الشوباني والعرايشي مطالبان بالاعتذار 

19 أبريل 2014 - 15:47

ولم يتحملا المسؤولية الأخلاقية والسياسية التي تفرض على من في موقعهما ألا يترددا في الاعتذار إلى الآخر وإصلاح الخطأ وطلب الصفح وجبر الضرر…

السيد عبد الله الشوباني، وزير العلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، وقع نظره الأسبوع الماضي على صحافية شابة في البرلمان، بمناسبة افتتاحه، فلم يعجبه لباسها، فما كان منه إلا أن طلب منها أن تغادر بيت الأمة (البرلمان) لأن ما ترتديه من قماش لا يليق بالاحترام الواجب للبرلمان. كنا أول من نشر الخبر في موقع الجريدة في حينه، واتصلنا بالصحافية التي قالت الرواية أعلاه، واتصلنا بالوزير الذي رفض مطلقا التعليق على الحادثة لا بالنفي ولا بالتأكيد، وانتظرنا أسبوعا كاملا قبل التعليق على الحدث حتى نستكمل كل المعطيات، كما تفرض قواعد المهنة وأخلاقياتها، لكن الوزير لم يفتح فمه، ولم يخرج إلى الرأي العام لتوضيح وجهة نظره، وقد أصبح الحادث قضية رأي عام ولا يجب السكوت، حيث يصبح الكلام ضرورة والصمت جريمة، لهذا سنعتبر أن رواية الصحافية هي الحقيقة، وأن صمت الوزير هو إقرار ضمني بما حدث، حتى إن كان مقصوده شيئا آخر…

ليس من حق وزير أن يطرد صحافية من البرلمان، أولا، لأن المؤسسة التشريعية مستقلة عن الجهاز التنفيذي، وإدارة البرلمان هي المسؤولة عن حسن سير المؤسسة وعن التزام قواعد الآداب والاحترام في قبة التشريع وليس الحكومة (لهذا كان رأيي أن من العار أن يسمح البرلمانيون لأنفسهم بحمل بطاقة من إصدار وزارة الداخلية أو تسليم تنظيم البرلمان إلى الشرطة). ثانيا، ليس من حق الشوباني، كوزير ولا كمواطن، أن يعلق على لباس امرأة أو رجل مهما كان، هذا يدخل في خانة الحريات الفردية وحقوق المواطنين في أن يلبسوا ما شاؤوا، وإذا تجاوزوا المسموح به من قواعد النظام والأخلاق العامة فهناك شرطة تقوم بعملها، وقضاء يفصل في الأمر بناء على نصوص في القانون، وليس على فتاوى رجال الدين، أما «المطاوعة» ولجان ومليشيات الأمر بالمعروف النهي عن المنكر، التي تحمل الناس على الأخلاق بفهمها وذوقها وتفسيرها للنصوص الدينية، فهذا لا مكان له في المغرب، ولا في أي دولة تعرف نفسها بأنها دولة الحق والقانون.

إذا كان السيد الشوباني قد وقع في هذا الخطأ الحساس، فما كان عليه سوى أن يمتلك شجاعة الاعتذار، وإذا كان مقتنعا بأن لقبه الوزاري يعطيه الصفة الضبطية، ويعطيه الحق في حمل الناس على الاقتداء بذوقه في اللباس، فما كان عليه إلا أن يصرح بذلك علنا، وآنذاك سنناقشه في الأمر. لقد وقع عبد الإله بنكيران زمن المعارضة في الخطأ ذاته قبل سنوات عدة عندما غضب من سروال صحافية في القناة الثانية رأى أنه ضيق جداً على جسدها، فما كان منه إلا أن انتفض في وجهها، وطلب منها احترام المؤسسة التشريعية، وعشنا ورأينا كيف تحولت القبة ذاتها إلى ساحة لـ«الستربتيز الرجالي» عندما عرى الراضي «مول الغابة» كرشه أمام الكاميرات وملايين المشاهدين هو يرد على بنكيران الذي اتهم البرلماني بأن بطنه مليئة بالعجين، لكن بنكيران رجع واعتذر عما قام به، ولو سنوات بعد ذلك، واعتبر المراقبون أن الحزب الإسلامي يتعلم من أخطائه، ويتحول تدريجيا من حزب أصولي إلى حزب سياسي بمرجعية دينية، وهذا مما تقبله الديمقراطية، لكن أن يأتي الشوباني ويرجع بنا إلى الوراء سنوات عدة، فهذا تصرف غير محسوب، وخطأ في التقدير يعطي للمشككين في انضباط الحزب للمرجعية الديمقراطية المبررات للاستمرار في اتهام الحزب بممارسة التقية السياسية. 

الحريات الفردية وحرية الصحافة واستقلال القضاء والفصل بين السلط والتعددية السياسية والفكرية… كلها حقوق وضمانات لا علاقة لها بقانون الأغلبية والأقلية، هذه حقوق مقدسة في الديمقراطية لا يمسها من حصل على 51٪ أو من حصل على 99٪ من الأصوات، هذه ثوابت، أما السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ونسب النمو ومعدل البطالة وتوجهات الدبلوماسية فهذه هي شغل الحكومات، لا لباس الفتيات وعطر النساء وتسريحة الرجال…

فيصل العرايشي قصة أخرى، فهو لم يطبق حكم القضاء الذي قضى بوقف بث الإحاطات علما في البرلمان إلى غاية البت في الدعوى التي رفعتها الحكومة ضد قرار الهاكا، الذي سمح ببث هذا النشاط البرلماني في التلفزيون، وبذلك ارتكب خطأ جسيما، وأنا رأيي كان هو أن الحكومة مطالبة بإقالته لأنه لم يحترم القضاء، وأعطى نموذجا سيئا لمسؤول كبير يخرق القانون ومقتضيات دولة الحق، لكن، وحيث إن الحكومة عاجزة عن ذلك أو لا ترى أن الوقت مناسب للدخول في معركة ضد التماسيح الكبيرة، وأن الحكومة «تحكر» فقط على الفئران الصغيرة، وتخرج أظافرها للنقابات والمعطلين والفقراء، فعلى الأقل كان على العرايشي أن يعتذر إلى القضاء والرأي العام علانية، وبلا مواربة، أما وقد وجد من يلتمس له الأعذار، ويخترع حكاية أنه مستهدف بحرب، وأنه يتعرض لضغوط، فليستمروا في الضحك على ذقن الشعب، والتلاعب بقيم الحداثة والحرية التي تجعل من تحدي أحكام القضاء ودولة المؤسسات تفاصيل لا ضرورة للوقوف عندها…

شارك المقال

شارك برأيك