

20 فبراير 2014 - 16:06

 كيف يمكن للدين أن يتجسد اليوم في تونس؟ هل هناك من يمثله؟ هل هناك من يحتكر السلطة الدينية، مثلما هو الأمر في المغرب؟

 ليست هناك سلطة دينية في تونس، والهياكل الدينية الموجودة لا تمثل سلطة، بقدر ما تمثل مرجعا ترتيبيا. فوزارة الشؤون الدينية، على سبيل المثال، مرجع ترتيبي لا تحتكر السلطة الدينية، ولا تمثلها مطلقا، بل تهتم بمعاش الأئمة وطريقة إدارة المساجد، الخ. ما وقع الاتفاق عليه هو أن تونس، كما جاء في الفصل الأول من الدستور والديباجة، دولة عربية، وأن الإسلام دينها والعربية لغتها، وهو نوع من الوفاق على النص القديم الوحيد الذي احتفظ به منذ دستور سنة 1956، أي الدستور الذي تم إيقاف العمل به وإلغاؤه.

فعلا، ليست هناك سلطة دينية في تونس، كل ما هناك هو أحزاب وحركات بعضها ذو مرجعيات وخلفيات دينية، والبعض الآخر لا يؤمن بالديمقراطية مطلقا، ويدعو إلى دولة الخلافة، الخ. وهذا تنوع من شأن الدستور أن ينظمه. غير أن الدستور وضع حدا نهائيا لما يمكن أن يسمى بفكر السلطة الدينية في المجتمع.

 الآن، بعد أن وصلت تونس إلى هذه المرحلة التاريخية المتقدمة سياسيا، هل يمكن القول إن تونس قادرة على لعب دور ما في تحقيق الاندماج المغاربي، وتجاوز الخلاف خاصة بين المغرب والجزائر؟

أعتقد أنه بالنسبة إلى الخلاف المغربي الجزائري هو مسألة مغربية-جزائرية. لا أعتقد أن الجزائريين والمغاربة يحتاجون إلى ما يتوسط بينهم. هم يعرفون طبيعة المشاكل الكامنة، ولهم تجربة في هذه المشاكل والتوترات، تجربة في اندلاع هذه التوترات وفي حلها. ويمنعنا احترام خصوصية العلاقات المغربية الجزائرية من التدخل في هذا الميدان بالذات، ولكننا نعتقد أن المغرب العربي الموحد والمندمج لا يمكن أن يكون إلا مغربا ديمقراطيا، لذلك، يمكن أن تمثل تونس مثالا لهذا النموذج الذي يخترق الفضاء المغاربي، ونموذجا لكل البلدان التي تمر بمرحلة مشابهة، والراغبة في تأسيس نظام ديمقراطي والقضاء على الاستبداد. ذلك أن للنموذج التونسي رمزية عالية وقوية، فتونس ليست دولة عظمى، وليست لها أطماع في دول أخرى، ولكنها تلعب منذ قرون دور النموذج على مستوى الحقوق والحريات والدساتير. وعندما تنظر إلى هذا النموذج الآن، وتقارنه بالواقع في بلدان أخرى، كسوريا أو مصر أو ليبيا، تستخلص أن التونسيين وصلوا إلى أفضل ما يمكن للشعب أن يصل إليه بعد الثورة بأقل التكاليف، وبإمكانيات مفتوحة بشجاعة على المستقبل. هذا أكثر ما يمكن أن تقدمه تونس للعالم وللمنطقة.

لكن بالنسبة إلى الاندماج المغاربي، ومع الاقتناع بأن هذه حاجة وجدانية وحاجة موضوعية، نحن نعتبر أن المغرب العربي الموحد والمندمج لا يمكن أن يكون إلا مغرب الحريات والحقوق. آنئذ، تخف مشاكل الدولة، بحيث لا تعيق الاندماج المغاربي، فيصبح هذا الاندماج مسألة مجتمعية ووجدانية، قد تتحقق على أرض الواقع.

عاشت تونس تجربة مشتركة بين حزب علماني يساري وآخر إسلامي. كيف تقيم هذه التجربة؟ وهل يمكن القول إنه حصل فعلا انقلاب على التجربة الإسلامية في البلدان التي شهدت الربيع العربي؟

أعتقد أن هذه التجربة تمثل نموذجا لما يمكن أن تقدمه تونس. وهذا التحالف في إطار الترويكا بين أحزاب علمانية وحزب إسلامي نجح في إيصال البلاد إلى الحصول على دستور، رغم ما رافقه أحيانا من تشنجات وتوترات وعدم تنسيق وعدم تجانس… لا ننسى اللحظة الرمزية الكبرى أثناء ختم الدستور، بحضور علي العريض، رئيس الحكومة الذي ينتمي إلى النهضة الإسلامية، والسيد منصف المرزوقي، رئيس الجمهورية الذي ينتمي إلى حزب المؤتمر، والسيد مصطفى بنجعفر، الذي ينتمي إلى حزب علماني آخر هو حزب التكتل والعمل والحريات.

وأعتقد أن رمزية هذه العملية كبيرة وعالية وجدا، إذ يصعب على العلمانيين والإسلاميين أن يتفقوا على حد وطني أدنى. وهذا الحد الأدنى كاف جدا للتعايش وضمان تأسيس نظام سياسي قابل للاستمرار يمثل أغلب أفراد الشعب والفئات السياسية. هذا النموذج، لسوء الحظ، لم يجد طريقه للتطبيق في بلدان أخرى، ولم يكن ممكنا لولا التجربة السابقة في الحوار والنقاش والتواصل والتبادل بين الأحزاب. إذ فرضت الدكتاتورية على الأحزاب العلمانية والإسلامية أن تتحاور وتتناقش. وعندما يحصل الحوار والتواصل، يحصل التفاهم. ولولا ذلك التفاهم والتواصل، لما كانت هناك تجربة التشارك في الحكم.

 أثناء تسلم جائزة الشخصية المغاربية التي منحت للرئيس التونسي منصف المرزوقي، وصفت ما حدث في مصر بـ«المزحة» أو «المسخرة الديمقراطية». هل يعني هذا أن تجربة الإخوان المسلمين كانت رائدة ووقع الانقلاب عليها، أم المقصود هو عودة النظام السابق؟

ما يحدث في مصر الآن هو عودة إلى النظام الفرعوني أصلا. الأمر لا يتعلق بعبد الناصر، بل بالعودة إلى نظام فرعون. وتجربة الإخوان المسلمين فشلت لعدة اعتبارات، منها أخطاء الإخوان المسلمين، ومنها تكالب القوى الأخرى، بما فيها القوى الثورية وقوى النظام القديم، على الإخوان المسلمين. نحن نراقب هذا الصراع الآن وما يحدث في مصر بكثير من القلق والخوف، لأننا نرى أن أشقاءنا المصريين دخلوا نفقا لا مخرج منه. فالعنف الدائر في مصر هو عنف يدل على إخفاق السياسة، وعلى أن الأولويات لم تكن بالترتيب الذي كان لدينا في تونس. نحن اعتبرنا أن التقاتل والاضطراب الأهلي هو خطر، وهو الخط الذي لا يمكن أن نصل إليه. ومن هنا كان تحقيق التوافقات الممكنة والاتفاقيات السياسية، حتى لا نصل إلى ذلك الوضع.

في مصر حصل العكس تماما، بسبب الصراع السياسي والاستقطاب الحاد في المجتمع بين الإخوان المسلمين وغيرهم. فعندما نتحدث عن الجبهة الأخرى المواجهة للإخوان المسلمين، فهي أساسا قوى النظام القديم التي اشتغلت واستغلت بعض القوى الثورية الأخرى. وهذا الاستقطاب أدى إلى زيادة القطيعة والاضطرابات خلال الصيف الماضي. منذ ذلك الوقت، بدأت مصر تدخل نفقا رهيبا جدا وسخيفا في الآن ذاته، لا نرى مخرجا منه إلا بجلوس المصريين إلى بعضهم البعض مجددا، ووضع الأولويات بطريقة صحيحة، وتأسيس نظام ديمقراطي، وأن يكون تمثيل الإرادة الشعبية بصدق هو الهدف من كل ذلك.

هل تعتقد أن التجربة الإسلامية في تونس والمغرب ستستمر طويلا؟ في نظرك، هل ستحقق إنجازات على المستوى الاقتصادي؟

أعتقد أنه يمكن الحديث عن الإسلاميين قبل السلطة، لكن بعد السلطة لا يمكن الحديث عن الإسلاميين، لأن الحكومة عندما تتخذ قرارا اقتصاديا، فإنها لا تتخذه بصفتها حزبا إسلاميا أو غير إسلامي. عند ممارسة السلطة، تتشابه جميع الأحزاب، حيث المتحكم هو منطق الدولة ومنطق الأهداف التي يجب تحقيقها والصعوبات التي يجب تجاوزها. ومن هنا، لا أعتقد أن الفكرة القائلة إن هذه حكومة إسلامية هي فكرة موضوعية وواقعية. يمكن أن تكون كذلك إذا نظرنا إلى التجربة التركية، على اعتبار أن الحزب الحاكم هو حزب إسلامي. والحركة الإسلامية هي حركة احتجاجية بالأساس تتطلع إلى المشاركة في السلطة، ولكن عندما تصبح في السلطة، فهي تمارس السياسة كبقية الأحزاب الأخرى.

في الواقع، لا أعتقد أن حكم الترويكا، وخاصة حزب النهضة في تونس، كان حكما إسلاميا، والدليل على ذلك هو مستوى القوانين التي تقدمت بها الحكومة، وتصويت حركة النهضة الإسلامية على الدستور في المجلس التأسيسي، إذ كانت حركة النهضة في بعض فصول الدستور أكثر علمانية من بعض العلمانيين. كما لا أثر تقريبا لشيء على مستوى السلطة يميز الحكم الإسلامي عن غيره. أعتقد أنه يمكن الحديث عن حكم ديمقراطي وحكم غير ديمقراطي. أما حكم إسلامي وآخر علماني، فهذا غير موجود، حيث أظن أن التجربة التونسية بينت أن لا فرق بين حزب إسلامي وحزب غير إسلامي.

https://www.youtube.com/watch?v=Dixcig-O96o

شارك المقال

شارك برأيك
التالي