شموع وأحزان في ذكرى عيد مولدك

03 مارس 2014 - 17:20

جريدة تسعى إلى الوصول إلى يد القراء دون المرور بالضرورة عبر طريق الشعبوية أو الجريمة أو الإثارة المجانية، أو بيع المداد الذي تكتب به كلماتها قبل صدورها…

قبل خمس سنوات أبحر هذا القارب الصغير في وسط أمواج متلاطمة، ولم يتأخر الرد.. قبل أن تنهي الجريدة شهرها الثامن هجم عليها 20 عنصرا من الشرطة، واقفلوا مقر صدورها، وخطفوا أعدادها من الأكشاك، وأوقفوا طباعتها دون حكم قضائي ودون موجب من القانون، ثم استدعوا مديرها ورسام الكاريكاتير فيها إلى تحقيقات ماراتونية، ثم محاكمة كاريكاتورية تقتل من الضحك أكثر من الرسم الذي اتهمت بنشره. 

حكم علينا قضاة الابتداء والاستئناف بأربع سنوات حبسا موقوف التنفيذ و360 مليونا كتعويض و20 مليونا غرامة، والتهمة: الإساءة إلى علم المملكة وإلى الأمير مولاي إسماعيل…

إساءة العلم حقق فيها القضاء المغربي سبقا واجتهادا سيدخل به إلى موسوعة غينيس مفاده: «لو أكمل الرسم الموجود للعلم في الكاريكاتير المنشور في الجريدة لأصبح نجمة سداسية».. «لو أكمل»، تماماً كما لو أن القاضي حكم على شخص بالإعدام لأن السكين الموجود في يده لو امتد بشكل مستقيم لكان سيخترق قلب الواقف أمامه، وربما فارق الضحية الحياة، ولهذا فإن «لو» هنا هي الافتراض الجرمي الذي يبرر العقاب. ولأن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، فقد رأى القضاة المبجلون أن القانون الذي وضع لمحاسبة العناصر الانفصالية، التي كانت تسيء إلى علم المملكة في الصحراء، يمكن أن يستعمل لمحاكمة صحافي وقطع رأس الجريدة، وهكذا جرى. رُكن قانون الصحافة إلى الجانب، وجرى استعمال القانون الجنائي، ومن سيعترض؟ نقابة الصحافيين؟ وماذا تمثل نقابة مثل هذه؟ بعض زملاء الصحافي المتهم مسرورون بمتابعته، ومنهم من تطوع -يا للعار- واقترح عقوبات إضافية في حق زميله. فيدرالية الناشرين؟ إنها هيئة ناعمة متفهمة لضرورات منطق الدولة. الأحزاب السياسية؟ هل قلت الأحزاب السياسية؟ إن جلها أصدر بيانات إدانة في حق الصحافي المتهم، قبل أن تصدر الأحكام القضائية، بما فيها حزب وزير العدل آنذاك، عبد الواحد الراضي، الذي حركت النيابة العامة، الموضوعة تحت تصرفه، المتابعة. ماذا بقي؟ عباس الفاسي الوزير الأول. هل تمزح؟ وهل عباس سيعترض على ذبح حرية الصحافة وهو الذي كان يشتكي كل يوم وخز إبرها؟ لقد وقع قرارا بأثر رجعي يقضي بمصادرة الجريدة من السوق بعدما أحرجنا وزارة الداخلية بدعوى استعجالية أمام القضاء، وقلنا إنها صادرت الجريدة بدون موجب قانون ولا حكم قضائي، فتطوع عباس وأنقذ ماء وجه شكيب بنموسى ومن يقف وراءه، وأصدر قرارا بمصادرة الجريدة بدعوى أنها بورنوغرافية! 

سنة 2009 كانت سنة سوداء، وكم كان عنوان أسبوعية الزميل بنشمسي «نيشان» معبرا على غلافها، بمناسبة هذه المحاكمة: «حرية الصحافة: سدينا»، مع ذلك حملنا جراحنا وعاودنا الصدور بعد شهرين من الإقفال الاضطراري، والهدف هو تقديم مادة صحفية للقارئ غير ضارة وقريبة من الحقيقة ولا تتلون حسب من يدفع أكثر. هذا هو الهدف الذي تحملنا من أجله متاعب كثيرة لا يتسع المجال لسردها كلها الآن.

بعد سنتين من تغول سلطة المخزن، ومن التراجعات التي وقعت في كل المجالات، من حقوق الإنسان إلى حرية التعبير إلى سلامة الاستحقاقات الانتخابية، انطلق الربيع المغربي الذي جاء واعدا بفصل جديد، وعلاقة أخرى بين الدولة والمواطن، وكنا في الموعد، حيث كنا من الجرائد القليلة التي ساندت هذا الحراك المغربي، ولم تر في شبابه أنهم شواذ وعملاء وإسلاميون ويساريون مغامرون. كنا نرى في هذا الشباب صحوة السياسة في مملكة صارت بركتها آسنة وهدوؤها مخيفا…

عندما تحرك الملك محمد السادس ووعد بإصلاح عميق للدولة ودستورها، قلنا من هنا البداية، وعندما نظمت انتخابات هي الأقل تزويرا في كل تاريخ المغرب، كتبنا أن من حق بنكيران وحزبه وحلفائه أن تعطى لهم فرصة، لأن التداول على السلطة هو جوهر الممارسة الديمقراطية، وإلى الآن نراقب عمل الحكومة بلا تحامل مدفوع الأجر من قبل أطراف في السلطة يكرهون الديمقراطية وليس الإسلاميين فقط، ولا مدح لحكومة ترتكب من الأخطاء ما يوجب على الصحافة نقده. 

الصحافي هو محامي الدفاع عن الإصلاحات العميقة، وليس «براحا» يشتغل عند من يدفع أكثر، أو عند من يخيف أكثر. يتهمنا البعض بموالاة الحكومة لأننا لم ننخرط في المليشيات الإعلامية التي أعيد تشكيلها غداة تنصيب الحكومة لتلعب دور المعارضة بعد أن اتضح أن المعارضة السياسية معاقة. لقد حاولنا، ولانزال، التزام أعراف المهنة وتقاليد وأخلاقيات الصحافة، وأولها أن نبقى مستقلين عن كل الأطراف.. نسمي القطة قطة سواء دخلت بيت بنكيران أو بيت المخزن لا فرق…

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي