هل لدينا مجتمع أكاديمي؟

17/03/2014 - 21:48
هل لدينا  مجتمع أكاديمي؟

 وليس غريباً ولا مفاجئاً أن أعرق الجامعات ذات الصيت العالمي الكبير من حيث الإنتاج والعطاء العلميين، تضع مدونات سلوك للمنتسبين إليها، وتُلزمهم بالإقناع على التقيد بها، والسير على هديها، وأكثرها تلائم تشريعاتها، وقوانينها ولوائحها الداخلية، ومؤسساتها مع مضامين هذه المدونات. 

   أشرت في عمود سابق من هذه الجريدة إلى بعض مواجع الجامعة المغربية، وشدَّدت، باقتضاب، على التغيرات التي مسّت جوهر وظائفها، والقيم الجديدة التي تكوّنت بالتدريج، فغَدت ناظِمة لسلوك مجمل مكوناتها، وإن بدرجات مختلفة من مؤسسة إلى أخرى، ومن جامعة إلى أخرى. والحقيقة أن من ينظر إلى عمق هذه المواجع، يفهم لماذا تعذر على الجامعة المغربية، على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على إحداث أقدم نواة لها، بناءً مجتمع أكاديمي، يتوفر على مقومات المجتمعات الأكاديمية، كما وُلدت، واستقرت، وتوطنت في أكثر من بقعة من بقاع العالم.

يتأسس المجتمع الأكاديمي، أولا وقبل كل شيء، على النزاهة الأكاديمية، التي تقتضي فصلَ «الذاتي» عن «الموضوعي»، والانتصارَ المبدئي لرسالة العمل الأكاديمي وقيمه. فحين تكون النزاهة قيمة مشتركة بين مجتمع الأكاديميين، تُصبح معايير الكفاءة، والاستحقاق، والتجرّد هي الفيصل بين تضارب المصالح وتنازعها، وتتوارى نزعات المحسوبية، وتغليب الولاءات، بمختلف مصادرها، حيث تتقوى نجاعة المؤسسات الأكاديمية، وتتعمق حكامتها. فالنزاهة هي القدرة على الاشتغال الأكاديمي بحرية واستقلال، ودون وجل، أو خوف، أو انحناء لأي ضغط من أي جهة كانت. كما أن من أكبر فضائل النزاهة الأكاديمية وضوح استراتيجيات المجتمع الأكاديمي واختياراته، وشفافية سياساته في التدبير، والتسيير، والإنجاز، والتعثر والإخفاق أيضا. إن القيمة الكبرى للنزاهة الأكاديمية تكمن في خلق البيئة السليمة لحفز المشتغلين في المجال الأكاديمي على الجهر بالحق في ما يُنتجون ويلقّنون من معارف، وفي ما يناقشون ويُبدون من آراء، علاوة على أن النزاهة، بحسبها قيمة سامية، تعلِّم أصحابَها، والحال هنا المشتغلون في المجاميع والمؤسسات العلمية، صرامة النظر العلمي، ونسبية  الحقائق التي يرومون الوصول إليها.  

من مقومات المجتمع الأكاديمي كذلك، الاقتناع بأهمية الجامعة العلمية ومركزيتها في بناء المعارف، وتعظيم نتائجها، وتثمين قيمتها. والواقع أن شرعية وجود أي مجتمع أكاديمي تتحدد بقدرة أعضائه على الإنتاج العلمي، بشكل جماعي، ووفق متطلبات عصرية موسومة بالفعالية والنجاعة، ومُميَّزة بكفاءة التعبير عن أسئلة المجتمع وتطلعاته. غير أن تأسيس المجتمع الأكاديمي على روح العمل والانجاز الجماعيين، يحتاج إلى روح الجماعة، أي ثقافة الجماعة العلمية، وفي صدارتها الثقة المتبادلة، وتكامل القدرات والطاقات، ووعي مسؤولية العمل الجماعي والاستعداد للانخراط فيه بدون مواربة أو تردد. بيد أن بناء مجتمع أكاديمي من هذه الطبيعة يحتاج أيضاً إلى إمكانيات تمدّه بالوسائل الكفيلة بتنفيذ السياسات والخطط، وتوفر للمشتغلين في حظيرته شروط العمل بأريحية ودون عُسر أو ضيق.

من المؤسف والمحزن في الآن معا أن تكون المسافة بين الجامعة المغربية والمقومات المطلوبة لبناء مجتمع أكاديمي ليست بالقصيرة، ولا بالمحتمَلِ تجاوزها في المدى القريب. فالهوة ما انفكت تتسع بين واقع جامعتنا والمجتمع الأكاديمي المأمول. وبقدر ما تستمر أوضاعُنا الجامعية في هدر أرصدة قوتها، بالقدر نفسه يستمر بناء المجتمع الأكاديمي في ربوعنا بعيد المنال، وربما صعبَ التحقيق، علماً أن جامعتنا لم تولد عاجزة بالفطرة، بل نشأت وكلها طموح لأن تكون قاطرة للمساهمة في إعادة بناء الدولة والمجتمع الجديدين، غير أنها تعثرت في سياق تعثر المشروع الوطني، وكانت صورة معبرة عن كبواته.

شارك المقال