حبل السرة العصي

15 مارس 2014 - 17:14

 «كانت عندي 14عام ملي خادني.. وولدت وأنا عندي 15»، كلهن تقريبا يحكين بصوت تغلفه نبرة واهنة من التفاخر يخترقها ألم صامت روضته الأيام، لكنها لم تطفئه تماما. ورغم التحولات الاجتماعية التي عرفها المغرب في العقود الأخيرة، فإن زواج القاصرات مازال صامدا يقاوم كل القوانين وكل احتجاجات الحركات الحقوقية والنسائية.

وفضلا عن التقاليد، تستفيد هذه الظاهرة من ذلك الالتباس القائم بين تحديد القاصر دينيا ووضعيا. وهو الالتباس الذي لم تنجُ منه حتى «مدونة الأسرة» التي تعتبر تشريعا متقدما، في عدد من فصولها، على المجتمع المغربي الذي أنتجها. إذ تحدد هذه الوثيقة الحساسة سن أهلية الزواج في 18 عامًا، وهو سن الرشد الوضعي، إلا أن المادة 20 من هذه المدونة تجيز زواج القاصرات بإذن من القاضي، حيث تنص على أنه «يمكن لقاضي الأسرة المكلف بالزواج أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع إلى أبوي القاصر أو نائبه الشرعي، والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي». وتكشف إحصاءات أعدتها وزارة العدل أن عدد القاصرين الذين سمح لهم القضاة بالزواج انتقل من 18 ألفًا سنة 2004 إلى 39 ألفًا في 2011.

لزواج القاصرات، في تقديري، علاقة وطيدة بتصور مجتمعنا ككل للأنثى، فرغم كل مظاهر التمدن و«الحداثة»، مازالت هذه الأنثى في اللاوعي الدفين لكثير منا «قدرا» يجب القبول به على مضض، و«لعنة» يستحسن التخلص منها في أسرع وقت. إنها تلك الكوة الهشة التي قد تتسلل منها رياح الفضيحة إلى السلالة في أي حين. أكثر من هذا، لعلها تمثل امتدادا لتصور التراث العربي الإسلامي عموما للجسد.. هذا الكائن الميال إلى كل ما هو سقوط في النجاسة وتلطيخ الروح النقية السجينة بين ضلوعه، ويتعين تسييجه بسياج يكتسي حلة «الشرعية».

إن زواج القاصرات يعكس بشكل جلي التردد الكبير الذي يتخبط فيه مجتمعنا الذي يحاول رفع القدم للقيام بخطوة إلى الأمام، لكن نظره مازال مشدودا، بشكل أو بآخر، إلى الوراء.. إلى الماضي. إنه يعكس بشكل جلي خوف هذا المجتمع الشديد من التغيير الحقيقي وتفضيله التشبث بالماضي، أو ما تبقى منه، بدل التطلع إلى المستقبل.. خوف يجعله يتردد كثيرا في قطع حبل السرة مع الماضي ومع تقاليده المكلفة جدا، رغم أن المستقبل هو الذي ينير الماضي، كما يقول المفكر الألماني فريديش نيتشه.

وأميل إلى التساؤل بيني وبين نفسي إن كان الالتباس الذي يهيمن على علاقتنا بموضوع زواج القاصرات لا يمثل جانبا من علاقتنا بالتراث في معناه العام، أي كل القيم والسلوكات والتقاليد التي وصلتنا من السلف.

ولعل الحسم في منع زواج  القاصرات (القاصر بالمعنى الوضعي وليس الديني) بشكل صريح كفيل بمساعدتنا على قطع حبل السرة هذا. وكما يقول المفكر المغربي عبدالسلام بنعبد العالي، إن هذا الأمر «لا يعني انفصالا مطلقا» عن التقاليد، بل يعني «ربط الوليد بأمه بطريقة جديدة»، وهذا الربط الجديد سيمثل خطوة حقيقية على درب الحداثة التي مازلنا نكتفي بملامسة مظاهرها دون احتضان جوهرها.. خطوة على الدرب الذي يفضي إلى مجتمع يكف، كما قالت الشاعرة السورية الراحلة سنية صالح، عن التعامل، في حالة الأنثى،

«مع الجسد والروح 

كزبائن قدامى

لكنه يلتهمها عندما يجوع».

 
شارك المقال

شارك برأيك
التالي