خاصة أن الحرب أكلت 800 ألف إنسان، 90 في المائة منهم أبرياء لم يشاركوا في حرب المناجل والسكاكين قط، سواء من قبيلة التوتسي أو الهوتو. النقاش دار ويدور حول القاتل الصغير أو الجلاد المأمور ما هي مسؤوليته وما هي عقوبته في العدالة الانتقالية أو العدالة الجنائية… لا خلاف بين القانونيين حول المسؤولية الجنائية لمن خططوا لهذه الحرب، ولمن أعطوا الأوامر بالقتل، ولمن استفادوا من الإبادة الجماعية للأبرياء، لكن المنفذين الصغار عادة ما لا يحملهم القضاء الدولي والأمم المتحدة والمراقبون نفس مسؤولية الكبار عن الجرائم التي ارتكبوها بدعوى أن هؤلاء ما هم إلا أدوات للتنفيذ، والبعض يرى أنهم ضحايا أيضاً بشكل من الأشكال…
لكن اليوم هناك من يرى عكس ذلك تماماً، أدوات القتل الصغيرة هذه لو كانت تخاف الحساب، قدر خوفها من سيدها الذي أمرها بالقتل أو التعذيب أو انتهاك حقوق الإنسان، لما أقدمت على مس حياة البشر. الشرطي الصغير في مخفر البوليس أو المخابرات أو الجيش عندما يعرف أنه سيُسأل عن التعذيب وعن القتل وعن المس بكرامة البشر، وأن سيده الذي يعطيه الأوامر لن يحميه غدا من المساءلة القانونية أمام محكمة وطنية أو دولية، فربما يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على تلويث يده بدم إنسان آخر، مهما كان لونه أو عرقه أو دينه أو رأيه السياسي أو حتى جريمته…
لو كان رجال الأمن في المغرب يعرفون في زمن سنوات الرصاص أن هناك من سيحاسبهم على التعذيب وعلى الاختطاف والاعتقال التعسفي، وعلى إطلاق النار على المتظاهرين، وعلى التجسس غير القانوني على مكالمات الناس وحياتهم الخاصة.. لو كانوا يعلمون أن يوم الحساب سيأتي فربما كان أغلبهم سيرفض الانصياع للأوامر النازلة من فوق، والتي تقع خارج القانون.
لو كان القضاة، الذين أصدروا أحكاما جائرة في حق المعارضين السياسيين والحقوقيين والصحافيين والنقابيين والطلبة، يعرفون أن يوم حسابهم سيأتي، وأن إصدار أحكام جائرة بالسجن أو الإعدام جريمة لن تمر دون عقاب، وأن الجلاد ليس من يعطي الأوامر فقط، بل كل من ينفذ الجريمة ومن يبررها، ومن يقود الحملات الإعلامية ضد الضحايا، وحتى من يصمت في وجه الجلاد ويختار قانون الشيطان الأخرس… كل هؤلاء شركاء في الجريمة…
لو عرف الموظف الصغير الذي يخرق القانون أن سيده لن يحميه غدا أمام محكمة فربما يستقيل من وظيفته، وربما يستيقظ ضميره، وربما يخاف العقاب حتى لو لم يكن له ضمير. هل نتصور، مثلا، أن شرطيا فرنسيا أو ألمانيا أو بريطانيا سيلفق تهمة لمواطن بريء بأمر من رئيسه دون أن يناقش أو يجادل أو يرفض أو يستقيل من منصبه… إنه ليس موظفا نموذجيا ولا ملاكا.. إنه يخاف المحاسبة غدا، ويعرف أن أوامر سيده لا تحميه، وأن خرقا لقانون لا يمر بدون حساب، وأن أحدا ليس فوق المساءلة.
عندما يرى الصغار أن الكبار يمثلون في قفص الاتهام، وأنهم يدخلون إلى السجن، وأنهم ينالون العقاب المادي والمعنوي عن الجرائم التي يقومون بها، عند ذلك يستيقظ ضميرهم أو يتحرك الخوف في نفوسهم، أما عندما يصير الإفلات من العقاب سياسة عمومية، فهذا يعطي الموظفين الصغار ضمانة على أن خرق القانون والتلاعب بحياة الناس وتطبيق التعليمات العارية من الشرعية القانونية كلها ممارسات طبيعية ومحمية ولا سؤال يتبعها.
السلطة تعرف جيدا هذه القاعدة، لهذا فهي تحمي الكبار والصغار من منتهكي حقوق الإنسان، وتغضب كثيرا إذا اقترب منهم أحد بالمساءلة أو الحساب، لأنها تعرف أن نظام التعليمات والأوامر سينهار إذا تعرضوا لهذا النوع من المساءلة، وأن أحدا غدا لن يعتقل ولن يطلق النار ولن يتجسس ولن يفبرك الملفات، ولن يدافع عن النظام بكل الوسائل الممكنة إذا كان يعرف أنه سيُسأل عما يفعل…