أوريد: العدالة والتنمية منسجم مع خطابه و«البام» يعاني «خطيئة النشأة»

15/04/2014 - 20:03
أوريد: العدالة والتنمية منسجم  مع خطابه و«البام» يعاني «خطيئة النشأة»

ينطلق هذا الحوار من رواية حسن أوريد الأخيرة «سيرة حمار»، ليخوض في القضايا الفكرية والسياسية والأدبية التي يطرحها الكتاب نفسه، وكذا التحولات العامة التي يشهدها المغرب وباقي المنطقة المغاربية. فالغاية من هذا الحوار ليس مقاربة هذه التحولات والقضايا النابعة منها فحسب، بل أيضا فهم جذورها التاريخية العميقة.

‭{‬  تتناول رواية «سيرة حمار»، في شموليتها، الهوية والشخصية المغربيتين. ما هي خلفيات تأليف هذا العمل الإبداعي؟

< تعود خلفية تأليف هذا العمل، ربما، إلى أكثر من عشرين سنة، في مارس 1989. كنت في زيارة للجزائر، وبالضبط بموقع تيبازة الأثري (وهي كلمة أمازيغية وتعني المكان الصخري وهي تحريف لتيفزة لأن اللاتينية تبدل حرف الفاء بـP مثل أفلاطون التي تصير Platon) رفقة شخصية جزائرية لها ثقافة واسعة، ورجل سياسة مرموق كان قياديا في جبهة التحرير، السيد دماغ العتروس، وهو اسم حركي احتفظ به منذ فترة حرب التحرير. وإذ كنا بتيبازة، أردت أن أستفزه بالنظر إلى مرجعيته القومية، فتحدثت عن أفولاي و«الحمار الذهبي»، وقلت إن هذا المكان يذكرنا بكل تلك الصفحات من تاريخنا، فكان جوابه: «أنا منستعرفش بهاذوك. التاريخ انتاعنا يبدا من سيدي عقبة». فظلت هذه الجملة راسخة في ذهني، وإليها أحيل في رواية «الحديث والشجن» إلى حوار حول تاريخ شمال إفريقيا، حينما يقول شخص من شخوص الرواية: «تاريخنا لا يبدأ من عُقبة»؛ يعني أن هذه اللحظة كانت حاضرة. أما جانب البرادويا فيعود إلى وقوفي يوم كنت مسؤولا بالإدارة الترابية بجهة مكناس على احتفاء جماعة نزالة بن عمار بالحمار، وإقامة مهرجان له، وبقربها قبيلة آيت حساين، التي تكره الحمير، وتتطير منها، ولا تنطق باسمها، وتمنع وجودها في أرجائها.

لكن العامل الأساس لاستحضار «الحمار الذهبي» لأفولاي يتمثل في هذه الفترة التي نعيشها، والكبوة التي شهدها ما يسمى بـ«الربيع العربي»، مع صعود اتجاهات سياسية ذات مرجعية ثقافية معينة. فهناك، من دون شك، العقل الباطن الذي يستحضر هذه اللحظة، حينما قال لي مثقف مغاربي إن تاريخ شمال إفريقيا يبدأ من سيدي عقبة. كانت لي دائما رغبة أن أدحض هذا الطرح والتوجه، خاصة بعد الأحداث التي شهدها العالم العربي، وعلى الخصوص مصر، بالغور في عمقنا التاريخي. أظن أن هذه العوامل مجتمعة هي التي دفعتني إلى أن أكتب هذه الرواية.

‭{‬  ألم يكن حريا القيام ببحث في التاريخ أو الأنثروبولوجيا أو سيرة فكرية، بدل تأليف عمل أدبي؟

< طبعا، أساليب التعبير تختلف، لأنه لم يكن يهمني، في نهاية المطاف، أن أعيد الاعتبار لأفولاي (لوسيوس أبوليوس)، بقدر ما كان يهمني أن أطرح قضايا آنية من خلال قالب رواية أفولاي، الذي وظف أسطورة الإنسان الذي يتحول إلى حمار. القالب ذريعة. ما كان يهمني هو أن أذكّر بأن جوهر قضايانا له أسباب ثقافية، في نهاية المطاف. فالشعار الذي كان يحمله الإسلاميون «الإسلام هو الحل» يحيل في تصوري إلى الوعي بالعمق الثقافي لمشاكلنا. ولكن الزعم أن نجد الحلول في إطارات جاهزة ولحظة معينة، فهذا ما لا يستقيم. في جميع الحالات كل التراث الذي نرثه لا يصبح ملكا لنا إلا إذا امتلكناه من خلال قراءة نقدية، مثلما يقول جوته: «ما ترثه عن أبيك اكتسبه لكي يصبح ملكا لك»، لذلك أنا حاولت أن أغوص في هذه الطبقات التاريخية، لأذكّر بأنه كانت لنا علاقات وطيدة مع الغرب. الغرب ليس طارئا، على خلاف ما قد يُتصور، ولا يمكن أن نختزل هذه العلاقة في المرحلة الاستعمارية فقط، أو فترات ما بعد الاستقلال. علاقتنا مع الضفة الشمالية عميقة ومعقدة كذلك، وهذا التراث كذلك يحتاج إلى عملية اكتساب ليطفح بالحياة، وإلا أصبح مومياء تكون عبئا، وربما زينة، ولا شيء غير ذلك.

‭{‬ في الوقت الذي تقول فيه إن قضايانا هي قضايا ثقافية، نجد أن الكتاب يحبل بإشارات سياسية، إذ نقرأ، على سبيل المثال، في الصفحة 38 من الكتاب: «داعبني في فترة الانغمار في السياسة، وقصارى أمري لو فعلت أن أظفر بلقب يفرض علي الخطاب الذي ينبغي أن أتلوه فلا أخرج عنه، وهل يستطيع الساسة أن يخرجوا من خطاب مرسوم سلفا؟ هل يستطيعون أن يروا أبعد مما تتيحه مصالحهم، أو ما تفرضه تحالفاتهم من أجل منصب، أو عهدة أو لقب؟» الإشارة واضحة في هذا المقطع إلى الواقع السياسي الراهن الذي تتحكم فيه أيادٍ عن بعد…

< تعتمد السياسة إما على شبكة من المصالح أو على خطاب جاهز له نفاذ وتأثير لدى الجماهير يوظف المعتقدات. وفي هذه الحالات، لا يخرج السياسي من قوالب قائمة. ويمكن أن تقوم السياسة على احترام التقاليد المرعية، وما يسمى في أدبيات المخزن بـ«القاعدة». ولكن هناك فترات معينة تستلزم السياسة فيها إبداع فكر جديد، حينما تفرز المصالح شبكة أوليغارشية مغلقة، وحين تصبح التقاليد عبئا، ولا تستطيع المعتقدات أن تستجيب لتطلعات جيل جديد وتنخرها تناقضات، وتعجز عن معالجة قضايا مطروحة، آنئذ تبرز ضرورة فكر جديد. فالاشتراكية بدأت فكرا نتيجة لمأزق الليبرالية، والليبرالية بدأت فكرا لتجاوز الحكم المطلق. طبعا، مجال الفكر محصور جدا في فئة قليلة. وعملية الانتقال من الفكر إلى الممارسة تستغرق زمنا طويلا. أولا، يفترض اعتناق الجماهير لهذا الفكر، ما يفترض التنظيم، ويفترض كذلك وجود محترفي سياسة ممن لهم قدرة على التعبئة والحجاج والتأثير من خلال الخطابة ولهم كاريزما، الخ. إذن الفكر أو الرؤية هو الشيء الأساسي في مراحل مفصلية في تاريخ المجتمعات. هنا، يرفض أذربال في «سيرة حمار» أن يذوب في القوالب، لأنه لو انغمر في القوالب القائمة، ربما كرر الخطابات الرائجة، ولم يؤثر في مجتمعه.

في تصوري، يبدو أن الاتجاهات الإسلامية تعبير عن الحاجة إلى معتقدات، مثلما كان خطاب الحركة الوطنية في فترة سابقة. لهذه الاتجاهات، من دون شك، قدرة تعبوية كبيرة، ولكن ليست لها رؤية ولا أدوات معرفية لتعالج قضايا معقدة تتطلب خبرة. لو سمحتَ، قد أوظف جانبا من بعض المفاهيم الفلسفية التي وردت في الرواية، وهي أنه لا يمكن للمجتمعات أن تتطور من دون فكر. المعتقدات شيء مهم في مسك لحمة المجتمع، ولكن لا يمكن لها أن تتقدم بالمجتمعات. فالمعتقدات، كما قلت في هذا العمل، هي أفكار لا نتملكها، بل هي التي تتملكنا. والفكر هو مجموع الأفكار التي نصوغها من خلال تفاعلنا مع الواقع. شخصية أذربال فضلت مجال الفكر، أي صياغة أفكار في تفاعل مع الواقع، عوض أن تنسكب في المعتقدات.

‭{‬ هل يمكن أن نقول إن مرحلة ما بعد دستور 2011 تفتقر إلى رؤية وتصور، وتحتاج أساسا إلى الفكر؟

< هذا رأيي. كانت ربما مرحلة ضرورية. إلى الآن، نحن نعيش سياسيا على قوالب قديمة تم تحيينها. مازلنا نعيش على قوالب الحركة الوطنية، التي كان لها مسوغ، وكان خطابها يحمل حرارة، سواء في شقها المحافظ أو شقها التقدمي. كما نعيش في إطار قوالب إسلامية أتت من الشرق وتأثيره، وأجندته، الخ. ومن جهة أخرى، لم تفرز القوالب التي خرجت من رحم الإدارة أو بإيعازها إطارات فكرية تستجيب لتطلعات مجتمعنا، «البام» يسعى إلى أن يتموقع فكريا، ولكنه يعاني الخطيئة الأصلية، خطيئة سياق النشأة. نلحظ، مثلا، مدى الانفصام، بالنسبة إلى قوالب حزبية معينة، بين خطاب هذه الاتجاهات وسلوكات عناصرها. قبل سنوات خلت، تساءل شخص من حزب الاستقلال: كم من قيادي في حزب الاستقلال قرأ كتاب «النقد الذاتي»؟ وكيف يمكن، مثلا، لحزب اشتراكي أن ينهج سياسة ليبرالية حينما اضطلع بالمسؤولية؟ يبين هذا الانفصام أن هناك حقيقة مفادها أن هناك أزمة. حركة 20 فبراير طرحت أسئلة، ولم تقدم تصورا، ولم تكن لتستطيع في سياق العفوية التي برزت فيها.

أعتقد أن هناك وعيا داخل التنظيمات الحزبية يفيد بضرورة عودة المثقف وانخراطه في الحقل السياسي كمنتج للأفكار، وليس كتابع أو ذيل. طبعا، لا بد أن يأخذ مسافة إزاء الأحداث. فالمثقف ليس هو الذي يبرر أو يزكي أو يصفق، لكنه هو الذي يأخذ مسافة من الأحداث، ليرسم تصورا. وهذا ما يعوزنا.

‭{‬ هل يمكن أن نقول إن الأحزاب عاشت هذا الانفصال عن خطاباتها السابقة من تلقاء ذاتها، أم إنه يمكن أن نفترض أن جهة ما عملت على تنميط عمل الأحزاب، رغم أنها حافظت على كياناتها التنظيمية؟

< أنا لا أميل إلى هذا الطرح. أعتقد أنه لا يمكن أن نختزل المسألة في أن هناك أداة للتحكم عن بعد. وأعتقد أن الأحزاب لم تُحيّن مرجعيتها الفكرية، ولم تهتم بشيء أساسي داخل التنظيمات، وهو دورة النخب. كل الأحزاب هي كائنات تنظيمية شبيهة بالكائنات الحية، وتحتاج، بكيفية من الكيفيات، إلى أن تتغذى بفكر جديد وكفاءات جديدة. فالهياكل التي لا تتجدد تصاب بالتكلس. لذلك، تفترض المسألة، في تصوري، دورة للنخب، أو ما يسمى الآن بالتشبيب (ولو أن للتشبيب في اللغة العربية معنى آخر، يفيد التغزل). وكذلك مرجعية فكرية، فهي الغائب في أغلب التنظيمات السياسية. من هنا، نجد أشياء هجينة. فعلى سبيل المثال، حزب اشتراكي يقود سياسة ليبرالية، وحزب يدعي الدفاع عن اللغة العربية والقيم الإسلامية، ونخبه لا تتقن اللغة العربية وليس لها أي ارتباط حتى بالقيم التي تدعو إليها. طبعا، هذا الانفصام هو، في تصوري، تجلّ للأزمة وسببها كذلك، إذ يغذيها في علاقة جدلية. الأزمة لا تطرح بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية بنفس الحدة، حيث هناك تطابق بين الخطاب وسلوك الأشخاص. لكن لا يمكن للعدالة والتنمية أن يبرأ من تحالفه مع الحزب، الذي كان ينعته بكل شائنة، في الحكومة الثانية لابن كيران.

‭{‬ هناك كثيرون يعتقدون أن حزب العدالة والتنمية يشكل استثناء على مستوى التنظيم والخطاب والممارسة. فما الذي يجعل هذا الحزب «متميزا» عن باقي الأحزاب؟ وما هي الركائز التي تحتاج إليها الأحزاب الأخرى لكي تتجدد؟

< أعتقد، مثلما قال أحد المتتبعين، أنه لا يسوغ أن نجري مقابلة بين الأحزاب في أوربا والأحزاب عندنا. فما نعتبره أحزابا هو أشبه ما يكون بجبهات تضم شرائح متعددة وذات توجهات متباينة. فحزب الاستقلال، مثلا، كان يضم فئات من مختلف الشرائح تشكل جبهة يجمعها أمل نبيل وفضفاض، هو الاستقلال. وحينما انتقل إلى الحكم، برزت تناقضات داخله. وحزب الاتحاد الاشتراكي كان يضم جبهة عريضة تتوزع بين عناصر فرانكفونية وأخرى قومية، بعضها كانت له توجهات ثورية والبعض الآخر كانت له توجهات إصلاحية، الخ. لم يكن هناك انسجام. عندما انتقل الحزب إلى الحكم، أو إلى الحكومة على الأصح، برزت هذه التناقضات. فأغلب الذين استُوزِروا لهم توجهات فرانكفونية، في حين بقيت العناصر ذات التكوين باللغة العربية وذات التوجه القومي العربي في الصفوف الخلفية، وغذت الاتجاهات النقابية أو المعارضة داخل الحزب. وربما الشيء ذاته ينطبق على العدالة والتنمية، باعتبار أنه يضم -وهنا أوظف تحليل «جيل كيبل»- ثلاثة عناصر: العنصر الأول هو المثقف المنبثق من الطبقات الوسطى، وهو المنظر الذي ينتج المعنى ويصوغ التصور، وأغلبية هذه الفئة تتكون من فئة الأساتذة الجامعيين والأطباء والمهندسين، وهم العناصر الأولى التي أنشأت النواة الأولى لما سيصبح حزب العدالة والتنمية. والعنصر الثاني هو الفئات المحرومة، وبالأخص في الأحياء الهامشية، من الشباب العاطل والطلبة الذين يعانون شرخا ثقافيا، بشكل من الأشكال، حيث اجتُثوا من مجتمعاتهم القروية ويعيشون في ظل أوضاع حضرية هشة، ولهم ثقافة محافظة، ولذلك فهم يتماهون مع خطاب هذه الفئة المتعلمة التي تشاركهم القوالب الثقافية، وتحدثهم بلغة يفهمونها، وبخطاب له تأثير عليهم، يخاطب الوجدان (l’affect) والعنصر الثالث لدى العدالة والتنمية هو ما يسميه «جيل كيبل» بـ«البورجوازية المتدينة أو الورعة».

هذا يعني، بشكل من الأشكال، أنه لا يمكن أن نجري مطابقة بين الاتحاد الاشتراكي عندما كان في المعارضة، وبين العدالة والتنمية. إذ كان الاتحاد الاشتراكي حزبا متكونا من بورجوازية صغيرة والطبقة الوسطى والبروليتاريا. لم تكن تسنده عناصر من البورجوازية الورعة أو غير الورعة. فقوة العدالة والتنمية تكمن في كونه استطاع أن يوظف ذراعا ماليا من خلال هذه البورجوازية الورعة التي كانت تساهم في تغطية بعض الأنشطة ذات الطابع الاجتماعي، أو التكفل بحاجيات الطبقات المحرومة، ثم من جهة أخرى الذراع الشعبي الذي هو خزان العمليات الانتخابية، والتجييش في لحظات الاحتجاج (وقفات، تظاهرات…) مع قدرة على توظيف الإعلام، وطنيا ودوليا. فقوة العدالة والتنمية هي بالأساس في التئام هذه العناصر مع سياق عولمة الإعلام وبروز صحافة مستقلة. هل يستطيع العدالة والتنمية أن يحافظ على تماسك هذه العناصر، بعد انتقاله إلى المسؤولية؟ السؤال مطروح. لذلك نلحظ أحيانا خطابين: خطاب معتدل يصب في اتجاه هؤلاء الذين يعتبرون صائغي المعنى أو المنظرين والبورجوازية المتدينة، في انسجام مع البنية التقنية (la technostructure) وخطاب يصب في اتجاه الطبقات المحرومة، وهو خطاب يعبر عن الامتعاض ونوع من التذمر نسبيا، وهو الذي ينعت البنية التقنية بالدولة العميقة.

‭{‬ بناء على هذا التحليل، هل يمكن أن نقول إن العدالة والتنمية قادر على الاستمرارية، وعلى كسر القاعدة التي تقول إن الحزب ينهار بعد كل تجربة حكم؟

< لخطاب العدالة والتنمية تأثير، بالنظر إلى الثقافة السائدة في المجتمع. وللحزب أيضا قوة تنظيمية لا تتوفر لدى أي حزب آخر، لكني أعتقد، في الوقت ذاته، أن الحزب يعي أنه يعاني نقصا في ما يخص المثقف الذي يقتحم مجالات جديدة ويطرح أسئلة، والقادر على أن يفكك بنية. ليس للعدالة والتنمية حضور مؤثر في المجال الثقافي، لأن المثقف هو من يطرح الأسئلة، والبنية الذهنية لمن يرتبط بمعتقدات هو الإيمان بهذه الأرضية، وعدم القدرة على إعادة النظر في أسسها. لقد سبق لقيادي في العدالة والتنمية أن قال إنه ليس لحزبه مشروع مجتمعي، وهو منسجم مع ذاته، وبنيته الذهنية. ليس للحزب إلا ذراعه الدعوي الذي يغذي المعتقد، وليست له عناصر تقنوقراطية، كما كان الشأن بالنسبة إلى حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي كان يرتكز على شريحة مثقفة كانت متميزة على الساحة الوطنية والدولية، وكان لها حضور وازن وتأثير قوي وطنيا ودوليا، وكانت له كذلك في زمن المعارضة كفاءات تقنية وأطر إدارية. وهذا هو الأمر الذي يعوز حزب العدالة والتنمية.

‭{‬ لنعد إلى الكتاب. في الصفحة 95 نقرأ أن «الشعوب تخشى قوى ضعيفة لا يمكن أن تثبت أمامها لو هي أبانت عن قواها، ولكنها رُوِّضت على الخوف فرضخت»، انطلاقا من هذه القول، هل نفهم أن الحركات الاجتماعية، مثل حركة 20 فبراير، قادرة في نهاية المطاف على فرض رؤيتها وتصورها للحكم والممارسة السياسية رغم ضعفها، ورغم قوة التنظيم لدى الدولة…

< أنا لا أريد أن أتحدث عن السياق الآني. ولكن لا يمكن، في جميع الحالات، لعمل سياسي يريد أن ينصرف إلى المدى البعيد ألا يرتكز على قاعدة فكرية ومرجعية نظرية، وعلى إطارات أو لنقل نخبة. وحتى النخبة لا تكفي، لا بد من تنظيم. أما الفعل السياسي، فهناك محددات تؤثر فيه، منها المصلحة والخوف، وجانب المبادئ والأفكار ليس حاسما لذاته. لا يمكن أن نعتبر أن المبادئ والاعتبارات العقلانية يمكن أن تبرر سلوكات الأشخاص. لذلك نجد انفصاما بين ما قد يؤمن به الأشخاص في قرارة أنفسهم، وبين ما قد يتصرفون وفقه، تبعا للمقولة المأثورة: «قلوبنا مع علي، وسيوفنا مع معاوية». فالمصلحة الآنية تكون أكثر تأثيرا مما قد يمليه الإيمان بمبدأ أو العقل، وأثر المصلحة الآنية أقوى في المجتمعات الفقيرة أو التي يقل فيها الوعي.

‭{‬ بتركيز الكتاب على صورة المسخ الذي يعيشه أذربال بالانتقال من إنسان إلى حيوان، هل يمكن القول إن الكتاب يريد أن يمثل صرخة ضد تحولات المجتمع وانزلاقه نحو الجهل والأمية والعنف، مثلما نراه اليوم؟

< لم تكن هذه الأسئلة حاضرة في ذهني. عندما اخترت شخصية أذربال وهذا المسخ الذي تعرض له، استحضرت أفولاي في كتاب «الحمار الذهبي»، لكي أرتبط بهذا التراث العريق. وسابقة أفولاي هي التي أوحت لـ«كافكا» كتابه الشهير «المسخ». ومن المفارقات أن هذا المسخ هو ما يسمح للشخص الممسوخ بأن تكون له نظرة نقدية ووعي. فانحدار أذربال إلى مستوى الحيوانية هو الذي شحذ وعيه في نهاية المطاف. هذا التمزق بين وعيه وواقعه، هو ما أكسبه رؤية ناتجة عن تأمل، غير ما ناله من علم في كبريات المراكز العلمية بقرطاج، وروما. من جهة أخرى، سعيت إلى أن أفي للتراث الإنساني، حين يهوى الإنسان كما في العهد القديم. فالإنسان حينما يجترح الخطيئة ويخترق الممنوع، يمسخ ويخرج من الجنان، ولكنه يمكن أن يتدارك نزوله إلى الحضيض ويرتقي عن طريق التوبة، وهي عودة، وطريق التوبة هو المعاناة. وهذه الصورة التي نجدها في تراث العهد القديم كما نجدها في التراث الإغريقي حينما تجاوز بروميثيوس الممنوع، وحينما سرق النار المقدسة من الأولمب، حقّ عليه غضب الآلهة.. هي الصور ذاتها التي تنطبق على أذربال، حيث اجترح الممنوع، فعوقب. حسِب أنه يستطيع أن يتحول إلى طائر، حينما نال مما ليس له أن ينال منه، ولكنه استطاع أن يرتقي من خلال سفر داخلي، من خلال معرفته بنفسه، ليسترجع وضعه الإنساني.

‭{‬ ينتهي الكتاب بالعبارات التالية: «قالت: ما أجمل الغروب. قلت: هو إيذان لفجر جديد». هل المقصود بعبارة «فجر جديد» كتاب آخر يخوض في تطور الإنسان المغربي، أم هو نبوءة بتحولات سيعيشها المجتمع المغربي؟

< هذا هو الذي أميل إليه. أنا أتصور أن السياق الذي تجري فيه الأحداث لا ينحصر على المحيط المغربي. فجميع العناصر المكونة لشمال إفريقيا حاضرة. ذلك أن شخصية الرواية تتطلع إلى أن تنتقل هذه المنطقة من طور إلى طور تستعيد فيه عبقريتها وشخصيتها ووعيها بذاتها، لتكون فاعلة. والكاتب ليس عرافا، لكن الإيمان بالأمل يشحذ الأمل بذاته. فحينما نغذي اليأس، يجثم اليأس على النفوس، وعندما نغذي الأمل، تُشحذ القرائح. طبعا، أنا لست ملاحظا محايدا فقط، فما يعتمل في وطني ومحيطي يهمني بالدرجة الأولى. أحمل أملا، في ما يخص بلدي أولا، وفي ما يتعلق بالمنطقة، أعني البلاد المغاربية التي لها كل المؤهلات لتكون وازنة في نهاية المطاف، إن هي تصالحت مع ذاتها. 

شارك المقال