2M.. الحلم لم يتحقق بعد ربع قرن

10 مارس 2014 - 20:03

 ففي بيت القناة الثانية اليوم لا مكان للمراجعة ولا للنقد ولا لتحليل ما آلت إليه قناة عين السبع، التي ولدت وفي فمها آمال كبيرة في أن تكون مرآة لمغرب جديد، وواجهة لترويج قيم الحداثة السياسية والثقافية والاجتماعية والفنية، في مملكة عتيقة، التغيير فيها يمشي بسرعة السلحفاة، وقد يرجع إلى الوراء بسرعة الأرنب، ليعاود الانطلاق مرة أخرى من الصفر… 

فكرة إطلاق قناة تلفزيونية ثانية لجيل جديد، فكرة الملك الراحل الحسن الثاني، الذي لمح تغييرات قادمة إلى مملكته بفعل تحولات النظام العالمي الجديد ما بعد نهاية الحرب الباردة، وذوبان ثلوج الثنائية القطبية، حيث جل الدول الديكتاتورية كانت تختفي وراء موالاة أمريكا أو الاتحاد السوفياتي، لتتهرب من أداء فاتورة الديمقراطية وحقوق الإنسان. كان الحسن الثاني بذكائه ودهائه يعرف أن القناة الأولى، التي كان يديرها إدريس البصري، صارت أشبه بكوميسارية متخصصة في تعذيب المشاهدين بالنشرات الطويلة للأنشطة الملكية، والأغاني المحنطة لعيد العرش، والمديح الزائف لمولاي مصطفى العلوي، ومعزوفات الديمقراطية الحسنية والمسيرة التنموية. كان الملك الراحل يعرف أن مملكته مقبلة على تغيرات سياسية هائلة، وأن الاستعداد لاستقبال هذه التحولات يبدأ بالإعلام، والتلفزة تحديدا، خاصة في مملكة أكثر من نصف رعاياها أميون… وهكذا كان.. انطلق البث واضحا ومشفرا للقناة الثانية، التي شكل ميلادها آنذاك حدثا كبيرا في كل المغرب العربي. كانت بمثابة جزيرة المغرب، وبدأت الوجوه الممنوعة من الصرف في القناة الأولى تظهر على القناة الثانية في بلاتوهات البرامج السياسية على الطريقة الفرنسية. أصبحت القناة الثانية هي أكبر عملية سياسية في المغرب الذي كان مقبلا على دستور جديد وتناوب على الحكومة، وإصلاحات سياسية كبرى كان الحسن الثاني يهيئ لها المناخ بعقلية الفلاح الذي يقلب الأرض قبل أن يزرعها…

فرح المغاربة بهذا المولود الإعلامي الجديد في زمن لم تكن السماء تعج بآلاف القنوات الأجنبية، وأصبح لهم خيار ثانٍ أمام الشاشة الصغيرة غير الخيار الوحيد…

بعد التحولات الكبيرة التي عاشها المغرب، تحولت القناة الثانية إلى قناة عادية، بل أحيانا صارت تتشبه بضرتها القناة الأولى. صارت لها قائمة سوداء من الأسماء التي لا تُستدعى أبدا إلى دخول العلبة الزجاجية في عين السبع. صارت تغطي الأحداث الكبرى التي تهز المغرب بعين بلاستيكية لا تنقل شيئا مما يقع، وتحولت مع المدة إلى قناة متخصصة في الموسيقى والمسابقات الفنية والأفلام المكسيكية، أما الأخبار والسياسة والتحقيقات والروبورتاجات والنقاشات العمومية التي تطور وعي المشاهد فقد انحسرت من جهة، وربطت بخط تحريري محافظ جداً تتحكم فيه السلطة عن بعد من جهة أخرى. تحولت من وسيلة إعلامية إلى أداة حكم في يد القصر أو المحيطين به. 

ليبرالية القناة تقف عند الفن ولا تتعداه إلى السياسة، وحداثة التلفزيون مقتصرة على مناهضة الإسلاميين والسكوت عن سلطوية الدولة وخرق حقوق الإنسان. عندما اصطدمت الصحافة المستقلة بالسلطة في المغرب قبل خمس سنوات كانت القناة الثانية، بلا تردد، حليفة هذه الأخيرة. عندما خرج شباب 20 فبراير للمطالبة بالإصلاحات العميقة كانت القناة تعرف معسكرها جيدا: مناهضة الربيع المغربي. عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة في انتخابات هي الأقل تزويرا في المغرب، وجد بنكيران أمامه القناة الثانية كقلعة للمعارضة.. صار التلفزيون، الممول من جيوب دافعي الضرائب، حزبا سياسيا يعرف ماذا يصلح للمغاربة وما لا يصلح لهم!

بلا شك كانت للقناة والزملاء الذين اشتغلوا فيها، أو الذين مازالوا يحاولون تقديم مادة إعلامية وسط إكراهات كثيرة، مساهمات وإضاءات مميزة خلال 25 سنة الماضية، لكن السلطة كانت دائماً جالسة في قاعة التحرير، وعصاها كانت تمتد أحيانا إلى بعض الرؤوس التي لا تفهم لغة الإشارات.

من المحزن القول إن القناة الثانية عاشت فتراتها الزاهية نسبيا في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان بينه وبين الديمقراطية سور صيني عريض، وأن العهد الجديد، الذي كان من المفروض أن يطور القناة ويوسع هامش الحرية أمامها، هو نفسه الذي أطفأ نور عينيها، وجعلها نسخة باهتة من إعلام السلطة المتخصص في البروبغاندا، واستعمال مقص الرقابة إزاء ما يجري في المجتمع والدولة.

كانت للعهد الجديد أفكار ومبادرات ومشاريع إصلاحية في عدد من المجالات الاجتماعية والاقتصادية، لكن في الإعلام لم يكن في جعبته شيء، ولا فهم منظروه خطورة التلفزة وأهميتها، وهذا بالضبط ما سخر منه الكوميدي الفرنسي كولوش، الذي قال ساخرا من الرقابة في التلفزيون: «لا نستطيع أن نقول الحقيقة في التلفزة، فهناك جمهور كبير يتابع خلف الشاشة».

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي