بوحنية قوي
تتسم العلاقات بين المجتمع المدني في المغرب والمؤسسة الملكية بنوع من «الأبوية» التي تسعى إلى إضفاء طابع سلمي يقبل بالإصلاح السياسي الداخلي غير الراديكالي، وهو ما جعل أغلبية الجمعيات تتخندق ضمن الرؤية الملكية، وهذه العلاقة هي ذاتها التي ميزت العلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب المغربية.
تملك الخبرة المغربية في العمل الجمعياتي رصيدا نضالياً وتاريخياً مهما، وعرف المغرب صعودا معتبرا للفاعلين غير الحكوميين وغير المتحزبين في قلب الحياة الجمعوية خلال الثمانينيات وبشكل أوضح في التسعينات من القرن الماضي، حيث أبان هؤلاء الفاعلون الجدد عن قدرتهم على الإسهام بكيفية ملموسة وفعالة في المجهود التنموي، وفي دمقرطة النقاش العمومي بالبلاد.
محطات الصراع
وتميز الفعل الجمعوي بالمغرب، إبان السبعينات من القرن الماضي، بالصراع والمواجهة بينه وبين السلطة، وقد كانت البداية الأولى ذات طابع حقوقي، وقد استعرض الباحث المغربي، توفيق بوعشرين، هذه المحطات في ثلاثة مواقف طبعت تعامل السلطة مع فعاليات المجتمع المدني:
1- المواجهة: وقد امتدت هذه المرحلة من بداية السبعينات إلى أواسط الثمانينات، وتميزت بالاصطدام المباشر مع ما كان يشكل أنوية مجتمع مدني فتي وناشئ والذي كان في غالبه على صلة بهذه الدرجة أو تلك مع الأحزاب السياسية المعارضة، وخاصة اليسارية.
2- المنافسة: حيث انتبهت السلطة في أواسط الثمانينات إلى الاهتمام المتزايد بمؤسسات المجتمع المدني، ومن ثم عمدت إلى خلق عدة جمعيات ترفع نفس أهداف وشعارات باقي مؤسسات المجتمع المدني الحرة، وأمدتها بجميع الإمكانات المادية، وجعلت على رأسها أعيان السلطة والمال حتى تقوي نفوذها في المجتمع (مثل جمعية أبي رقراق، جمعية الإسماعيلية، جمعية إليغ، جمعية أنكاد، جمعية المحيط)، والملاحظ أن هذه الجمعيات أصبحت أنشطتها تغطي كافة جهات المغرب، بل أصبحت غطاء للكثير من الأنشطة السياسية الرسمية.
3- الاحتواء: مع مطلع التسعينات تغيرت استراتيجية الدولة تجاه المجتمع المدني، بعد أن عجزت عن القضاء عليه بالمرة أو منافسته بشكل كبير، وبذلك اتجهت إلى احتوائه وتوظيف مؤسساته وموقعها في المجتمع، وهكذا بدأ الحديث عن إشراكه في إعداد البرامج الحكومية وتدبير المرافق وتوسيع حضوره ورموزه في الأنشطة الرسمية ووسائل الإعلام.
ويشير الباحث المغربي، رشيد جرموني، إلى أن هذا الانفتاح لم يأت في سياق طبيعي يؤشر على بداية إيمان الدولة بقدرة مؤسسات المجتمع المدني على المساهمة في تدبير الشأن العام، بل جاء في سياق العجز أولا في التصدي للمشاكل الكبرى التي بدأ يعرفها مغرب التسعينات، والتي شكلت ثمرة مباشرة لنتائج التقويمات الهيكلية لسنوات الثمانينات، ومن ثم فإشراك هذه المؤسسات كان يرمي إلى محاولة امتصاص الغضب الشعبي من اختيارات الدولة، ثم، ثانيا، جاء هذا الانفتاح الاضطراري بعد بروز اتجاه لدى الدول الغربية والمنظمات غير الحكومية العالمية، يفضل التعامل مع مؤسسات المجتمع المدني المستقلة على التعامل مع المؤسسات والأجهزة الرسمية لمحدودية فعالية هذه الأخيرة، ولاعتقاد لدى المنظمات والدول الغربية مفاده أن أجهزة الدولة في المغرب والعالم الثالث لا تمثل تمثيلا أمينا مصالح وتطلعات ومشاكل المجتمع المدني، ومن ثم فوصول هذه الجهات إلى أهدافها، وليس كلها بريئا، يمر بالضرورة على قنوات مؤسسات المجتمع المدني.
في النصف الأول من سنة 2012، كشف الحبيب الشوباني، الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني بالمغرب، أنه من أصل 70 ألف جمعية محلية وجهوية ووطنية، أقل من 10% منها يحصل على أكثر من 80% من أصل تسعة مليارات سنتيم تمنح للجمعيات سنويا، وأن أزيد من 97% من هذه الجمعيات لا يقدم أية وثيقة رسمية عن مصاريفه، أو أعماله، أو ما نفذه من مبادرات وأنشطة وبرامج وما سواها.
وأضاف الوزير أن هناك «مجتمعا مدنيا مرتزقا، لا يقدم الخدمات التي تنص عليها أوراقه الرسمية، وسنكشف الاختلال في التصرف بالمال العام» في حينه، لا بل وعد بكشف المزيد حال تثبت وزارته من اللوائح، وبيان التمويل المتأتي من المال العام الصرف، والقادم من «المعونات الخارجية»، وما جاء في إطار ما يسمى بالشراكات.
إن هذه معطيات صادمة بكل المقاييس، لا بل إنها تشي بأن مصطلح «المجتمع المدني» المعتمد والمروج له بقوة في الأدبيات بالمغرب، لا يصلح، إلا بنسبة ضعيفة للغاية، للتعبير عن واقع ما تقوم به بعض هذه الجمعيات الأهلية، أو ما تعمد إليه من سلوك وتصرف، فما بالك بادعاء كونها «ركنا من أركان السلطة بالدولة»، أو قوة مدنية قبالة القوة السياسية التي تمثلها الأحزاب والنقابات والإعلام الرسمي، وقس على ذلك.
ويشير في هذا الصدد الخبير الإعلامي، يحيى اليحياوي، إلى أن إغداق الكثير من الأموال والمساعدات من المال العام، المتأتي حصرا من ضرائب المواطنين، على جمعيات “المجتمع المدني” بالمغرب، ليس وليد اليوم، بل هي ظاهرة قديمة، اعتمدتها الدولة المركزية أيام الأزمات والتوترات، كمحاولة من لدنها لفك العزلة التي أصبحت تشعر بها في مواجهة المجتمع، ومن أجل تحجيم وإقصاء الأحزاب الديمقراطية والمنظمات المنبثقة من المجتمع.
كما أن ذلك قد ساهم في ترسيخ ثقافة الموالاة والتبعية والخضوع، وهي الظواهر التي تتنافى مع مبادئ الديمقراطية وقيم المواطنة، وتتعارض مع أحد المرتكزات الأساسية التي لا تقوم للمجتمع المدني قائمة بدونها، ألا وهو الاستقلالية.
ميلاد شبيه بنشأة الأحزاب
والواقع أن إنشاء وخلق هذه الجمعيات إنما سار منذ ستينيات القرن الماضي في مسار إنشاء وخلق الأحزاب السياسية والنقابات والزعامات في المملكة المغربية وما سواها:
فهي، مثل الأحزاب والنقابات، أنشئت من علٍ، وضخ في صناديقها من المال العام الشيء العظيم، ليس بغرض تقوية النسيج المدني، ودفعه لتعويض ما يمكن أن تعجز الدولة عن إدارته، أو القيام به أو تداركه بالميادين الاقتصادية أو الاجتماعية أو الرياضية أو الدينية أو الثقافية أو الترفيهية أو ما سواها، بل لتبييض صورة النظام، وتجميل سلوكه، ولتصريف ما يصدر عنه من قرارات أو ما يترتب عن سلوكه من خشونة. ويختم اليحياوي نقده الموضوعي واللاذع في الآن ذاته بالقول إن عبارة «المجتمع المدني»، قياسا إلى ما نحته المثقفون العضويون بالغرب، إنما تعبر بالمغرب، عن تنظيمات مزيفة، وتعبر في الآن ذاته عن «مناضلين» مزيفين، همهم الأساس تعظيم المصالح وتثمين الغنائم، ومع كل هذه الصورة فإن هناك جمعيات تغالب الظروف، وتحاول تقديم بدائل حقيقية في مجال مكافحة الفقر ومراقبة الإدارة وتعزيز الشفافية والمساهمة في سوق الشغل.
مساهمة في التشريع
على المستوى الشكلي، لا ينظم القانون الدستوري المغربي، أو النظامان الداخليان لمجلسي البرلمان، أي علاقة مفترضة بين المجتمع المدني وبين مجلس النواب ومجلس المستشارين، إذا استثنينا طبعا التنصيص على تمثيلية النقابات العمالية في المجلس الثاني.
لكن الملاحظ عموما أن مساهمة المجتمع المدني في العمل البرلماني، وخاصة على مستوى التشريع، رغم ازدياد حجمها، مازالت في حاجة إلى تفعيل، وهو ما يعني أن التواصل المدني البرلماني مازال مغربيا في بداياته الأولى، فضلا على أنه يوجد على هامش النصوص المنظمة للعمل التشريعي، لغياب الإطار القانوني الذي يسمح بمشاركة المجتمع المدني في العمل التشريعي.
إن اهتمام فعاليات المجتمع المدني بطرح اقتراحاتها أمام الحكومات أو حتى المؤسسة الملكية، أكثر من اهتمامها بطرح تلك الاقتراحات أمام البرلمان، يبقى سلوكا «عقلانيا»، إلى حد ما، لأنه يتجه رأسا إلى مواقع السلطة، وهو سلوك يشبه إلى حد كبير محاولات رجال الأعمال، مثلا، التأثير بشكل مباشر على الأوساط البيروقراطية أو على المحيط الملكي أكثر من اهتمامهم بالتأثير على البرلمان.
إن مجموع الإصلاحات السياسية الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب، خصوصاً بعد سنة 2011، لا يمكن استثمارها استثمارا حقيقيا إلا من خلال الإشراك الحقيقي الفاعل والمسؤول لمختلف الفاعلين في الحقل الاجتماعي، وذلك بتوظيف مجموعة من الآليات، من أهمها:
• الزيادة من حصص الدعم «المادي، اللوجستي والتكويني» المخصصة لمنظمات المجتمع المدني.
• الحث على ضرورة استعمال هذه المؤسسات لوسائل الإعلام المكتوبة، المرئية والمسموعة.
• إرساء مبادئ التسويق الاجتماعي le marketing social غير الربحي بطبيعة الحال، ضمن الأبجديات المكونة لهذا النوع من المؤسسات.
• توسيع تطبيق التدقيق المحاسباتي الداخلي والخارجي، وذلك بغية ضمان قيام هؤلاء الفاعلين بالخدمات المرجوة منهم أحسن قيام.
• التوسيع من تمثيلية الفاعلين الاجتماعيين في المنظمات الوطنية، كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن مؤسسات المجتمع المدني المغربي يمثل جزء كبير منها أداة للتضامن الاجتماعي ووسائل توفر مناصب شغل حقيقية للعاطلين عن العمل.
وستبقى حركات المجتمع المدني في المملكة المغربية تدور في فلك المؤسسة الملكية مادامت هي من يرسم هامش التحرك، وهي من يمول وهي من يرسم الخطوط الحمراء، وقد تتفلت بعض الأصوات الجمعوية من هذا الإطار، لكنها ستكون معارضة ضمن النظام، في حين أن الحركة الجمعوية التونسية ترفع من سقف توقعاتها خصوصا بعد أن أفلحت في رسم معالم دستور تونس الجديد لسنة 2014 في ظل تنازلات يمكن وصفها بالأليمة من جميع الفعاليات الحزبية.
20 فبراير.. محاولة الخروج من خندق السلطة
شكلت حركة 20 فبراير النسخة المغربية من الحراك العربي، إنها نسخة استثنائية ليس بالمعنى السياسي فحسب، ولكن بمواصفات سوسيولوجية.
كما وصف أحد الصحفيين الأمريكيين أن ما وقع في المغرب نسخة مثالية من طرق التغيير الممكنة، حيث خرج الناس إلى الشوارع يقودها حزب معارض، ارتقى بعد ذلك إلى السلطة، وهو الذي لم يكن يحلم بها أبدا.
لقد شجعت الحركات الاجتماعية على تأسيس حركة 20 فبراير، في سياق زمن الحراك العربي، حيث عمدت الحركة إلى استعارة مجموعة من الشعارات التي ميزت الحراك العربي، خاصة شعار «محاربة الفساد وإسقاط الاستبداد»، ودفعت هذه التطورات النظام السياسي المغربي إلى اتخاذ مجموعة من القرارات والخطوات للتخفيف والحد من مشروعية الشعارات المرفوعة بهدف امتصاص قوتها وتأثيرها على الشارع المغربي، تمثلت هذه الخطوات أساسا في الإعلان في 03 مارس 2011 عن إصدار ظهير جديد يرتقي بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الذي تأسس في سنة 1990، من مؤسسة استشارية غير مستقلة، حيث تكرس الاعتقاد أنها كانت خاضعة لتحكم الملك، إلى مجلس وطني لحقوق الإنسان كمؤسسة قائمة الذات وليست فقط هيئة. مجلس يحظى بهيكلة وصلاحيات وفق المعايير الدولية باعتماد آليات جهوية للدفاع عن حقوق الإنسان وصيانتها في تنظيمه وممارسته اختصاصه في إطار من الاستقلالية والمسؤولية. وفي هذه الموجة الاحتجاجية اتخذت المؤسسة الملكية عددا من القرارات الأساسية لامتصاص الضغط، تمثلت في إحداث مؤسسة «الوسيط» كمؤسسة وطنية، مستقلة ومتخصصة، من أجل تعزيز وصيانة حماية حقوق الإنسان بالمملكة المغربية في إطار علاقة الإدارة بالمواطن.
عن مركز الجزيرة للدراسات