فإذا كان الاسم العائلي يمنحنا هوية (دعني أسميها هنا) اجتماعية وإدارية، فإن الاسم الشخصي هو الذي نحس بأنه يمنحنا هويتنا الذاتية العميقة. صحيح أننا لم نختره بأنفسنا، كما لم نختر سحناتنا وقسماتنا وطبيعة شعرنا، ولكننا نحمله مثل تميمة وضعت حول عنقنا لدرء أي سحر، ونحس بأن سحرها الغامض هو الذي يعطي معنى لذاتنا.. لـ«الأنا» الحميمية.. هو الذي يمنحنا كأفراد قوة التحرر من سطوة الانتماء إلى السلالة والإحساس بالتفرد وعدم الانتماء إلى شيء آخر غير ذواتنا، وأحلامنا. وفوق هذا وذاك، فالاسم الشخصي، وليس الاسم العائلي، هو الذي نخاطب به ذواتنا.
ولعل هذا ما يجعله دائما مصحوبا، في كل الثقافات، بطقوس خاصة تُضفي عليه بعدا أسطوريا يتجاوز ذلك الطابع الإداري المحض الذي ينتهي بوضع الاسم في ذلك السجل الكبير الداكن اللون والمهمل في «مقاطعة» الحي، وفي ذلك الحيز الضيق في كناش الحالة المدنية. بل إن المولود في كثير من المناطق المغربية لم يكن، إلى مستقبل قريب جدا، يطلق عليه الاسم «بشكل رسمي» إلا بعد أن يتمم أسبوعه الأول، وبعد إراقة دم ذبيحة في احتفال تحضره السلالة كلها تقريبا للاحتفاء بفرعها الجديد.
لكن هذا الاحتفال كان لسنين طويلة مخدوشا برقابة غير مبررة على الأسماء التي يختارها الآباء والأمهات لأبنائهم وبناتهم، ولم ترفع بشكل رسمي سوى في الاجتماع الأخير للجنة العليا للحالة المدنية، خاصة بالنسبة إلى الأسماء ذات الرنة الأمازيغية الخالصة.
وقد كان من نتائج هذا الحظر الغريب، أن وضع المغربي داخله رقيبا يوجهه قهرا إلى أن يختار لابنه أو ابنته الاسم الذي يراه يروق السلطة، وليس ذاك الذي يحسه ملائما لمولوده… هذا المولود الذي يُعتبر في نهاية الأمر انتصارا على الموت.
لا شك أن التحرير الرسمي لحق المرء في منح الاسم الذي يراه مناسبا لهذا الكائن، الذي يخرج من صلبه، لن يكون كافيا لكي يفلح المغربي في طرد هذا الرقيب الذي عشّش في داخله وأنجب الكثير من الرقباء الآخرين، ولكن ما أقدمت عليه اللجنة العليا للحالة المدنية يعتبر، في تقديري، خطوة صغيرة على الدرب المفضي إلى الحداثة الحقيقية.. التي تقوم أساسا على الفرد الكامل في فردانيته (وليس الأنانية). وتبتدئ هذه الفردانية بحق المرء في منح اسم لابنه أو ابنته دون تدخل مجحف من سلطة خارجية، وحق المولود في ألا يكتشف فيما بعد أن الاسم الذي يحمله، أُلصق به تحت إكراه توجيه يد خفية لم يكن على علم بتاتا بأنها تصفي عبره حساباتها مع مكون من مكونات النسيج المغربي الهوياتي والثقافي المغربي.