الهجوم «المسلح» على مركب محمد بن جلون، مقر تدريب الوداد الرياضي، ولاعبي الفريق، في العشرين من الشهر الماضي، أعاد إلى الأذهان تعرض مدربين ولاعبين ورؤساء جامعات وعائلاتهم، لتهديدات بالقتل، ما يشير، حسب البعض، إلى أن الكرة المغربية أصبح لها ارتباط وثيق بـ «الإجرام وأعمال العنف».
إلى جانب «الهجوم المسلح» على لاعبي الوداد، فإن العديد من المدربين المغاربة تعرضوا، وهم يباشرون عملهم، لتهديدات بالقتل، ذلك أن أكثر من مدرب قدم استقالته بداعي خشيته من تعرضه للأذى، وخوفه على أسرته.حسب الكثيرين، فإن المدربين ورؤساء الفرق، في الدوري الوطني، الأكثر إثارة للجدل، حتى إن الجماهير، المصنفة في خانة «البلطجية»، أصبحت تطلب رؤوسهم، وتهدد بتصفيتهم، فيما يخرج عن نطاق الرياضة والأخلاق.
بادو.. أشهر تهديد
أشهر حالات التهديد بالقتل في الكرة الوطنية تلك التي تعرض لها الإطار الوطني الزاكي بادو، أواخر موسم 2009/2010، حين كان يشرف على تدريب فريق الوداد الرياضي، الذي كان ينافس، وقتذاك، على لقب الدوري الوطني.
كان محبو الوداد ينتظرون من الزاكي قيادة الفريق إلى الفوز في مباراة الديربي أمام الرجاء الرياضي، برسم الدورة السادسة والعشرين، في الثامن عشر من شهر أبريل عام 2010، بينما كان معارضوه والمتربصون به ينتظرون تعثره، وبالتالي هزيمته كي تتاح لهم فرصة مواتية لتنفيذ تهديداتهم.
صدقت انتظارات المتربصين بالإطار الوطني الزاكي بعد هزيمة الوداد الرياضي بهدف لصفر في الديربي، أمام غريمه الرجاء البيضاوي، فبدأوا يعدون العدة للإجهاز عليه؛ أي إبعاده من الفريق. بعد نهاية أول حصة تدريبية للفريق الأحمر إثر الهزيمة، وكانت يوم الثلاثاء 20 أبريل، وبينما كان الإطار الزاكي متوجها بسيارته إلى بيته، في حدود الساعة الواحدة ظهرا، حاول مجهولون، على دراجة نارية، اعتراض طريقه في الطريق السيار، قال له أحدهم: «غادي تمشي بحالك ولا غادي نخليو دار بوك»، ثم قال الآخر، وكان يشهر سلاحا أبيض: «بعد من الوداد ولا ندبحك وندبح ولادك».
لم يصدق الزاكي ما تعرض له، وما سمعه، كان دائما يشتكي من المشوشين الذين يجوبون محيط الفريق متربصين به، لكنه لم يكن يعتقد أنه سيصل بهم الحد إلى إشهار السلاح الأبيض في وجهه لمطالبته بالرحيل.
في اليوم الموالي للحادث، الذي تزامن مع يوم الأربعاء 21 أبريل، وضع الإطار الوطني استقالته مباشرة بعد نهاية الحصة التدريبية الصباحية، لم يخبر أحدا بأنه ينوي الرحيل، خاض الحصة بشكل عادي، ولم يلمس اللاعبون أنه ينوي الاستقالة تلبية لمطمح المطالبين برأسه.
كانت استقالة الزاكي الأكثر غموضا في موسم 2009/2010، ذلك أنه مباشرة بعد أن زف أحد معارضيه النبأ إلى وسائل الإعلام، تهاطلت الاتصالات على الإطار الوطني، الذي رفض التوضيح في بادئ الأمر، إذ أن العديد من وسائل الإعلام العربية والغربية كانت تريد معرفة لغز رحيل مدرب المنتخب الوطني سابقا، حتى استجاب لوكالة «رويترز»، وقال في تصريح لها، إنه قدم استقالته لأن حياته وحياة عائلته أصبحت «في خطر حقيقي».
أكرم.. رسائل هاتفية خطيرة
توصل عبد الإله أكرم، رئيس الوداد الرياضي لكرة القدم، خلال تنظيم جمهور الفريق لوقفات احتجاجية أمام مركب محمد بن جلون، قبل وبعد بداية الموسم الحالي، بعشرات الرسائل الهاتفية، تهدده بالقتل والاعتداء على عائلته إذا استمر في منصبه. في حوار مع «أخبار اليوم»، سابقا، أكد أكرم أنه تلقى مجموعة من الرسائل الهاتفية من مجهولين تهدده بتصفيته الجسدية، إن لم يترك الفريق، وأصابته بالهلع، وأنه بات يخشى على نفسه وعلى أفراد عائلته من أي مكروه، مبرزا أنه رفض تقديم شكوى إلى السلطات الأمنية ضد مجهولين، وأوضح: «لأني أعرف أنهم سيقبضون على قاصرين، وأنا أرفض أن أكون سببا في سجن قاصرين مدفوعين من جهات معينة، هناك جهة تسعى لتدمير الوداد، يستغلون الأطفال و «الشمكارا» وذوي السوابق العدلية، ويمنحوهم حبوب الهلوسة والقرقوبي بالمجان، مقابل أن يهددوني بالقتل. شخصيا، أشفق كثيرا على هؤلاء «الشمكارا»، لأنهم مدفوعون، وهم ليسوا في وعيهم، لذلك لا يمكنني أن أتقدم ضدهم بشكوى، لأنهم ليسوا في حالتهم الطبيعية، وأرفض أن أكون سببا في سجن أطفال بريئين».
التهديدات التي تلقاها أكرم كانت من بين أسباب وعده لجمهور فصيل «الوينرز» بالرحيل عن الفريق مع نهاية الموسم الحالي، ذلك أنه أصبح حريصا على صحته وحياته أكثر من ذي قبل.
فتحي.. إما أن ترحل أو…
كان الإطار الوطني جمال فتحي قريبا من التعاقد مع فريق الرجاء الرياضي الموسم قبل الماضي، خلفا للروماني إيلي بالاتشي، قبل أن تتدخل أياد غادرة لتحول دون عودة الابن الرجاوي لبيته الأصلي.
اتصل عبد السلام حنات، رئيس فريق الرجاء الرياضي، وقتذاك، بجمال فتحي، عارضا عليه تدريب الفريق، فقبل الإطار الوطني بصدر رحب، وأبدى استعداداه لخدمة بيته الأصلي، حتى إنه أبدى حماسا كبيرا للعمل في معقله، واستعدادا قويا لقيادة النسور نحو النتائج الايجابية، قبل أن يغير موقفه، بشكل مفاجئ، في ظرف أقل من ساعتين، ويرفض العمل في القلعة الخضراء. استغرب المحبون الرجاويون لرفض جمال فتحي تدريب الرجاء، فريقه الأم، بعد أن كان أعطى موافقته على ذلك، إذ أنه في الوقت الذي كان فيه المكتب المسير للفريق الأخضر يجهز بنود العقد من أجل توقيعه أمام وسائل الإعلام، في ندوة صحفية، بعث الإطار الوطني برسالة هاتفية إلى رئيس الفريق حينها، عبد السلام حنات، يخبره فيها باعتذاره عن تدريب الفريق لأسباب خارجة عن إرادته. بعد أن تعرض جمال فتحي لوابل من الانتقادات من المكتب المسير للفريق الأخضر، ومن طرف الجماهير الرجاوية، التي وصفته بـ «الخائن»، اضطر إلى توضيح أسباب تراجعه عن تدريب الرجاء، وقال، في تصريح، إذاعي إنه تعرض لتهديدات بالقتل من طرف بعض المحسوبين على القلعة الخضراء.
بنهاشم.. «غدا تمشي بحالك»..
في الموسم قبل الماضي، ومباشرة بعدما غادر الإطار الوطني محمد أمين بنهاشم ملعب فاس في سيارته الخاصة، عقب هزيمة فريقه الوداد الفاسي في مباراة في الدوري المغربي، اعترض سبيله مجموعة من الأشخاص، في سيارة، وأشهروا في وجهه أسلحة بيضاء، وقالوا له: «غدا تضع استقالتك وسير بحالك، وإن رفضت لن يعجبك الحال».
أصيب الإطار الوطني بالهلع، لم يكن يتخيل يوما أنه سيتعرض لما تعرض له، تساءل مع نفسه: «هل يمكن أن يتحول الاحتجاج في الملاعب المغربية إلى تهديدات بالقتل، هل هؤلاء البلطجية من جمهور «الواف» أم هم فقط مستأجرون من جهات معارضة لدفعي إلى الرحيل».
لم يستسغ الإطار الوطني ما تعرض له حين يتحول الاحتجاج إلى تهديد بالقتل، يصير الأمر في غاية الخطورة، ويستدعي قليلا من التفكير، لهذا سارع في اليوم الموالي إلى وضع استقالته في إدارة الوداد الفاسي.. قبلها رئيس المكتب المسير عبد الرزاق السبتي بصدر رحب، وبعد يومين من استقالة بنهاشم، قدم المكتب المسير لـ «الواف» المدرب السويسري شارل روسلي إلى وسائل الإعلام، كقائد جديد للفريق خلفا لنهاشم.
بنيس والميلاني أيضا..
في الموسم الماضي اضطر الإطار الوطني جواد الميلاني إلى الاستقالة من منصبه مدربا للدفاع الحسني الجديدي بعد تلقيه لما وصفه بـ «تهديدات بالقتل»، إذ قال الميلاني إنه كان يريد الاستمرار في منصبه مدربا للفريق، غير أن خوفه على حياته وحياة أسرته جعلاه يقرر الرحيل بشكل مفاجئ بعد تلقيه مكالمات هاتفية من مجهولين تهدده بالقتل.
وقبل بداية موسم 2010/2011، كلف المكتب المسير لفريق الكوكب المراكشي الإطار الوطني عز الدين بنيس بتولي مهمة تدريب الفريق، غير أنه سرعان ما قرر الرحيل بسبب ما أس ماه الممارسات غير المهنية التي تعرض لها من طرف بعض المحسوبين على الفريق هددوه بتصفيته وإلحاق الأذى بعائلته في حال لم يترك الفريق وشأنه.
يوسف المريني، ترك هو الآخر قيادته لفريق أولمبيك خريبكة، في الموسم الكروي قبل الماضي، بسبب تلقيه لتهديدات كثيرة استمرت لمدة أزيد من شهر. فبعد نهاية مباراة فريق أولمبيك خريبكة، في الدوري الوطني، تفاجأ يوسف المريني بتوصله بعشرات المكالمات من زوجته، كانت تريد الاستنجاد به من بعض «البلطجية»، حاولوا مهاجمتها في بيتها.
اتصل المريني بزوجته ليستفسر عن الأمر، فأخبرته أن مجموعة من «البلطجية» هجموا عليها، ورموا بيتها بالحجارة، وقنينات الخمر، وقالوا لها بأن تدعوه إلى ترك منصبه من فريق أولمبيك خريبكة الذي استمر معه لموسمين، وإلا فإنه سيلقى حتفه.
مباشرة بعد تلك الواقعة اضطر المريني لترك منصبه من الفريق الخريبكي، حفاظا على سلامته وأسرته، وراح يتجول بين الفرق باحثا عن الاستقرار والأمان، حتى استقر به المقام هذا الموسم في نهضة بركان.
هل الظاهرة مغربية فقط؟
كل المدربين الذين تلقوا تهديدات بالقتل والاعتداء على عائلاتهم يجمعون على أن هذه الأفعال، التي تحولت إلى شبه ظاهرة، توجد في المغرب فقط، وأنه في العديد من الدوريات الكروية، كالدوري الأرجنتيني، المعروف بعصبية جماهيره الزائدة، لا يتلقى المدربون تهديدات بالقتل أو تصفيتهم وعائلاتهم في حال خسارتهم.
وأجمع كل المدربين المعنيين على أن «البلطجية» الذين يهددون الأطر الوطنية بتصفيتهم والاعتداء على عائلاتهم مسخرين من جهات تكون معارضة في الغالب للمسيرين، وتتربص بهم لإبعادهم من تدريب الفريق من أجل تنصيب أطر وطنية أخرى، مبرزين أن هؤلاء المعارضين يمكن لهم أن يفعلوا المستحيل من أجل مصالحهم الشخصية.
لمريني: أصبحنا نخشى على أنفسنا وعائلاتنا
أبدى يوسف المريني، مدرب فريق نهضة بركان لكرة القدم، والمدرب السابق لعدد من الفرق الوطنية، تخوفه من إصابته بمكروه من طرف الإرهابيين الذين باتوا أخيرا يهددون حياة المدربين واللاعبين ورؤساء الفرق.
وقال المريني، إنه ومدربي الفرق الوطنية، باتوا يخشون على أنفسهم الهلاك، مع أي نتيجة سلبية، مشيرا إلى أن كثيرا من المدربين لا يتنفسون الصعداء إلا بعد فوز فرقهم: «هناك مدربون تمر عليهم أيام سوداء من طرف بعض الجماهير المنحلة تدعي أنها تشجع فرقهم».
وأبرز المريني، الذي سبق له وتعرض للتهديد من طرف مجهولين، وتعرضت عائلته للاعتداء خلال إشرافه على أولمبيك خريبكة، أن الدوري الوطني لكرة القدم تحول إلى بؤرة فساد لبعض المجرمين، يتوجهون نهاية كل أسبوع إلى الملاعب الوطنية من أجل تفريغ مكبوتاتهم والاعتداء على الأطفال القاصرين، وسلب ممتلكات الغير، ولا يتوانون في الاعتداء على اللاعبين والمدربين، مبرزا أن هؤلاء، ليسوا بمشجعي كرة القدم، بل فقط بمثابة مجرمين منحلين.
وأضاف المصدر ذاته: «يجب أن يقنن الدخول إلى الملاعب، والتعامل مع هذا الأمر بصرامة، كل أسبوع أشاهد أطفالا صغارا، لا تتجاوز أعمارهم الثماني أو العشر سنوات في مدرجات مختلف الملاعب الوطنية. هذا الأمر خطير جدا، علينا أن نحقق كيف سمح لهذا الطفل بولوج المدرجات بدون ولي أمره». وأضاف المريني متحدثا عن الجهات التي تقف وراء «المعتدين» الذين يهددون اللاعبين والمدربين والرؤساء، مبرزا أنها في الغالب تكون ضد مصالح فرقها، مشيرا إلى أن بعض المجرمين، في الملاعب الوطنية، لا يشتغلون لأي طرف، بل فقط يعانون وضعا اجتماعيا صعبا، ويأتون إلى الملعب ليفرغوا مكبوتاتهم في اللاعبين والمدربين.
وتساءل المريني قائلا: «متى سنصل إلى مستوى جمهور الفرق الأوربية؟ في الملاعب الإنجليزية على سبيل المثال؛ نرى المشجعين يجلسون في المدرجات بمحاذاة أرضية الملعب، ويشجعون فرقهم، سواء كانت فائزة أو منهزمة، ومع نهاية المباراة يصفقون للطرف الفائز، ويغادرون في سلام، ونرى المدربين واللاعبين يتجولون في الشوارع بسلام، دون خشيتهم على سلامة أنفسهم، بينما العكس في المغرب، نجد أن المدرب أو اللاعب يتجول وهو يخشى دائما أن يتعرض لمكروه».