بني مكادة.. بؤرة سوداء لـ«الجهاديين» والخارجين عن القانون

24 مارس 2014 - 22:19

 

هنا مقاطعة بني مكادة، ساحة «تافيلالت» تحديدا، التي كانت مسرحا للمواجهات الأخيرة بين الأمن ومحتجين. على بعد خطوات من الساحة ينتصب مستشفى الأمراض العقلية والنفسية، وعلى بعد أمتار قليلة توجد أكبر محمية عسكرية بالشمال.

في محيط هذه الساحة أيضا، يوجد مقر الوقاية المدنية، وعلى امتداد الساحة وصولا إلى ساحة «التغيير» التي اتخذها «شباب 20 فبراير» منطلقا لمسيراتهم الاحتجاجية التي كانت تصل إلى قلب المدينة، يمتلئ الشارع بالباعة المتجولين، أغلبهم ينتمون إلى الجماعات السلفية؛ منهم من غادر إلى القتال  بسوريا، ومنهم من ينتظر فرصته للالتحاق بـ «الإخوان» في إدلب.

الطريق إلى حي «أرض الدولة» الشهير يمر أيضا من ساحة «تافيلالت». في هذا الحي وأحياء أخرى مجاورة، يختفي جيش من المدمنين والمبحوث عنهم والخارجين عن القانون، معظمهم شارك في عمليات الهجوم المتعدد الذي طال عناصر الأمن، خلال السنوات الأخيرة؛ منهم من يوجد حاليا وراء القضبان، وكثير منهم خارج أسوار السجن.

«بني مكادة لم تكن بهذه الصورة التي هي عليها اليوم»، يقول محمد العربي، الذي يقطن بالمنطقة منذ الثمانينات، قبل أن يضيف لـ «أخبار اليوم»: «البناء العشوائي والهجرة الداخلية هي التي شوهت المنطقة، وكانت من الأسباب التي جعلت أبناء المنطقة نفسهم  خارج  القانون، أو أنهم مجرمون».

الأمن من جهته، نفذ حملة اعتقالات واسعة في صفوف مروجي المخدرات، وحتى في صفوف السلفيين والمزعجين المبحوث عنهم، ورغم ذلك، صعدت مجموعات جديدة وتجرأت على الأمن، وحملت السلاح في وجهه، ولم تجد حرجا في طرده أثناء عمليات الاقتحام التي قام بها في حي «أرض الدولة».

التجرؤ على قوات الأمن بدأ في الثلاث سنوات الأخيرة، وبالضبط  خلال احتجاجات شباب 20 فبراير، لكن الأمر استفحل في أحداث أكتوبر من سنة 2012،  وتوالت بعدها الأحداث إلى أن وقعت المواجهات الأخيرة،  يوم السبت الماضي، حيث اضطرت قوات الأمن إلى استعمال الرصاص لتفريق المحتجين.

 

 الشرارة الأولى 

1 أكتوبر 2012 كان مأمورو التنفيذ التابعون للمحكمة الابتدائية بطنجة على موعد مع مهمة عادية، لكن في مكان غير عاد، إنه حي «أرض الدولة»، الحي الذي يشهد في كل مرة عدة أحداث ومواجهات منذ سنوات.

المنفذون أتوا إلى البيت الذي سيباشرون فيه مهمتهم بقرار قضائي رفقة رجال الأمن والقوات المساعدة، لكنهم سيفاجأون بمقاومة من نوع خاص: «حاولنا اقتحام البيت رفقة رجال الأمن لنسلمه إلى صاحبته التي اقتنته من المحكمة، لكننا تفاجأنا بالقنينات الزجاجية، وهي ترمى على رؤوسنا»، يقول أحد مأموري التنفيذ لـ «أخبار اليوم».

ويضيف قائلا: «أصبنا بجروح بسيطة، لكننا نجونا من إصابات خطيرة كادت أن تعصف بحياتنا، لأنهم لم يتركوا شيئا إلا ورموه علينا حتى قنينات الغاز رشقنا بها».

ليست هذه المرة الأولى التي يقوم فيها مأمورو التنفيذ بمهمة تفعيل الحكم القضائي بشأن عملية إفراغ أحد المنازل، بل إن المحاولات التي قاموا بها لتنفيذ الحكم تجاوزت الأربعين. ماذا تفعلون حينما تواجهون صعوبات في تنفيذ الحكم القضائي؟ تسأل «أخبار اليوم» فيجيب المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، «نقوم بتحرير محضر الامتناع والعصيان، ونسلمه للنيابة العامة».

في هذا اليوم، أصيب عنصران من رجال الأمن أمام المنزل بإصابات بليغة، بعدما طعنا من الظهر من طرف مجهولين، كانوا ضمن المحتجين الذين رفضوا عملية اقتحام هذا المنزل.

لم تجد قوات الأمن ومأمورو التنفيذ مع هذا الوضع سوى الانسحاب، وتحرير محضر الامتناع والعصيان للمرة الواحدة والأربعين.

عاد رجال الأمن إلى مواقعهم، ومأمورو التنفيذ إلى مقراتهم في المحكمة، وبدا الوضع في حي «أرض الدولة» أكثر توترا، أما المحتجون فبدوا وكأنهم حققوا «إنجازا كبيرا»، بمنع قوات الأمن من طرد الأسرة  التي تقطن المنزل الذي صدر حكم قضائي بإفراغه.

وضع هذا المشهد سيناريوهات عديدة أمام المسؤولين الأمنيين، سيما وأن الظرفية كانت خاصة، حيث لم يتبق سوى يومين على موعد الاقتراع في الانتخابات الجزئية الأخيرة (جرى الاقتراع يوم 4 أكتوبر)؛ من بين هذه السيناريوهات تفادي التصعيد، وتأجيل عملية التنفيذ إلى ما بعد الانتخابات، ووضع خطة محكمة للتدخل، وإشراك جميع الأجهزة الأمنية، سيما وأن التدخل يقع بالقرب من المحمية العسكرية.

السيناريو الثاني الذي كان يفكر فيه المسؤولون الأمنيون بطنجة، هو أن عدم التدخل كان سيتم تأويله من طرف المحتجين بأن رجال الأمن أصيبوا بالخوف والذعر، وإنهم لن يعودوا مرة ثانية.

والي الأمن كانت له كلمة الفصل في الموضوع، وقرر التدخل وإعداد خطة لاقتحام الحي، وإفراغ البيت واعتقال قاطنيه؛ وعلى رأسهم الزوج والزوجة المتهمان بعرقلة تنفيذ حكم قضائي.

اقتحم الحي، وتجددت المواجهات، وتمكن عناصر الأمن من السيطرة بعد ساعات من المواجهات الدامية استعملت فيها الغازات المسيلة للدموع من قبل رجال الأمن وزجاجات «المولوتوف» من قبل المحتجين.

عاد الهدوء ليخيم على المنطقة لشهور، لكن كان بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة. من يوصفون بأنهم خارجون عن القانون بالمنطقة كانوا ينتظرون أي سبب حتى يشعلوا بني مكادة من جديد، وقد نجحوا في ذلك.

بدأت القصة هذه المرة مع سيارة صغيرة كانت تسير في الاتجاه غير الصحيح، أوقفتها دورية أمنية، فرفض صاحبها السلفي الكشف عن هويتها، وما هي إلا دقائق حتى تحولت ساحة «تافيلات» إلى معركة ساخنة بين الأمن ومجهولين باغتوا الدورية بالحجارة.

عززت قوات الأمن من وجودها في المنطقة، وتدخلت مختلف التشكيلات الأمنية لصد الهجوم الذي تعرض له رجال الأمن، وقد أطلقت أعيرة نارية بهدف تخويف هؤلاء، وفض هذه الاشتباكات.

 

السلفيون في قلب المعركة

 لم تمض سنوات قليلة حتى تحول السلفيون إلى رقم صعب داخل «بني مكادة». انخرطوا بشكل قوي في احتجاجات «20 فبراير»، التي كانت تنطلق من ساحة «التغيير» سنة 2011، وكانوا أيضا في قلب المواجهات التي تحدث في المنطقة. وفي خضم هذه الأحداث لم ينس بعض السلفيين الذين توصف أفكارهم بأنها «جهادية»، هدفهم وهو السفر والجهاد في مناطق وبؤر التوتر.

بالمقابل، كانت أعين الأجهزة الأمنية لا تغيب عن مجموعة من العناصر؛ سيما أولئك الذين كانت لهم سوابق في الضرب والجرح والانحراف..، بل وحتى الاتجار في المخدرات، قبل أن يدخلوا باب التوبة خلال فترة سجنهم، ولما خرجوا منه بدا كل شيء وقد تغير؛ أفكارهم وكلامهم، وملابسهم..، وحتى طريقة تعاملهم مع الناس.

السلطات المحلية لعبت دورا كبيرا في محاولة  منها لتجميع السلفيين في مكان محدد بـ «بني مكادة»، وبالضبط في سوق «بئر الشعيري»، لأنها من ناحية، كانت تحاول تجميعهم في مكان واحد حتى تسهل عملية مراقبتهم. ومن جهة ثانية، كانت تراهن على أن انشغال هؤلاء بالتجارة، ربما يلهيهم عن التفكير في ما تكره السلطات حدوثه.

بعض التجار الذين يتوفرون على محلات تجارية داخل هذا السوق، كانوا يعتبرون هذا الإجراء بمثابة تضييق على مصالحهم التجارية، وساهم في ما يوصف بـ»تغول» هذا التيار وتقويته وهيمنته على السوق.

«الأمر اتخذ أبعاد أخرى لدرجة أنهم أصبحوا هم الآمرون والناهون داخل «بني مكادة»، بل أكثر من ذلك باتوا يؤدون أدوار الشرطة وأعوان السلطة، في الفصل بين النزاعات والصراعات والمشاجرات التي تقع بين المتخاصمين»، يقول أحد التجار بسوق بئر الشعيري.

تلقى السلفيون بالمنطقة ضربة قوية بعد اعتقال رضوان ثابت يوم 26 نونبر 2012، فالرجل كان له شأن عظيم وسط السلفيين، وكان قدوة لعدد من الشباب المتحمسين المبتدئين.

اعتقل رضوان ثابت خلال مواجهات غير مسبوقة بين قوات الأمن وعناصر محسوبة على التيار السلفي الجهادي، وفق ما أكده بلاغ الوكيل العام بطنجة، إذ استعملت أثناء المواجهات العصي والحجارة وتم الاعتداء على خمسة من رجال الأمن.

بعد هذه الأحداث، انقسم السلفيون بين من يرى أنه من حق الدولة أن تحقق مع من اشتبهت فيه، وبين من يرى -وهؤلاء من أنصار ثابت- أن واجب النصرة يقتضي عليهم مواجهة المخزن والضغط عليه حتى يفرجوا عن أخيهم المعتقل.

لكن الأحداث تطورت بشكل سريع، وبدت الأجهزة الأمنية مستعدة لتطهير المنطقة واعتقال المشتبه فيهم. فقد تكفلت الشرطة القضائية بطنجة بالمنحرفين، الذين ظهرت صورهم وهم يرمون قوات الأمن بالحجارة، أما أجهزة مراقبة التراب الوطني والفرقة الوطنية فقد تكفلت بالعناصر السلفية التي لها سوابق، وبدأت تعتقلهم واحدا تلوى الآخر.

 

معارك المدمنين والمروجين

عادة ما يتصدر مدمنو المخدرات واجهة الأحداث في بني مكادة، وقد وقعت أحداث كثيرة شارك فيها المدمنون، وتم اعتقال عدد كبير منهم، وهؤلاء أغلبهم من فئة القاصرين.

المدمنون أيضا تجرؤوا على الأمن، ووصلت مغامراتهم مع الشرطة لحد أنهم خلصوا أحد المروجين الكبار في «بني مكادة» من قبضة دورية الأمن، وفروا به مصفد اليدين. ونشبت معارك عديدة بين المروجين والمدمنين، آخرها وقع في شارع مولاي سليمان، استعملت فيها الأسلحة البيضاء والحجارة والزجاجات الحارقة…

المعركة استمرت لساعات طويلة غاب فيها الأمن، وقد أسفرت عن خسائر مادية فادحة، إذ تعرضت عدة سيارات إلى تكسير واجهاتها، كما حصل ارتباك كبير في حركة المرور، بسبب هذه المعركة التي وصفت بأنها «غير مسبوقة» بين تجار المخدرات والأمن بالمنطقة.

المعركة التي دارت في «بني مكادة» بين تجار المخدرات تبعتها حملة أمنية قوية بالمنطقة طيلة أربعة أيام، وأسفرت عن إيقاف ما يزيد عن 1000 شخص تم إخضاعهم لعملية كشف الهوية، وتبين أن من بينهم عدد من المبحوث عنهم في قضايا مختلفة؛ فاق عددهم ثلاثين شخصا.

الحملة التي شارك فيها عدد كبير من رجال الأمن، قدموا من مناطق أمنية أخرى، من أجل تنفيذ عملية الاقتحام التي أسفرت عن إيقاف هذا العدد المهم من الأشخاص.

وقادت إلى اعتقال 191 شخصا تم ضبطهم في حالة تلبس، منهم من كان يتاجر في المخدرات، ومنهم من كان يحمل السلاح الأبيض، ومنهم من جرى إيقافه بتهمة السكر العلني.

المبحوث عنهم كانوا أيضا من بين المستهدفين في هذه الحملة الأمنية، إذ تم اعتقال أزيد من 30 شخصا، أغلب التهم الموجهة إليهم هو الاتجار وترويج المخدرات، ومن بينهم أيضا أولئك الذين كانوا من بين المشاركين في المواجهات التي دارت بين الأمن والمحتجين داخل «بني مكادة».

شارك المقال

شارك برأيك
التالي